بعد مضيّ أقل من أسبوع على توقف الأعمال الحربية في عدوان تموز آب 2006، عُقد اجتماع ضم السفير الأميركي في بيروت جيفري فيلتمان، وناظر القرار الدولي 1559 تيري رود لارسن، والمبعوث الأممي فيجان نمبيار. وفي الوثيقة الصادرة عن السفارة الأميركية في بيروت يوم 21 آب 2006، التي نشرتها صحيفة أفتنبوستن النروجية نقلاً عن موقع ويكيليكس، يجري الحديث عن هذا الاجتماع،


وعن لقاء آخر عُقد بين لارسن وفيلتمان. كان لارسن يسوّق نفسه كمرشح جدي لمنصب الأمانة العامة للأمم المتحدة، خلفاً للأمين العام السابق كوفي أنان، الذي لم يكن قد أنهى ولايته بعد. وفي أسوأ السيناريوهات، طرح لارسن نفسه كنائب للأمين العام للأمم المتحدة، فيما لو استقر الرأي على تعيين الأمير الأردني زيد بن رعد أميناً عاماً للأمم المتحدة.
في الشأن اللبناني، ينقل فيلتمان عن لارسن في الوثيقة قوله إن السلطات اللبنانية جدية في نشر الجيش اللبناني في منطقة جنوبي الليطاني، أكثر «مما كنا نعلم». تحدّث لارسن ونامبيار عن انتشار الجيش اللبناني على الحدود مع سوريا، ولفت الأول إلى «شيء جديد» أنتجه اجتماع لبناني أممي عقد يوم 19 آب في السرايا الحكومية، ضم رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ووزير الدفاع الياس المر ووزير الداخلية بالوكالة أحمد فتفت وقائد الجيش ميشال سليمان ومدير استخبارات الجيش جورج خوري والمدير العام للأمن الداخلي أشرف ريفي وقائد اليونيفيل ألان بليغريني. وبحسب لارسن، فإن السنيورة والمر وسليمان وافقوا على أن تتجول قوات من اليونيفيل في المنطقة للتثبت من انتشار الجيش اللبناني. سأل فيلتمان لارسن ونمبيار عما إذا كانا قد أثارا مع السنيورة إمكان نشر قوات من اليونيفيل في المطار والموانئ البحرية، فرد لارسن بأنه ضغط كثيراً في هذا الشأن، إلا أن «السنيورة كرر قلقه المعتاد من خرق السيادة».
بالنسبة إلى قضية مزارع شبعا، اقترح لارسن أنّ يُبحَث في سجلات تسجيل الملكيات الخاصة في المنطقة لتحديد الدولة ذات السيادة على الأراضي. وبما أنّ معظم الأراضي هي أملاك تعود إلى الدولة، والخرائط تظهر أفضلية للسيادة السورية على المزارع، فإن راسمي الحدود الدوليين سينتهون إلى تحديد «مزارع شبعا صغيرة المساحة». وبحسب لارسن، فإن «الخدعة» ستسمح بإقناع اللبنانيين بالحصول على «مزارع شبعا الأصغر حجماً» لإقفال الملف نهائياً، إذا وافقت إسرائيل على ذلك.
وتشير الوثيقة ذاتها إلى أنّ لارسن أُعجب بنصيحة وجّهها إليه فيلتمان بشأن التدقيق في سجلات العقارات اللبنانية والسورية لتحديد المناطق الخاضعة لسيادة كل واحد من البلدين، من خلال معرفة تاريخ تسجيل العقارات، ولضبط أيّ مخالفة في هذا الإطار. ورأى لارسن أنّ اعتماد هذه الآلية «يعطينا فرصة لحشر سوريا في الزاوية عبر إظهار عدم تعاونها».
وسأل نمبيار السفير فيلتمان عن رأيه في الإنزال الذي نفّذته القوات الإسرائيلية في البقاع فجر يوم 19 آب، فرد فيلتمان بأنه عرف بالخبر من خلال وسائل الإعلام، ومن خلال اتصالات هاتفية غاضبة أجراها به لبنانيون. ورأى نمبيار أن إسرائيل «نجحت في تدمير وقف إطلاق النار»، وأنها أضرت بحكومة السنيورة.
سأل فيلتمان الموظفَين الأمميَّين عما إذا كانا قد حصلا على معلومات عن الجنديين الإسرائيليين اللذين أسرهما حزب الله يوم 12 تموز 2006، فأجابا بأنّ كل ما توافر لديهما هو أن منظمة الصليب الأحمر الدولي أخبرتهما أنّ الإسرائيليَّين عوملا بطريقة إنسانية.
وفي نهاية الوثيقة، يقول فيلتمان إنه كان يستخدم إنزال الإسرائيليين في البقاع «لتقوية حجتنا» عند التوجه إلى حكومة السنيورة طالبين إشراك اليونيفيل في مراقبة الحدود، وبينها المطار والمرافئ، عبر القول إن عدم سماح لبنان للمجتمع الدولي بمساعدته على مراقبة الحدود سيفسح في المجال أمام إسرائيل للقيام بذلك.

نظرية المؤامرة

وفي وثيقة أخرى مؤرخة يوم 27 أيلول 2006، يبلغ السفير جيفري فيلتمان وزارة الخارجية الأميركية بمحضر لقائه مع الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان، غير بيدرسن. وينقل فيلتمان عن بيدرسن قلقه من المعلومات المتداولة بشأن نية الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي أنان، تعيين وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر مبعوثاً خاصاً له إلى لبنان. ويرى بيدرسن أنّ خطوة كهذه ستكون «رهيبة» لناحية تقديم حجة إضافية إلى أصحاب نظرية المؤامرة الذين سيربطونها بتصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل عن «حماية إسرائيل»، وبمهمة القوات البحرية الألمانية ضمن اليونيفيل، وبالمساعدة التقنية التي تقدمها ألمانيا في مراقبة الحدود اللبنانية، وبزيارة السنيورة الحالية إلى ألمانيا، وبالشائعات المتداولة في بيروت عن عودة ديتليف ميليس وغيرهارد ليمان إلى خلافة سيرج براميترس في لجنة التحقيق الدولية في شباط 2007.
وطالب بيدرسن الحكومة الأميركية بالانضمام إلى الجهود الفرنسية الرامية إلى إقناع أنان بعدم الإقدام على هذه الخطوة، لافتاً إلى أنه سيستقيل من مهمته ليعود إلى النروج إذا عُيّن فيشر في هذا المنصب. ولفت بيدرسن إلى خطورة هذه الخطوة، وخاصةً إذا صدق ما يقال عن أن فيشر لن يكون مقيماً في لبنان.
ويرى فيلتمان في تعليقه على المحضر أن بيدرسن هو «كما لارسن، صاحب مصلحة شخصية» في عدم تعيين فيشر، (...)، وخاصةً أنّ الأخير سيكون بمثابة مراقب على مكتب بيدرسن. لكنّ فيلتمان يوافق على تحليل بيدرسن القائل بأن فيشر لن يكون شخصاً ذا صدقية في لبنان، وخاصةً أنّ عملية التعيين ستظهر كما لو أنها جزء من خطة ألمانية لحماية إسرائيل على حساب السيادة اللبنانية.