كان ذلك في أواخر الستينيات، العصر الذهبي العراقي بامتياز في كل صنوف الإبداع شعرا ونثراً وتشكيلاً. كانت مقاهينا صالونات أدبية مشرعة للجميع، ومعاركها جبهات فكرية وإبداعية بقدر ما هي اليوم سياسية دينية. محافل كان اسم الشاعر او الروائي أو الفنان فيها يعلو على أي اسم، وتأثيره أبلغ من أي تأثير... كان السياب والجواهري وجواد سليم هم من تسعى وراءهم الأحزاب لا العكس. دجلة من ناحيته كان عالي الأكتاف، نافر الموجة، كثير الطمي، يضرب الضفاف ولا نسمع وقع ارتطامه بها الا في الليل، حيث كنا نتسلل ليلاً الى حانات «أبو نؤاس»... نسهر وتسهر بغداد، تداعب غرورنا وتحنو على هفواتنا. يومها كانت قصيدة التفعيلة هي التي تتربع على عرش الحداثة، ولكن قصيدة النثر كانت موجودة وتتهيأ لارتقاء المشهد. في تلك الفترة، اتخذت قراري بالكتابة بقصيدة التفعيلة فقط، وكنت أجمع بين الشعر العمودي والتفعيلة. وبالرغم من أن قصائدي العمودية كانت تلقى صدىً كبيراً في المهرجانات الشعرية وأشهرها مهرجان «كلية الآداب»، حيث فازت قصائدي لسنوات ثلاث متتاليات بالجائزة الاولى، فقد قررت وصرحت بذلك للصحافة وهي تستضيفني كوني الفائز الأول بمهرجان الشعر العمودي أنني «لن أنشر قط قصيدة عمودية وأنني أكتب هذا النوع من الشعر لسببين، الأول لكي لا يقال إني أكتب التفعيلة هرباً من العمود، والثاني للتسلية والمشاركة في المهرجانات الشعرية».


وهذا ما حصل بالضبط، إذْ لم أحتفظ بديواني الشعري الأول الذي لم أمنحه حتى عنواناً، وعندما قررت أن أنشر أول ديوان لي اخترت قصائد التفعيلة فقط... وهكذا ضاع هذا الديوان بإرادة مني، وما زلت أذكر منه بعض الأبيات مثل هذه التي أردت بها معارضة قصيدة المتنبي التي مطلعها: «لعينيكِ ما يلقى الفؤاد وما لقي/ وللحب ما لم يبق مني وما بقي» فقلت: «أعانقُ فيك الليل والفجر والضحى / وأدرك حافاتِ المنايا وأتّقي
يداك على ليلي تباشير فجره / تداري مواويلي وترفو تمزّقي
«فلست أرى بين النساء موائلاً / سوى أنهنّ الكون دونكِ فاشرقي»
وهكذا تخليت عن ديوان كامل لم أنشر منه شيئاً في الديوان الأول، الذي أعددته للنشر وكان بعنوان «حديث لمغني الجزيرة العربية». أرسلته عام 1969 الى دار «الأديب» في بغداد. وبعد انتظار طويل التقيت الناشر الذي أعاد لي المخطوطة مع الاعتذار عن النشر. سألته عن السبب فقال لي إن وزارة الإعلام منعت نشره. اختضّ كياني للخبر. انتبه الناشر لحالتي، فراح يحدثني عن بعض التفاصيل التي لم أسأل عنها. قال لي: أتعرف لماذا؟ فتح المخطوطة وأراني صفحة مهمّشة بالخط الأحمر. إنها قصيدة «الجسد الآخر». الغريب في الأمر أنني لا أحفظ من هذه المجموعة إلا هذه القصيدة التي لا تتجاوز العشرة أسطر...

كنت أوزع المجموعة
بشكل شخصي في باريس، أو أرسل نسخاً منها الى أصدقاء عرب، ولم تصل بغداد إلا متأخراً جداً

