قدّمت منظمة الشباب التقدمي في لبنان ومفوضية العدل في الحزب التقدمي الاشتراكي، إخباراً بحق المدير العام للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات عبد المنعم يوسف، الذي يشغل في الوقت نفسه منصبَي رئيس مجلس إدارة هيئة أوجيرو ومديرها العام. عنوان الإخبار «هدر واختلاس أموال عامة في هيئة أوجيرو»، أما مضمونه فهو ملخّص على ثلاث صفحات وموثّق بمجموعة ملاحق تتضمن مستندات تدعم الاتهامات التي يوجهها المستدعي ضدّ يوسف.

من السجال إلى القضاء

الإخبار بكامل مستنداته، يمثّل خطوة في اتجاه نقل الاتهامات التي وجّهها عدد من قياديّي الحزب التقدمي الاشتراكي من ساحة الإعلام الى ساحة القضاء، علماً بأن وزراء التيار الوطني الحر سبق أن لجأوا الى القضاء وأجهزة الرقابة من دون طائل بسبب الحماية السياسية الفائقة التي يمتاز بها يوسف.
انطلقت حملة الحزب التقدمي الاشتراكي ضد يوسف عبر أسئلة طرحها النائب وليد جنبلاط عن الجهة السياسية التي تغطّي هذا المدير (لم يسمّ عبد المنعم يوسف ولا الجهة السياسية)، واتهمه بحرمان مناطق لبنانية من خدمات الإنترنت ... ثم تلتها مواقف صدرت عن وزير الصحة وائل أبو فاعور في مؤتمر لمنظمة الشباب التقدمي، مشيراً إلى عدم تعاون يوسف مع التفتيش المالي في التفتيش المركزي. يومها، صدر عن يوسف بيان ينفي ما قاله أبو فاعور، الأمر الذي دفع المفتش العام المالي صلاح الدنف إلى إصدار بيان يؤكد فيه أن يوسف يرفض استقبال المفتشين منذ أكثر من سنة، وأنه يرفض تسليم الملفات المالية التي يطلبها للمفتشون! ردّ يوسف على الدنف، وسعى الى تحويل القضية الى سجال شخصي، وتحدث نيابة عن التفتيش المركزي، نافياً أن يكون ما صدر عن الدنف يمثل هذا الجهاز الرقابي.
لم ينته السجال عندما عرضت مفوضية الشباب التقدمي في مؤتمر صحافي المخالفات التي تتهم عبد المنعم يوسف بها، إذ إن السجال استمرّ وتدخل فيه وزير الاتصالات بطرس حرب، مدافعاً عن «استقامة» يوسف، ومستغرباً طرح موضوع مخالفات «مزعوم ارتكابها أمام الرأي العام من دون إبلاغي كمسؤول عن عمل هيئة أوجيرو كسلطة وصاية بمضمون الشكاوى». ردّ أبو فاعور أتى سريعاً، قال: «غالبتني دموعي فغلبتني وأنا أقرأ عبارات الإشادة التي سيقت في بيانه، فاختلط الأمر عليّ. هل كان يتحدث عن عبد المنعم يوسف أم عن يوسف الصدّيق؟ إذا كان الوزير حرب يعلم خبايا وخفايا نبي الاتصالات الحديث فهذه مصيبة، وإن كان لا يعلم فالمصيبة أكبر ... وللحديث صلة».
تتمة السجال، جاءت في الإخبار الذي قدّمته مفوضية الشباب التقدمي لدى النائب العام المالي القاضي علي ابراهيم، وأوضح مصدر قضائي لـ«الاخبار»، أن «الأمر يتطلب الكثير من التحقيقات، ولا سيما أن الملفات المرفقة بالإخبار المقدّم، تتضمن لائحة طويلة من الاتهامات، علماً بأن كلّ بند من هذه البنود هو إخبار بحدّ ذاته يجب التحقيق فيه بشكل منفصل». وبحسب المصدر، فإن القاضي ابراهيم استدعى يوسف للمثول أمامه خلال أيام معدودة حيث ستعقد جلسة للاستماع إليه وبدء التحقيقات.

