نجاح واكيم

الملفات التي أعدها الصحافيان غسان سعود ورلى ابراهيم، عن الثروات التي حققها عدد ممن تولّوا مواقع في السلطة وأقرباؤهم وشركاؤهم، قيّمة جداً، وستكون مفيدة جداً في زمن آتٍ. متى؟
عندما يتمكن الشعب اللبناني، الذي تعرض لشتى أعمال النهب الشرس طوال الفترة الماضية، من بناء دولة سليمة يخضع فيها الجميع لحكم القانون.

هو زمن آتٍ لا ريب فيه. والمؤشرات على ذلك كثيرة منها:
ــــ هذا الانهيار الشامل في المؤسسات الدستورية، رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، وتداعيات هذا الانهيار في سائر مؤسسات الدولة.
ــــ الغضب الشعبي العارم الذي تفجر في 22 آب الماضي، والمستمر والمتصاعد، من دون أن تتمكن هذه السلطة المتهالكة من معالجة أي مشكلة، وأبسطها تلك التي فجرت الغضب الشعبي، مشكلة النفايات.
واللافت في التظاهرات التي شهدها لبنان في هذه الفترة أن اللبنانيين اجتاحوا الاصطفافات الطائفية والمذهبية والعصبيات التي يستند إليها أطراف الطبقة السياسية الفاسدة.
أما عن المأزق الذي بلغه هذا النظام السياسي، واستقراء تفاعلات الحراك الشعبي في المستقبل، فالحديث يطول... لنعد إلى الملفات ولنسجل الملاحظات الآتية:
1ــــ إن الأسماء التي وردت فيها تمثل عيّنة من أولئك الذين تولوا مواقع مختلفة في السلطة منذ عام 1992، وأقربائهم وشركائهم في السلطة السياسية من دون سائر الموظفين الكبار في الدولة ومؤسساتها مثل مجلس الإنماء والإعمار، والمحافظين، والقائممقامين، وكبار المسؤولين في مؤسسات الرقابة كديوان المحاسبة والتفتيش المركزي، والقضاء.
2ــــ انها اعتمدت فقط على قيود السجل التجاري، ولم تلج إلى مغارة المصارف وثروات المتنفذين المودعة في لبنان والخارج بسبب السرية المصرفية.
3ــــ بالرغم من الجهود المشكورة التي بذلها معدا هذه الملفات، فإن من الضروري، لاستكمال الصورة، توثيق ثروات هؤلاء قبل توليهم السلطة، وكيف ضاعفوا ثرواتهم بفجور منقطع النظير أثناء توليهم السلطة.
4ــــ صحيح أن هذه الملفات لا تتضمن اتهاماً مباشراً لأصحابها بالفساد، ولكنها تطرح سؤالاً صريحاً: من أين لهم هذا؟ نحن لا نتوقع جواباً من قبل أثرياء السلطة، ولكن أين القضاء من كل هذا؟ أين النيابة العامة التمييزية ومتفرعاتها، ألا ترى وتقرأ وتسمع؟ ولكن لقد أسمعت لو ناديت حياً...
وبعد.
في الحقيقة، فإن ما تعرّض له لبنان منذ عام 1992، من عمليات سرقة ونهب للمال العام لم يعرفه في كل تاريخه، ولم يعرفه أي بلد آخر في العالم ــــ كما أعتقد ــــ في كل تاريخه.
لماذا أقول منذ العام 1992، وبالتحديد منذ أن تولى رفيق الحريري رئاسة الحكومة؟ هل إن الرجل هو الذي ارتكب وحده كل هذه الجرائم؟ طبعاً لا. فالحريري كان أبرز أفراد المجموعة التي تولت السلطة في ذلك الحين، وأبرز رموز المافيا التي مارست عمليات النهب الشرسة. هذه المجموعة شكلت في ما بينها تحالفاً لثلاث فئات:
ــــ الرأسمالية المالية المتمثلة بالمصارف وكبار المودعيين من لبنانيين وغير لبنانيين.
ــــ زعماء ميليشيات الحرب، الطائفيون، الذين كانت ممارساتهم في السلطة امتداداً لممارساتهم في الأزقة إبان الحرب الأهلية.
ــــ المجموعة السورية التي كانت تمسك بالملف اللبناني وكبار ضباط الأمن السوريين. وأبرز رجال هذه المجموعة كانوا عبد الحليم خدام، وحكمت الشهابي، وغازي كنعان، ورستم غزالي...
ومع هذا الإئتلاف، أو التحالف، بدأت مرحلة جديدة في لبنان تولّتها طغمة يرمز إليها باسم «الحريرية السياسية».
كنا نسمع هؤلاء يدافعون، أحياناً، عن ارتكاباتهم بالقول إن الفساد ليس ظاهرة جديدة في لبنان «فالبلد طول عمرو هيك». وأذكر أنني التقيت السيد فؤاد السنيورة، وكان ذلك قبل الانتخابات النيابية عام 1992، وكان يحاول أن يقرب بيني وبين السيد رفيق الحريري. قلت له: لا توجد مشكلة شخصية بيني وبين الحريري، ولكن الرجل يغذّي الفساد بدليل أنه دفع أموالاً لعدد كبير من النواب لكي يصوتوا على قانون إنشاء شركة سوليدير. فوجئت بالسنيورة يقول: «صحيح، ولكن الأمور بهالبلد ما بتمشي إلا هيك».
صحيح أن الدولة في لبنان قبل الحرب الأهلية كان فيها فساد. وأثناء الحرب الأهلية كان هناك فساد في الدولة. لكن «الحريرية السياسية» حوّلت الفساد من علّة يمكن محاصرتها وعلاجها إلى وباء تفشى في السلطة، ومنها إلى مختلف أوصال الإدارة، ومنها إلى المجتمع ذاته، فبدّل منظومة قيمه، ودمّر الأخلاق العامة، وصار الفساد هو «القيمة» أو «منظومة القيم» التي تحكم علاقة المواطنين ببعضهم البعض، وتحكم علاقتهم بالدولة والوطن، وتحكم أيضاً علاقة الدولة بالمواطنين. أما الشرف، والفضيلة، والنزاهة، والوطنية، والتكافل الاجتماعي، فهي قيم متخلّفة، بائدة، لا وجود لها إلا في مخيلة المغفلين.
إلى ما تقدم فقد كان من بين أخطر ما ارتكبته هذه الطغمة أنها شرّعت الفساد بقوانين ومراسيم لا يتسع المجال لتعدادها وشرحها، وشرّعت أيضاً حماية الفساد وحماية المرتكبين.
وبالعودة إلى المناقشات التي جرت في مجلس النواب بشأن قانون الإثراء غير المشروع، نتبين بوضوح «عبقرية» هذه الطغمة وفجورها. وفي هذا المجال أذكر ما رواه لي أحد كبار الموظفين في الإدارة عن حوار دار بينه وبين رئيس الحكومة رفيق الحريري. كان الأخير يطلب من الموظف التوقيع على معاملة مالية مخالفة للقانون. فقال الموظف: ولكن هذا يا دولة الرئيس مخالف للقانون، فرد عليه الرئيس: بسيطة نغيّر القانون.
وبعد...
ما الحل؟ لنا في هذا حديث آخر.