«الشعب والجيش إيد واحدة». شعارٌ انطلق بعد لحظات من انتصار ثورة 25 كانون الثاني على «جيش» الشرطة الذي كان يحمي حسني مبارك ونظامه. الشعار كان بداية مرحلة جديدة للثورة التي تطالب بإزاحة «الفرعون»، وريث نظام يحكمه جنرالات يرتدون بذلات مدنية. الدبابات عبرت الميادين والشوارع متجهة إلى ميدان التحرير وسط هتاف «اليد الواحدة»، فيما حذّر المتظاهرون الضباط والجنود: «إياكم والخيانة».


الجيش دخل الميدان لحماية المتظاهرين الذين خافوا تكرار الخيانة. السؤال كان: الجيش مع الشعب أم مع الرئيس؟ الجدل انتشر بين المعتصمين في ميدان التحرير، مع استمرار إطلاق قذائف تحمل الرصاصات المطاطية والقنابل الخانقة، متجاهلة وجود قوات الجيش. الأخير بدا محايداً وأقرب في الأيام الأولى إلى إدارة «حرب استنزاف» يشنّها النظام على المنتصرين في جمعة الغضب. الصورة الشعبية عن الجيش، طيّبة. هو سد الحماية الذي لم يطلق النار على الشعب. صورة وطنية جعلت من دخول الجيش احتفالاً شعبياً.
خلال الأيام الأولى هذه، ظل موقف الجيش غامضاً. واستمر هذا الغموض بعد تعيين رئيس جهاز الاستخبارات عمر سليمان نائباً للرئيس، والفريق أحمد شفيق رئيساً للحكومة، في خطة «عسكرة» أرادها مبارك السد الأخير لحماية نظامه.
رسائل الرعب زادت مع زيارة مبارك لمقر العمليات وجلوسه وسط أركان حربه، كأنه يحتمي بهم، أو يعلن، رغم توتره الظاهر، حرباً على الشعب للحفاظ على مقعده الرئاسي. في الوقت نفسه، زار وزير الدفاع حسين طنطاوي قوات الجيش في الشوارع، فيما كانت المقاتلات الحربية تحلّق أثناء ذلك على ارتفاعات منخفضة. بدا أن الرئيس يتصرف بعناد، يحاول العثور على مخرج آمن، مستخدماً طريقته المجرّبة: استنزاف الغضب واستهلاك المعتصمين.
المؤسسة العسكرية من ناحيتها بدت كأنها تحاول للمرة الأخيرة الحفاظ على هيبة رئيس ينتمي إليها على نحو ما، فيما قرر النظام زيادة ساعات حظر التجوال.
اختيار الحل الأمني كان أسلوب مبارك في الخروج الآمن من سلطة استمرّ على رأسها طوال ثلاثين عاماً، ولم يكن يتوقع أن تكون نهايته بهذه الطريقة التي هددت معها نظاماً كاملاً اعتمد على شرعية الضباط المنتصرين على الاحتلال الأجنبي عام 1952، وعلى إسرائيل عام 1973.
تصوّر عقل مبارك المحاصَر بدولة الجنرالات أن خروجه من أكبر الأزمات في عصره سيكون عبر عسكرة السلطة. لكن الشعب بدا مصراً على التخلّص من الرئيس ونظامه.
ومع رفع المعتصمين شعار «لا تراجع ولا استسلام» إلا بعد رحيل مبارك، تغيّرت لهجة الجيش إلى حد إعلانه قبل يوم من التظاهرة المليونية تأييد المطالب المشروعة للشعب، وتأكيده عدم استخدام العنف مع المتظاهرين.
في هذه المرحلة من لعبة «الريسك»، لا تزال التظاهرات ترفع شعار «اليد الواحدة» في تناغم على وشك الاكتمال بين الشعب والجيش. الأخير ظلّ النواة الصلبة لجمهورية مبارك كما في تموز عام 1952، لكنه أكثر مَيلاً إلى النقلة التي أحدثها أنور السادات بخلطة «العسكري ـــــ المدني»، عندما ارتدى ثياب الفراعنة في عرض عسكري.
تمدين مؤسسات الدولة في عصر السادات لم يبعد الجيش عن السلطة، لكنها لم تكن مشاركة مباشرة كما يُفهَم من تفسير السادات لاختياره مبارك نائباً في مؤتمر صحافي نادر عام 1975، قال فيه: «اخترته (مبارك) لأنه لا بد في المرحلة المقبلة من أن يكون النائب من أبطال حرب تشرين الأول الذي يعرف كيف يتخذ القرار وينفّذه، ليتحمّل مسؤولية مصر».
كانت هذه مرحلة انتقالية من جنرالات تموز و«الثورة» إلى جنرالات تشرين الأول و«النصر على إسرائيل». في هذا المؤتمر، كانت لهجة السادات لا تخلو من قوة المنتصر، الذي ينقل الدولة من «شرعية» إلى «شرعية» أو من فرقة إلى أخرى بالطابع العسكري نفسه.
