بغداد ـــ اللحظة العربيّة الحالية، بكلّ غضبها، كانت لها تأثيراتها على المشهد الثقافي في بلاد الرافدين. انتفاضة الشعبين التونسي والمصري للدفاع عن حرية التعبير وتغيير الأنظمة السياسيّة، حركت مشاعر كثيرين. ومثلما لازم العراقيّون شاشات التلفزيون لمتابعة الأحداث التاريخيّة في مصر وقبلها تونس، شهدت بغداد حراكاً ثقافياً جديداً.


شُغلت الأوساط الثقافيّة والإعلاميّة بالأحداث على نحو غير مسبوق. بدأ ذلك مع إقامة لقاء صباحي بعنوان «إذا الشعب يوماً ...»، بادر إلى تنظيمه «بيت الشعر العراقي». وامتدت اللقاءت التضامنية لتشمل تظاهرتين شهدتهما بغداد منذ أيام، شارك فيهما عدد كبير من المثقفين؛ الأولى كانت تحت نصب الحريّة وسط بغداد، والثانية في «ساحة الفردوس»، الساحة نفسها التي أسقط فيها العراقيّون تمثال صدام، وتحوّلت صورتهم إلى مشهد ألفه العالم كلّه. في التظاهرة الأولى، لم يمنع تساقط المطر وزحام الطريق من وصول المشاركين إلى نصب فنانهم الرائد جواد سليم، ليرفعوا شعارات: «تحيّة إكبار من دجلة والفرات إلى النيل الغاضب»، «معركة الشعوب ضدّ حكّامها من أجل الحريّات والخدمات»، «لا للترقيع، نعم لإسقاط فرعون مصر، بغداد معك مصر حتّى النصر»، «من الجنائن المعلقة إلى الأهرامات: النصر آت». ثمّ تعالى هتاف المتظاهرين: «مصر الثورة... تبقى حرّة... حسني مبارك... اطلع برّه». وقال الشاعر إبراهيم الخياطة إن «الأدباء والفنّانين والصحافيّين والطلبة والعاطلين من العمل في العراق بعثوا برسالتهم إلى الشعب المصريّ أن الشعب العراقيّ يقف معهم في محنتهم هذه».
مكان التظاهرة الثانية في «ساحة الفردوس»، أعادنا إلى سؤال كثيراً ما طرحه العراقيّون، وهو: «هل كان من الممكن أن يسقط صدّام بثورة شعبيّة مماثلة؟» في المكان ذاته الذي سقط فيه تمثال صدّام بأيدٍ عراقية، تجمّع المثقّفون والإعلاميّون العراقيّون معلنين تضامنهم مع ثورة الغضب المصري وانتفاضة الشعب التونسي، بعدما حمل كلّ منهم صورة لحسني مبارك، عليها علامة (X) وعبارة Go out أي «اخرج»، كذلك رفع المتظاهرون الأعلام العراقيّة والمصريّة والتونسيّة... الباحث حيدر سعيد رأى «أنّ سقوط الاستبداد في العراق بعد عام 2003 لم يفضِ إلى نشوء حياة ديموقراطيّة في البلاد. ما نعوّل عليه الآن، هو أن يتمكّن المجتمع المدني من استلهام التجربتين التونسيّة والمصريّة، لاستعادة المسار الديموقراطيّ، فهذا هو الرهان الأخير للديموقراطيّة في العراق». الإعلامية فيحاء الخفاجي أعربت عن فرحها بما يجري في ساحة التحرير، وبرؤية «الشعب المصري وقد تحرر من الخوف، ونزل إلى الشارع»، وأضافت الخفاجي أنّه «لا بدّ للشعوب العربية أن تطالب بحريتها وحقها في عيش كريم وشريف، لكنّنا نخشى أن يؤدي الرضى الإسرائيلي والأميركي عن نظام الحكم في مصر إلى فشل ثورة الشعب المصري». أما الصحافي زاهد العباسي، فقال إنّ «محمد بوعزيزي الذي أحرق نفسه احتجاجاً على فساد نظام الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، افتتح تاريخاً جديداً للشعوب العربية».
وانتقلت الوقفات التضامنية إلى الساحة الافتراضيّة، لتعلن بدء حراك ثوري جديد بين مثقفي العراق. وأنشأ العديد من المثقفين تجمّعات واكبها شباب وأكاديميّون وصحافيون على صفحات «فايسبوك»، إذ أعلن إنشاء تجمّع «بلا صمت»، ضدّ أي انتهاك للحريّات في العراق، ومن ثمّ أعلن تجمّع «من أجل ثورة عراقيّة زرقاء»، الداعي إلى التغيير في مجمل الحياة العراقيّة. وفي هذه الأثناء، تتدارس مجموعة من شعراء وكتّاب ونشطاء إنشاء تجمّع للدفاع عن الثقافة العراقيّة. هذا ما يمكن ملاحظته في الفضاء الافتراضيّ الذي أخذ بعضهم يتداول أخباره في مقاهي بغداد.
المهم في كلّ هذا أنّ تجمّعي «بلا صمت» و«من أجل ثورة عراقيّة زرقاء» ومعهما حشد من الكتّاب والفنّانين والإعلاميّين، أكّدوا انطلاقتهم في بغداد بالتظاهرة التضامنية مع حركات الاحتجاج في العالم العربيّ، ما قد يثمر تطورات على الساحة العراقيّة تعيد المبادرة إلى المجتمع المدني والتجمعات الثقافيّة.

* بعنوان «تحية إكبار وتضامن مرفوعة إلى الشعبين العربيين في تونس ومصر»، أصدر «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» البيان الآتي: «خلال شهر واحد من التقويم العربي الجديد، انفجرت، بالتعاقب، انتفاضتان شعبيتان تاريخيتان بكل المقاييس في قطرين عربيين: تونس ومصر. لقد أطاحت الانتفاضة الأولى نظام الاستبداد التونسي وألحقت بصاحبه عار الفرار من وجه الشعب والسقوط في مزبلة التاريخ. أما الانتفاضة الثانية فهي تناضل، بتحدٍ استثنائيّ وشجاعة نادرة، لإلحاق هزيمة السقوط بالنظام الاستبدادي المصري وإزاحة صنمه الكابوسي وأعوانه عن صدر الشعب صاحب التاريخ الثوري العريق. إنّ «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» إذ يرفع تحية الإكبار والتضامن إلى الشعبين الشقيقين في تونس ومصر، وتقديراً عالياً لما اجترحاه، ويجترحانه، من منجزات تاريخية، وتعزيزاً لثقافة المواجهة العربية الديموقراطية وكسر ثقافة الخوف والاستسلام، يهيب بالهيئات الثقافية في لبنان وفي سائر البلاد العربية المبادرة الفورية لدعم الشقيقين العربيين الثائرين وإسنادهما، والتمثُّل بهما لإزالة ليل الاستبداد عن أرض العروبة بأسرها، مع رفض كل أشكال التقديمات المضلّلة التي تسعى من خلالها أنظمة عربية إلى رشوة شعوبها المقهورة طمعاً بالنجاة من مصيرها الأسود الحتمي».