لم يعد العمل السياسي يتطلب بيع الأرزاق. باتت السياسة باب استرزاق يدرّ أراضي ومباني وفنادق و«مولات». لم يعد السياسي يقترض من المصارف. بات، هو، عضو في مجالس إدارات المصارف أو مساهماً أساسياً فيها أو محامياً عن مصالحها في مجلسي النواب والوزراء. لم يعد لدى السياسي همّ استمالة الصحافيين أو إقناعهم بوجهة نظره بعدما بات يملك وسائل إعلامه، ولا همّ استرضاء أصحاب رؤوس الأموال بعدما أصبح هو رأس المال.


هو موجود بين أصحاب الوكالات؛ وكالات الثياب والمطاعم والإسمنت والدواء وكل ما يؤكل ويُشرب ويُلبس ويُستهلك. خلف أقنعة أصحاب المولات تجدونه مبتسماً، وخلف أصحاب الفنادق والمطاعم والمجمعات تجدونه محامياً رسمياً يتولى الدفاع عنهم في قصور العدل قبل الظهر، وفي مجلسي النواب والوزراء بعده. ولّى زمن تسوّله الخدمات الصغيرة في وزارات التربية والصحة والشؤون الاجتماعية، بعدما بات هو المدرسة والجامعة والجمعية والمستشفى والصيدلية وتجارة الدواء. ولم يعد يستعطي «كميون زفت» من هنا و«نقلة» بحص من هناك؛ بات هو الكسارة والمرملة والمقاول والمتعهد والمهندس المشرف على المشروع مقابل أجر خياليّ.
تتلمذ على يديّ رفيق الحريري كثيرون، ويسعى لتقليده كثيرون: السياسة ليست مبادئ وقيماً وقضية محقّة، بل «بزنس» وتقاسم وتسويات. والسياسيّ ليس مناضلاً أو تقدميّاً أو إصلاحيّاً «حاف»، إنما رجل أعمال يبيع ويشتري: يدير شركة تنظيفات؛ يبيع موقفاً هنا فيفوز بمناقصة تنظيف وزارة هناك؛ يدير كسارة ومدرسة وجامعة ومستشفى، فيحرم المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية والمستشفى الحكوميّ. لبيروت سوليدير، ولصور جمعية تستثمر محميتها، وللبترون شركة «أولد سوق» العقارية، ولجبيل «بابليستي»، ولجونية مشروع واجهة بحرية يحدق بسوقها وشاطئها. كانت ثمة «سوكلين» واحدة، واليوم بات لكل سياسيّ سوكلينه. كان ثمة جهاد العرب واحد، بات لكل حزب «جهاده». القصور الجديدة تزاحم قصر قريطم المهجور وتزايد عليه: في سوليدير قصر، وفي معراب قصر، وفي المصيلح قصر، وفي فردان قصور، وفي البياضة قصر، وفي الرابية قصور، وفي بكفيا قصور، وفي بتغرين قصر، وفي المختارة ومجدليون وسن الفيل وجونية وأدما والقبيات قصور. في الدول الأخرى يبني السياسيون قصورهم في جزر بعيدة عن أنظار مواطنيهم، أما هنا فيفاخرون بنهبهم المنظم لجيوب المواطنين.
هذا البحث يعرض عينة ــ مجرد عينة ــ من شركات السياسيين المسجلة في السجل التجاريّ التابع لوزارة العدل، كما وردت بتاريخ 13 تشرين الثاني 2015. ولا يهدف الكتيب إلى اتهام السياسيين بالفساد أو استغلال السلطة أو غيرهما، إنما يؤكد أنهم، ببساطة، رجال أعمال: هم المشاريع السكنية الشاهقة التي تخنق أحياءنا، ووكالات الثياب والـ»مولات» التي أطاحت بأسواقنا، وشركات النقل البحري والبري والجوي، والمطاعم والملاهي الليلية وشركات السياحة، ومصانع الإسمنت وشركات استيراد الغاز وكل المشتقات النفطية وتوزيعها، والمنتجعات البحرية والجبلية، والزفت والمرامل والكسارات وشفاطات الرمال، وشركات المقاولات التي تسرح وتمرح في الهبات المجيّرة لمجلس الإنماء والإعمار، وتجّار الشتول والبذور ونباتات الزينة والمبيدات والمواد الكيماوية والاسمدة. وهم مستوردو اللمبات والـ «سبوت لايتس» ومفصلات الابواب. وهم أصحاب التلفزيونات والإذاعات وشركات الإعلان. وهم الغاز وزيت المحركات والمازوت. وهم البنزين ومحطاته وشركات الأمن والباركميتر والفاليه باركنغ. وهم الحليب والعصير. وهم مدن ملاهي الأطفال ومستوردو الفوبيجو. وهم الشركات المتعهدة لكل ما تحتاجه الوزارات والمرافق الرسمية والبلديات. هم الـ «بزنس».
استغلال النفوذ والسطوة على المؤسسات الرسمية والصناديق وحقائب المال الخارجيّ والقروض المصرفية المنسية والفوائد المصرفية الاستثنائية على ودائعهم وكل الاتهامات التقليدية شيء، والبزنس المعلن شيء آخر. رجال الأعمال لا يمكنهم أن يكونوا دعاة تغيير أو رجال قضية أو رواد إصلاح، لأن النائب ــــ صاحب شركة الإعلانات، يحتاج رضى رئيس البلدية والقائمقام ووزير الداخلية لنصب لوحات الإعلان. والنائب ــــ صاحب محطة البنزين، يحتاج رضى من سبق تعدادهم إضافة إلى وزارة الطاقة وشركات البنزين لمباشرة عمله. والنائب ــــ المقاول (أو شقيق المقاول أو إبن عمه) سيمرر لهم عقداً حتى يمرروا له عقداً في المقابل. والنائب ـــ صاحب عشرات الشركات العقارية سيخشى على عقاراته وأسعار الشقق من تداعيات مواقفه. من كانوا ينتقدون رفيق الحريري، موهمين أنفسهم والآخرين أنهم صنف آخر، يهرعون اليوم للحاق به.
تفتت ظلّ رفيق الحريري إلى خمسين ظلاً، تتفاوت أحجامها، لكنها تسابق بعضها بعضاً لتفوز بعقد أو عقار أو وكالة أو... مجرد كومسيون.

