آخر تحديث 4:50 PM بتوقيت بيروت | خاص بالموقع

ـ ماذا نفعل نحن اليوم بالعيد (عيد الاستقلال)؟
ـ حفلة جيش.
ـ لماذا؟
ـ لأن pays تبعيتنا (بلدنا) للجيش

- إلامَ يرمز اللون الأحمر بالعلم اللبناني؟
ـ الدم.
ـ والأبيض؟
ـ la neige (الثلج)
ـ ومن تعرف من شخصيات لبنان؟
ـ وديع الصافي بيغني «لبنان يا قطعة سما»، وصباح، والكابتن بوب (الممثل ابراهيم مرعشلي)



■ ■ ■




كان هذا جزءاً صغيراً من حوارٍ دار، صباح اليوم في باحة المعهد الأنطوني، بين إحدى معلمّات مرحلة الروضات ومجموعة من الأطفال، لمناسبة عيد الاستقلال. تجلس المدرّسة على كرسيّ صغير، وفي يدها وعاء صغير ممتلئ بالأوراق، وحولها يتحلّق الأطفال، الفرحون بفسحتهم خارج الصف. من الوعاء، يسحب كلّ طفلٍ ورقة، هي عبارة عن سؤالٍ عمّا قد يعرفه عن عيد الاستقلال. يسحب كارل الورقة الأولى ويعطيها للمعلّمة، منتظراً سؤاله. تسأله الأخيرة: «شو اسمها الحقيقي لصباح؟». وقبل أن يجيب الصغير، تتعالى صرخات الأطفال مجيبة «صباااااح». تتوالى الأسئلة ومعها الإجابات. يذهب الخجل وتزيد الحماسة، فينسى الأطفال أسئلة الوعاء، وينصرفون للتباري بين بعضهم البعض. تفتتح ألكساندار الجلسة، فتسأل أصدقاءها، والأهالي الذين كانوا يحضرون الاحتفال مع أولادهم، «مين هيّ نهاد حدّاد يلّلي بنسمعها كل يوم الصبح ع الراديو»، تجيب راما: «فيروز».
هذا النشاط هو واحد من سلسلة أنشطة أقامها المعهد لمرحلة الروضات من أجل تعريفهم إلى لبنان. هذا البلد الذي لا يحفظون منه شيئاً إلا اسم المنطقة التي يسكنونها. لذا اختارت مسؤولة مرحلة الروضات، كلود غاوي، إقامة سلسلة من النشاطات «تملأ المكان المخصّص في الذاكرة للبنان»، والتي توزّعت ما بين «الشخصيات اللبنانية» و«التراث والأكلات التراثية» و«المعالم السياحية» و«بماذا يشتهر لبنان؟» وغيرها من النشاطات.
في «جناح» المعالم السياحية، حاول الأطفال رسم ما يعرفونه من تلك الأماكن. هكذا مثلاً، رسموا خطوطاً وألواناً ودوائر وأطلقوا عليها ما حفظوا من أسماء: هذه جعيتا. وتلك قلعة بعلبك... على مقربة من هذا الجناح، علّقت لوحة كبيرة على الحائط، وفيها وضعت صور لشخصيّات لبنانية، مثل فيروز، صباح، ابراهيم مرعشلي وغيرهم. شخصيّات كانت كلّها فنّية، أما أين هم رجالات الاستقلال أو رجال السياسة؟ «لا طاقة لعقل الأطفال على استيعاب الأسماء الكبيرة»، يقول مدير المعهد الأب غسّان نصر. ربّما، يكفيهم اسم فيروز كي يتذكّروا صوتها الذي يتسرّب من الراديو صباحاً أو صورة وديع الصافي «اللي بيغني لبنان يا قطعة سما»، كما يقول الصغير كارل، وهو يشير إلى صورة الصافي. يربطون الصور بالأسماء، فقط لأنهم حفظوها خلال الأيام الماضية.
من صور الفنانين على طاولة «الفخّار». هنا، كان الأطفال يتبارون بالإجابة على الأسئلة التي حفظوها في الصف قبل الاحتفال. لكن، ذاكرة الأطفال لا تنصف دائماً، فغالباً ما كانت تخرج الإجابات على شاكلة براءتهم، كأن يجيب أحدهم، ردّاً على سؤال: مين بيصنّع الفخّار بلبنان؟، «بابا وماما وتيتا وكل العيلة»، أو مثلاً يجيب بدلاً من الإمام موسى الصدر، الذي شجّع صناعة الفخّار في الستينيات، «الإمام علي» مثلاً! أما الأكثر براءة، فهو عندما تسمع سؤالاً: طيبة النبطية؟ فتأتي الإجابة لتوضح بأنّ «النبطية منطقة وليست أكلة». عندها، تضحك الطفلة الصغيرة «آه، يعني متل أنا من عماطوار؟».
لكن، مهلاً، ماذا بالنسبة إلى ما يشتهر به لبنان؟ فعدا عن الفخّار الذي فرح الأطفال بنحت عجينته بما يحبّون، كان «الصاج». الجناح الذي جذب غالبية الأطفال وحتى عائلاتهم. فالصاج لا وجود له في بيوتات المدينة، وصار وجوده اليوم تراثاً. هكذا، تسابق الكل على «أكلة منقوشة» أو تصوير السيّدة التي كانت تخبز، وهي ترتدي الزيّ اللبناني التراثي، أو قراءة الملصق الذي يعرّفنا إلى كيفية صنع عجينة ومنقوشة الزعتر «والمناقيش التي يمكن أن نصنعها بغير الزعتر، كالكشك مثلاً»... والقمحيّة والتبّولة التي علّقت وصفتها هي الأخرى على الحائط. صارت هذه اللقطات تراثاً.
هكذا، أمضى أطفال الروضات في المعهد يوم استقلالهم. لعبوا وأكلوا وغنّوا ورقصوا... تراثاً، ولكنهم، لم يعرفوا بأنّ «لبنان بلا رئيس». هذا السبب الذي كاد يطيح بالنشاط، على ما تقول مديرة المرحلة كلود غاوي «فالبعض كان يقول كيف بدنا نحتفل بعيد الاستقلال وما في شي منيح بالبلد، وما في رئيس؟». لكن، عيد الاستقلال بالنسبة لهؤلاء الأطفال «ليس هو السياسة، هو الإشيا الحلوة، هو لبنان اللي بيحبوه الولاد»، يقول نصر. وما يحبّه أطفال، بالكاد تبلغ أعمارهم الست سنوات، هو «أكلة المنقوشة» واللعب بعجينة فخّار، وتذوّق صحن تبّولة، أو «سندويش» لبنة وبندورة وخيار ونعناع... وليس وضع رئاسة الجمهورية. احتفلوا اليوم لأن «الأكل طيب» ولأن «صرنا نعرف اسم فيروز يللي بتدورها الماما ع الراديو الصبح، نهاد حداد» ولأن «بحب لبنان في كتير مطارح حلوة والمدارس كبيرة».
هذا ما أرادت «الأنطونية» ترسيخه في ذاكرة أطفالها الصغار: لبنان الحلو، حتى وإن كان بلا رئيس ويغرق في نفاياته. هذا أولاً، وثانياً، لأن للأنطونية قصّة مع الاستقلال «ويجب أن نحافظ عليها»، يقول رئيس المعهد ودير مار انطونيوس جورج صدقة. فهنا، في الدير، قبل مئة عام، اجتمع معارضو الانتداب في «الصالون الأزرق»... لم يبق منه إلا اللون.