«ولي جسدٌ غير قاسيونْ/ وغير الجزيرة/ غير المدائنِ يفتحها المسلمونْ/ قامرتني الجزيرةُ أن أرهنَ الزمنَ البدويَّ/ عادني طيفُ بابلَ، بابلُ لا تعرفُ القادمينَ من القحطِ/ صحراؤُ هُمْ تستغيثُ/ بابلُ تلكَ جزيرتُنا الأمسَ والآنَ/ مُشرعةٌ للرجالِ يجيئونها خفيةً/ ينتمونَ لأطفالها الفقراء الصعاليك/ يُخفونَ قتلاهمُ والقصائدَ والزمنَ الأبجدي/ لم أرَ الريحَ مقرورةً خلف أسوارها/ ولا الأرضَ مفجوعةً بالرمادِ النديّ».
تساءلنا الناشر وأنا عن هذا الرقيب/ الأديب، الذي أحس بـ «خطورة» هذا النص على الشعارات القومية والشوفينية لحزب البعث الحاكم يومذاك! لم أفك لغز هذا الرقيب الا بعد 35 عاما أثناء عودتي من المنفى الى بغداد بعد سقوط صدام حسين 2004، وبعد وفاة الرقيب ذاته، عندما أخبرني موظف سابق بالوزارة أن هذا الرقيب لم يكن سوى القاص الطليعي الستيني المعروف موسى كريدي... أدركت ساعتها – عملياً - كيف يمكن لأغنيات أن تهدد أسواراً مصفّحة السجون والمخبرين، وكيف أن أغنيتي الصغيرة هذه التي لم أكن أعرف قيمتها الحقيقية تخيف السلطة فتمنعها من الوصول الى الناس، وتذكرت بابلو نيرودا الذي كان متأكداً أن الدبابات يمكنها ان تدوس البيوت والقرى والجبهات لكنها لا تستطيع أن تمسّ أغنيته.
كنت في العشرين تماماً، وكم هو رهيب أن يكون لك عشرون عاما، كما يقول سارتر، في تلك اللحظات أستطيع ان أقول ان دورة دموية جديدة سالت في عروقي..وان هيكلا عظميا أشد صلابة صار يحمل أعضائي وان صوتا اكثر رجولة وحشرجة واكثر التهابا صار يصدر من حنجرتي. كان إيماني بالشعر عميقاً قبل هذه الحادثة، فصار أعمق وأقوى، وأستطيع القول إني مزقت آخر شرنقة كنت ألتحف بها ولا أدري ..إنها ببساطة مقص الرقيب الذي قطع الحبل السري لولادة ثانية للشاعر فيّ. خرجت من عند الناشر وفي يدي مخطوطتي مثل أم تحمل جنيناً محكوماً عليه بالموت. كان مقر «دار الأديب» خلف سينما «النصر. هناك يوجد بار صغير كنا نشرب فيه البيرة أحياناً. وجدتُني أدخل هذا البار دون قرار، وأمامي قنينة البيرة العراقية الشهيرة «فريدة». في تلك اللحظة اتخذت قراري بالرحيل.
لم أنتظر أكثر من عام لأحمل المخطوطة/ الوليد في حقيبة صغيرة، مع أدوات الحلاقة وبعض الملابس الداخلية وحذاء وكتاب واحد كنت اقرأ فيه «رامبو - حياته وشعره» لـ خليل خوري - صادر عن «وزارة الاعلام».
هكذا كان قرار الرحيل الى الجزائر للمشاركة في أولى الحملات لتعريب الجزائر بعد الاستقلال، التي أطلقها الرئيس بومدين. عندما حلقت الطائرة، وكانت المرة الاولى التي أرى فيها بغداد من الجو؛ النهر والنخيل والقباب، أحسست بعيني تدمعان في حين لم يحصل ذلك وأنا أودع الأهل الذين جاؤوا الى المطار وكأنهم يلقون التحية الأخيرة لمسافر لن يعود. بعد إقامة ثلات سنوات في الجزائر، انتقلت الى باريس ومعي المخطوطة. وفي عام 1975 تعرفت على عبد القادر العياش وهو نقابي شيوعي عراقي لاجئ، ويملك مطبعة في باريس. وهكذا - أخيراً - وافق العياش على طباعة الديوان في المطبعة التي تحمل اسمه، وكان الفنان فيصل لعيبي حاضراً فتحمس لرسمها.
هناك في باريس، وفي الفترة التي أقمت فيها قبل صدور الديوان، كنت قد دخلت بسرعة عالم اللغة الفرنسية وبدأت أقرأ وأترجم منها.
تطورت نظرتي للشعر من حيث العلاقة مع اللغة والغنائية، وقررت كتابة قصيدة النثر دون التخلي عن قصيدة التفعيلة. وبينما كان الديوان في المطبعة، راودتني فكرة إضافة بعض قصائد النثر إليه، ولكني حسمت الأمر بتركه كما هو باعتباره كتب في مكان وزمان محددين، ولتكن هكذا عتبة أولى.
صدرت المجموعة بنسخ محدودة لا تتجاوز الـ 500 نسخة عن مطبعة لا عن دار نشر، ولم تحظَ بالتوزيع الطبيعي في البلاد العربية. وكنت أوزعها بشكل شخصي في باريس، أو أرسل نسخاً منها الى أصدقاء عرب، ولم تصل بغداد إلا متاخراً جداً ودون علم مني عن طريق شعراء عراقيين شباب كانوا يستنسخون الكتب الممنوعة في شارع المتنبي ويوزعونها بينهم.
وعندما قررت أثناء إقامتي في بيروت عام 2000 نشر الأعمال الشعرية/ الجزء الاول بالاتفاق مع «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، بدأت بجمع كل دواويني، ولكني لم أعثر على هذه المجموعة، وصدرت الأعمال الشعرية بدونها، على أمل العثور عليها وإلحاقها بطبعة ثانية. وبالفعل اتصل بي أحد الأصدقاء وأبلغني أنه يحتفظ بنسخة مهداة، ولكنه مستعد لإرسالها لي. وصلتني النسخة الوحيدة من هذه المجموعة الطريدة، واحتفظت بها في بيروت في انتظار إصدار جديد للأعمال الشعرية في جزأين، وهو ما أعدّ له هذه الأيام خلال إقامتي الحالية في مسقط.
لكن اللعنة كما يبدو لم تفارق هذه المجموعة، إذْ لم أعثر عليها بين وثائقي، ولا أدري هل فُقدت في بيروت أم في بغداد أم في باريس حيث تنقلت في السنوات الاخيرة!
ترى هل هي لعنة أم قدر أم لعبة طفولة بريئة تلعبها معي ابنتي البكر هذه؟
إلا انها لم تعد طفلة الان وقد تجاوزت منتصف عقدها الرابع.
انها المرة الاولى التي أروي فيها قصتها، وقد حرضني على ذلك ملحق «كلمات»، ولهذا سأغتنم هذه الفرصة لأنشر على هذه الصفحة إعلان الفقدان هذا.