باريس | يرمي أمامنا هربرت كوين طُعماً. وعندما نبتلعه، تظهر الصنارة التي تخنقنا. منذ اللحظات الأولى من «إله المتاهة»، تسقط علينا جريمة قتل غامضة، نسير منحنيين تحت ثقلها، نلتقط ونركّب ونعجن خلفية الحدث. وبعد إماطة اللثام عن اللغز، هنالك فقرة طويلة وتراجعية توعز بأن الحل خاطئ: «اعتقد جميعهم أن لقاء لاعبي الشطرنج كان عارضاً»، فنراجع قلقين الفصول الخاصة بذلك ونكتشف حلاً آخر هو الحل الحقيقي.


قارئ هذا الكتاب الفريد عليه أن يكون أكثر فطنة من المخبر السرّي. على نفس المنوال، كتاب عتيق رحيمي «أنشودة القلم» الصادر أخيراً عن منشورات «ليكونوكلاست» تراجُعيّ ومتفرّع، يستدعي ذلك العالم المقلوب عند برادلي (الظاهر والواقع) حيث يسبق الموت الميلاد والندبة الجرح والجرح الطعنة. كان أحد المتحدثين عن «السياسي» لأفلاطون قد وصف تراجعاً مشابهاً، تراجع «أبناء الأرض» الخاضعين لتأثير دوران عكسيّ للكون، فينتقلون من مرحلة النضج إلى الطفولة ومن الطفولة إلى العدم والفناء. وهناك من تحدث عن بعض الفاكهة الشمالية التي تسبب لمن يأكلها نفس الأعراض، لعل هذه الفاكهة اسمها «اللغة». العوالم التي يوحي بها كتاب رحيمي الثالث باللغة الفرنسية، ليست هي التراجعية، وإنما طريقة سردها. لا يغمض الكاتب الأفغاني حاسة واحدة من حواسه وهو يتأمل في ما يبقى من حياتنا حين نفقد أرض الطفولة. الأمزجة اللغوية متعددة، من شعر، إلى تأمل، إلى سرد تقريري، إلى أغان وأناشيد، إلى حوارات ومونولوجات محشوة بكثرة، يلمّها على مهل من بلاد غادرها رافضاً الاختيار بين الدوغمائية الشيوعية -كما فعل أخوه الذي قتل- والنموذج الطهراني الإسلاموي. يقول إنه وُلد في الهند وعاش في أفغانستان وبُعث في فرنسا، لكن هناك دائماً ما ينقصه ويُعيقه، إذ يشعر بغياب شيء ما، أو شخص ما، أساسي في وجوده. شيء يبدو غامضاً في بعض الأحيان، مثل رسالة أُرسلت عبر شوارع جانبية ومن مسافات بعيدة، رائحة أو إشارة ضعيفة في الراديو، غرّدت عن بُعد. «لقد فقدت بلدي في رعب الحرب والظلامية، فقدت مفاتيح مناماتي، حريتي، هويتي. تركتها على أمل العثور عليها مجدداً حيث النور والحرية. وكنت أدرك أن ذلك لن يحدث. كل خلقٍ في المنفى هو بحث عن تلك المفاتيح المفقودة». لربما كانت مارغريت يورسنار على حق حين قالت إن الكاتب مؤهل فقط لكتابة سيرته الذاتية. تعمل النصوص كـ«بلاي باك» إذا صح القول، نجد رحيمي معتكفاً لثلاثة أشهر في مشغل باريسي حين طلب منه الناشر الكتابة عن المنفى. لكن المنفى كتيم لا ينصاع للغة والصفحات تبقى وعرة بيضاء.