ملاحظة 1:

لعل هناك مساهماً أو شريكاً أو عضو مجلس إدارة أو محامياً في إحدى الشركات لم يعد مرتبطاً بهذه الشركة إلا أنه لم يبلغ الدوائر الرسمية المعنية بتعديل المعلومات الواردة في السجل التجاري الإلكتروني، وعليه لا يتحمل الصحافيان أية مسؤولية. فقد تم استعراض المعلومات كما ترد في السجل التجاري بتاريخ 13 تشرين الثاني 2015.

ملاحظة 2:

يرد في البحث سياسيون عدة يديرون أعمالاً بسيطة لا تتعارض مع أدوارهم السياسية يفترض أن تكون هذه مناسبة لإنصافهم وتبيان حقيقة عملهم مقارنة بغيرهم.

ملاحظة 3:

لم يفض البحث إلى أية شركات مسجلة بأسماء هؤلاء السياسيين أو أقربائهم: ادغار معلوف، اغوب بقرادونيان، امين وهبي، انطوان زهرا، ايلي كيروز، ايلي عون، جمال جراح، جوزف معلوف، خالد ضاهر، دوري شمعون، سامر سعاده، سامي الجميل، سيبوح قالبكيان، سيرج طورسركيسيان، علي عمار، عمار الحوري، فؤاد السعد، فادي الاعور، كامل الرفاعي، محمد قباني، وليد الخوري، نديم الجميل، فادي كرم، باسم الشاب، بدر ونوس، بلال فرحات، جيلبرت زوين، خضر حبيب، سليم سلهب، سليم كرم، طوني ابو خاطر، عاصم عراجي، علي فياض، علي عسيران، علي المقداد، عماد الحوت، فريد الخازن، قاسم هاشم، محمد رعد، ميشال موسى، ناجي غاريوس، نبيل نقولا، وليد سكرية، يوسف خليل، عبد اللطيف الزين، عبد المجيد علي صالح، مروان فارس، انطوان سعد، أحمد كرامي، حسن فضل الله، خالد زهرمان، نواف الموسوي، نقولا غصن.
ولا شك أن معدي الكتيب يرحبان بأية معلومات موثقة عمن سبق تعدادهم أو غيرهم ليصار إلى إضافتهم.