على نهج الثورة التونسيّة المجيدة، قام الشباب المصري بتحريك انتفاضة شعبية لا تزال مشتعلة في جميع المدن المصرية. ورغم مجابهتها بقمع دموي من طرف الأمن المصري وسقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، ورغم حالة الفلتان الأمني المفتعلة من طرف جهاز الداخلية، فإنّ الثورة المصرية تعرف طريقها جيداً وترفع شعاراً واحداً ومختصراً: «يسقط حسني مبارك».

الرئيس حسني مبارك الذي حكم البلاد لمدة ثلاثين سنة بيد من حديد، اعتمد على أسلوب في الحكم قائم على إرضاء الغرب وخدمة مصالحه الاستراتيجية بالدرجة الأولى. وعلى رأس هذه المصالح، حماية أمن إسرائيل والاستماتة في تنفيذ بنود «كامب ديفيد»، وعدم التردد في تزويد الكيان الصهيوني بالغاز الكافي ولو بشكل يناقض أحكام القضاء المصري. ولذلك استحق نظام مبارك صفة الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، ونال شرف احتضان أول خطاب للرئيس الأميركي باراك أوباما للعالم الإسلامي، والذي ألقي من جامعة القاهرة في تجاهل مقيت لسلسلة الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها النظام المصري في حق معارضيه. وعلى رأس هذه الجرائم، الحكم وفق قانون الطوارئ الذي يحصي على المصريين أنفاسهم ويحرمهم من العديد من حقوقهم السياسية والمدنية.
النظام المصري الذي «نجح» في تزوير جميع الانتخابات السابقة وفي تضييق الخناق على المعارضة السياسية والحركات الجماهيرية، فشل فشلاً ذريعاً في التنمية الاجتماعية والاقتصادية: نصف الشعب المصري تحت خط الفقر، ومؤشرات البطالة في ارتفاع مستمر، ومظاهر التفاوت الاجتماعي بادية للعيان، واتساع الهوة بين العائلات المحظوظة التي تعيش في كنف النظام في تزايد لافت، وأحزمة الفقر التي تنبت حول هوامش الحواضر والمدن المصرية في تنامٍ مريع.
وعلى غرار النموذج التونسي، استولت العائلة الحاكمة في مصر على أهم المشاريع الاقتصادية الرابحة، وأطلق مبارك العنان لأبنائه ولطبقة رجال الأعمال داخل الحزب الوطني للاستحواذ على أهم المشاريع الاقتصادية واستغلال نفوذهم لتحطيم قواعد المنافسة والشفافية لمصلحة دائرة الهيمنة الاقتصادية للفئة الحاكمة.تراكم ثلاثين سنة من الاستبداد والانغلاق السياسي وكبت الحريات وإضعاف المؤسسات الوسيطة من أحزاب ونقابات التي من وظائفها عقلنة المطالب الشعبية وترشيدها وصياغتها بالطريقة التي يستطيع صانع القرار تحملها، أسهمت في ولادة ثورة «الفلّ» التي استلهمت الكثير من ثورة تونس المجيدة مع اختلاف السياقات والظروف.
الثورة المصرية نجحت، حتى الساعة، في إفشال مشروع التوريث، ونجحت في تحطيم أسطورة الحزب الوطني الذي تبيّن أنّه عبارة عن مافيا مالية وانتخابية ولا يمتلك جرأة الدفاع عن رئيسه في لحظة الامتحان الشعبي الحقيقي. ونجحت الثورة المصرية في توحيد الطبقة السياسية بكل أطيافها حول شعار واحد: رحيل حسني مبارك وتأليف حكومة وطنية انتقالية تهيئ لانتخابات نزيهة. ونجحت في إحراج الأنظمة الغربية أمام شعوبها ودفعها للخروج بمواقف «مساندة» لشعارات الثورة في العلن على الأقل. ولا يزال المسلسل المصري يعد بالكثير من المفاجآت، لكن ما هي الدروس المستفادة مغربياً؟
لقد قلنا في السابق إنّ هناك الكثير من التشابه بين الأنظمة العربية، بغضّ النظر عن اختلاف شكل أنظمتها السياسية، سواء كانت ملكية أو جمهورية.
أعتقد أنّ لدى الأنظمة الملكية فرصة هائلة للتأقلم مع مقتضيات النظام الديموقراطي، تفوق طبيعة الأنظمة الجمهورية لاعتبارات عدّة. أهم هذه الاعتبارات أنّ رأس السلطة في الأنظمة الملكية لا يكون محل تنافس أو تداول انتخابي، بينما تفرض قواعد الديموقراطية استبدال رئيس برئيس في الأنظمة الجمهورية.
تتمتع المؤسسة الملكية في المغرب بشرعية كبيرة وتحظى بإجماع الفرقاء السياسيين بمختلف أطيافهم، ليبراليين ويساريين وإسلاميين. وهذا مكسب كبير، ينبغي استثماره لتحقيق انتقال ديموقراطي حقيقي على إيقاع نقاش حضاري هادئ وليس في ظل الشعارات والهتافات.
لا أحد يتمنى أن يتكرر السيناريو التونسي أو المصري في المغرب، لكن لا أحد يستطيع الجزم بأنّ بلادنا محصنة ضد جميع أشكال التوتر الاجتماعي، فالثورة لا تستأذن أحداً.
ولذلك فإنّ المطلوب اليوم، وبسرعة، استرجاع ثقة المواطن بمؤسساته التمثيلية وبهيئاته الوسيطة من أحزاب ونقابات وغيرها. وهو ما يستلزم البحث في صيغة لتصحيح أكبر خطأ ارتكب خلال العهد الجديد، من خلال العمل على فك الارتباط بين الدولة و«الحزب» المعلوم. حزب لن يسهم بممارساته السلطوية إلا في تعقيد مسار التحول الديموقراطي بالمغرب من خلال الإيقاع بين الشعب ومؤسساته ورفع منسوب الانتهازية والمصلحية في العمل السياسي وتحصين مافيات الفساد وأباطرة الانتخابات بغطاء سياسي مغشوش.
الأحزاب السياسية بكل أطيافها مدعوّة لمراجعة الكثير من أساليب اشتغالها وتطوير ثقافتها السياسية لتكون في مستوى تطلعات الشباب المغربي وأحلامه الجميلة.
المطلوب أيضاً، التعجيل بإصلاحات سياسية ودستورية حقيقية تحتل فيها الحكومة ورئيس الوزراء موقع السلطة التنفيذية الفعلية، ويتبوّأ فيها البرلمان دوره التشريعي والرقابي المطلوب ويتم فيها الاعتراف بسلطة القضاء واستقلاليته عن الجهاز التنفيذي. بينما يحتفظ الملك بموقعه كرمز لوحدة البلاد وكضامن للحقوق وللحريات وكمرجع للتحكيم بين جميع الفاعلين السياسيين بدون إقصاء أو تمييز، مع تمتعه بالصلاحيات الضرورية في بعض الملفات ذات الطبيعة الحساسة كالجيش والأمن والإشراف على الشأن الديني والروحي، بما يضمن التوازن السياسي ويحقق التعايش المطلوب بين المؤسسات.

* باحث وعضو المجلس الوطني
لحزب العدالة والتنمية المغربي