أمزجة لغوية متعددة،
من شعر، إلى تأمل، إلى سرد تقريري إلى أغان وأناشيد
بعد جفاف طويل، فاجأته يده وهي تأخذ ريشة وتخط حرف الألف «خط وصل بيني وبين جذوري، بيني وبين الكون، بين أحلامي وما أعيشه»، هو «خيط أرياني» الذي سيقوده إلى ذكريات كغمامة بعيدة، إلى معلّم خطّ عربي صارم، يُلقنه بيتاً للرومي «فمن نحن في هذا العالم المعقد؟ إننا - كالألف- فماذا تملك الألف (من الحركة)؟ لا شيء قط». كابول الطفولة بدهاليزها المتاهية ومراياها المخيفة، تحولت الحياة فيها إلى صراع يائس ضد المجاعة، والوحشية، والخوف. تحضر السياسة بشكلها النابض (اجتياح السوفيات «الكفار») لكنها تنزاح لمصلحة الأدب والحكاية. يشاركنا رحيمي الجمال حين يترك مستنقع الحرب ليخطّ حرف الألف. يريدنا أن نرى هذه الألف، على طريقة زوربا الذي أرسل رسالة إلى معلمه يقول فيها «يجب أن تأتي بسرعة، لقد وجدتُ حجراً جميلاً في شاطئ كريت وأريد أن تراه» بينما كان العالم يحتضر أثناء الحرب العالمية الثانية والألمان يلقون بالأسرى أحياء من فوق الجسور في المياه المتجمدة، واللعين زوربا أرسل لي رسالة يقول فيها: يجب أن تأتي بسرعة لقد وجدت حجراً جميلاً في شاطئ كريت وأريد أن تراه». يهفو صاحب «حجر الصبر» بإفراط إلى الإدهاش، يضغط بكل استطاعته على كل زر وجداني ليحكي من دون ظلال ولا إيحاءات تعرّض أبيه للسجن في أفغانستان ثم ارتحاله مع عائلته إلى الهند، وترك البيت «الوطن» المرتبط بترك اللغة، قبل أن يسلّمه اللجوء إلى غرابة لغة أخرى هي الفرنسية ويلقي نفسه في وضع الأُمّي مجدداً. ثمة مجازفة في ادخال الكتابة إلى مختبر خاص جداً يُوازن بين شذرات تستعير من الشعر كثافته وتقطيره، لتلغي شعريّته وتجعله كلاماً خَبَرياً خالصاً، وبين رسوم كاليغرافية قد تكون أوّل ما يجب النظر إليه، لأن «المنفى لا يُكتب وإنما يُعاش، أخذتُ القلم، هذه القصبة المبرية التي كنت أستخدمها وأنا طفل، وبدأت برسم حروف كاليغرافية، متوسلاً كلمات لغتي الأم، لأجمّلها، لأعبدها، لتعود إليّ، لتصف منفاي». القصبة التي تستعمل ناياً للعزف وقلماً للكتابة، رافقت الرعاة والدراويش في مرتفعات الأناضول وبلاد فارس. بلوز ريفي جارح، يشكو انفصال الراعي عن قريته والصوفي عن خالقه والمحب عن محبوبه. تُبرى القصبة وتُنحت لتصير قلماً يغمس في مداد من الملح والصمغ والعسل وسخام الدخان ويصبح سرّاً من أسرار الخطاطين. لكن الحروفية صارت أشبه بحصان طروادة لاصطياد الهوّية في مرتعها الأكثر بساطة وطواعية، أي التقاليد ذات المرجعية الإسلامية والإثنولوجية، ما يجعلها تُشكّل بنية شبه مغلقة لا تقبل الإضافة أو الحذف. الرسوم التي أطلق عليها رحيمي تسمية «كاليمورفي» callimorphie تستلهم المنطق الجمالي والروحاني للخط العربي من دون تكرار لما اعتاده الخطاط، تُبعده عما هو طاهر ومقدس، فيجد الرائي نفسه أمام جسد جمالي حركي وأيقوني ذي موسيقى غنائية خفيّة، حيث يشترك الرسم والخط في تشكيل أجساد أنثوية ايروتيكية تستمد كيانها من الحروف. بالحبر وحده، يحلّ رحيمي الرموز والأحاجي والأسرار كمن يحلّ منديلاً أو ضفيرة مجدولة من شَعر فاحم.