الجيش ينحاز إلى «الشرعية» في معظم صراعات السلطة، كما حدث في صراع جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، حين انحاز الجيش إلى عبد الناصر، علماً بأن عامر كان قائداً محبوباً. لكنه انحياز إلى «الشرعية». المؤسسة العسكرية اكتفت في عصر مبارك بالسيطرة لا السلطة، وكان الجيش هو قارب الإنقاذ الأخير في ترتيبات مبارك للاستمرار الخالد في السلطة. لكن في اللحظات الأخيرة قبل انفجار الثورة الشعبية في 25 الشهر الماضي، عادت بقوة رغبة عناصر الدولة القديمة بالإمساك بزمام الأمور.
كان الجيش في مقدمة الدولة القديمة، ودعم قبل الثورة استمرار مبارك في الحكم في مقابل إبعاد مجموعة جمال مبارك عن صدارة المسؤولية. هكذا كان التنين في قفزته الأخيرة يدافع عن شرعية تتآكل. كأن مبارك رمز الرعاية الأبوية لشرائح كانت تنظر للحاكم نظرتها إلى الفرعون، والأب.
الجيش في دفاعه عن التنين طبّق مفهوماً يرى أن الشعب المصري لا يبحث عن ديموقراطية وتداول سلطة، بل يبحث عن قوة تحميه، و«توفّر له رغيف العيش».
كانت الظروف كلها قبل 25 كانون الثاني تمهّد الأرض أمام منقذ من داخل مؤسسات السلطة ذاتها، يشارك في طقوس هذا التمهيد دولة يعرف كهنتها كيفية ترويض الشعب، بالتعاون مع معارضة راكدة خيالها ساذج، وقعت في فخ تقسيم وعاء توريث جمال مبارك.
الجيش هو رأس حربة مؤسسات الكهنة السياسية، لكنه مؤسسة غامضة ذات جسم كبير تختفي غالبيتها تحت السطح، رغم تأثيره الجبار على صناعة السلطة. الجيش قبل 25 كانون الأول هو حامل المفتاح الشرعي غير المُعلن لخليفة مبارك.
قائد الجيش المشير أحمد طنطاوي لم يكن أبداً مطروحاً لدور المنقذ، ظلّ بعيداً عن التأثير السياسي، لكنه الوجه الظاهر لتركيبة الجيش المحافظة حيث تمتزج مفاهيم «التحرّر الوطني» كما صاغتها حركة الضباط الأحرار في تموز عام 1952، مع الاتجاه إلى واشنطن باعتبارها الحليف الاستراتيجي.
عمر سليمان جاء من التركيبة نفسها، لكنه الوجه الأكثر فاعلية في المجال السياسي، ظلّ أشهر المرشحين قبل ثورة يناير لدور المنقذ أو على الأقل هو الجسر الآمن بين جمهورية مبارك وما بعدها.
سليمان كان حامل مفاتيح الملفات الحساسة للدولة. هذه كانت علامات نفوذه بعد الوصول إلى رأس جهاز الاستخبارات عام 1993. وكانت النقلة الكبرى عام 1996، حين استطاع إنقاذ مبارك من محاولة اغتيال في أديس أبابا. سليمان هو الشريك غير المعلن في إدارة الحكم، والخليفة المقبول في ظل معادلة تكسّرت منذ الثورة الشعبية.
سامي عنان رئيس الأركان اسم فوجئ به المصريون ليلة اندلاع الثورة الشعبية. لم يكن اسماً معروفاً لدى قطاعات غير عسكرية. ورغم قوة علاقة عنان بالمؤسسة الأميركية، إلا أنه ظل على قائمة لا يعرفها إلا القائمون على مؤسسات الكهنة باعتباره مرشح الظروف الصعبة أو قائد عمليات إنقاذ الجمهورية.



الإخوان يدعمون عنان

أعلن عضو جماعة الإخوان المسلمين، كمال الهلباوي، أن رئيس أركان القوات المسلحة المصرية، سامي عنان (الصورة)، قد يكون خليفة مقبولاً للرئيس حسني مبارك؛ إذ ينظر إليه باعتباره غير فاسد. وأضاف أن «عنان الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع واشنطن ليبرالي يمكن اعتباره مناسباً من تحالف معارض بدأ يتكون في الشارع المصري».
وتابع الهلباوي: «يمكن أن يكون رجل مصر المقبل. أرى أنه سيكون مقبولاً لأنه تمتع ببعض من السمعة الحسنة. هو غير متورط في فساد. لا يعرفه الناس كفاسد». وقال إن «عنان لا ينتمي إلى تيار إسلامي، لكنه رجل جيد وليبرالي».
(رويترز)