رفض يوسف طلبات شركتَي الخلوي بتحديث الشبكة واستعمال المعدات الحديثة المشتراة


تفاصيل الاتهامات

قد لا يكون لجدول أعمال الجلسات التي يعقدها القاضي ابراهيم التسلسل نفسه الوارد في الإخبار، إلا أنه سيشمل كل الاتهامات، بحسب المصدر. أول هذه الاتهامات، كما ورد في الإخبار، أن يوسف يمارس «صلاحيات مدير عام ورئيس مجلس إدارة أوجيرو، على الرغم من انتهاء ولايته منذ عام 2007، وهو يشغل في الوقت نفسه منصب المدير العام للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات». ويضيف الإخبار، إن يوسف استغل هذا الأمر (الازدواج في المواقع الوظيفية) «لكي يوقع عقوداً ويبرم صفقات لنفسه بين شركات يديرها ومؤسسات يتولى رئاستها والتي تخالف القانون». ويستعين الإخبار، بمحاضر التفتيش المركزي، ليشير إلى أن يوسف أقدم على تجديد العقد مع أوجيرو على الرغم من قرار هيئة التفتيش المركزي القاضي برفض تعديل عقد الصيانة مع هيئة أوجيرو لعدم ذكر التفاصيل الفنية ومؤشّرات جودة الخدمة وتأمين الجهاز الفني المستقل الذي سيمنح صلاحية مراقبة حسن تنفيذ العقد ... هذا الأمر سهّل الهدر والاستفادة المالية، فلم يتم تشكيل وتجديد الإدارة ولم تستبدل الأجزاء القديمة، بل جرى تجديد العقد بحالته المشوبة والمَعيبة من دون أي تعديل، ما فوّت على الخزينة أموالاً طائلة.
كذلك، يتضمن الإخبار بنداً عن رفض يوسف طلبات شركتَي الخلوي بتحديث الشبكة واستعمال المعدات الحديثة المشتراة، ما فوّت على الخزينة أرباحاً وزاد الكلفة الواجبة على المواطنين. ثم أجرى يوسف عقد صيانة مبرماً بين وزارة الاتصالات وهيئة أوجيرو، فوقع هو كممثل للطرفين، وفي هذا العقد موافقة منه على طلب عقد النفقة الذي فيه هدر للمال وأمور أخرى تستوجب التحقيق.
ويورد الإخبار أمثلة عن استعمال يوسف نفوذه وسلطاته الواسعة في حقل الاتصالات، فهو يقوم بتوظيف أبناء وأقرباء كبار الموظفين وأنه يحرم موظفين من حقوق ثابتة ومكتسبة لهم ويجدد التعاقد مع موظفين أحيلوا إلى التقاعد ويصرف حوافز ومكافآت لعدد من الموظفين وفقاً لولائهم له. ويذهب الإخبار أكثر من ذلك، عندما يشير إلى أن يوسف يملك جهازاً للتنصت على كل المكالمات وفقاً لرغبته ومصلحته، من دون أي مبرّر قانوني، وأنه وضع جهازاً بتصرفه تعود ملكيته للدولة اللبنانية، يمكّنه من اعتراض أي مكالمة والتنصت عليها.
ويقتطع يوسف مبالغ مالية طائلة كبدل سفر سنوياً، من دون إبراز أين وكيف ولماذا صرفت ومن دون أي رقابة أو مساءلة مسبقة ولاحقة. وتبيّن للمفوضية أن وزارة الاتصالات تحوّل مبالغ مالية إلى أوجيرو، ومنها بدل القيمة المضافة، لكن «يوسف يقتطع هذه المبالغ ويحتفط بها لنفسه، إذ يتبيّن أن وزارة المال لا تتسلم مبالغ منه على حساب القيمة المضافة المحوّلة من وزارة الاتصالات».
ومن أبرز البنود المتعلقة بمخالفات يوسف، هي تلك المتعلقة بامتناعه عمداً عن تسهيل أي مراقبة على المال العام في الهيئات التي يتولاها، فهو لا يجيز الرقابة الداخلية والخارجية ويرفض تحديث نظام الفوترة وخدمة الـ DSL والتخابر الدولي، ما يفوّت على الخزينة أموالاً طائلة، أو على الأقل لم يتبيّن أوجه صرفها وكيفيتها وقيمة المبالغ المحصلة.
«هذا غيض من فيض، اذ إن المخفي داخل هيئة أوجيرو والمديرية العامة للاستثمار والصيانة أكبر بكثير مما يمكن التحدث عنه»، بحسب ما يرد في الإخبار. ولذا، طلبت مفوضية الشباب التقدمي ومفوضية العدل في الحزب الاشتراكي، تحريك دعوى الحق العام بحق يوسف ومن يظهره التحقيق، باعتبار أنه استغلّ موقعه الوظيفي، إذ "أبرم لنفسه عقوداً مالية مستغلاً سلطته"، كذلك «صرف نفوذه والتمس منفعة لنفسه وأهمل وأخّر أعمالاً كان واجباً عليه القيام بها، وحرم الدولة من أموال كان يمكن صيانتها وتحصيلها وزيادة إيراداتها منها ... وحصل على منفعة شخصية من الإدارة التي ينتمي إليها والتي تقع ضمن الأفعال المعاقب عليها بموجب قانون العقوبات المنصوص عليها في المادة 351 وما يليها لجهة الجرائم المخلّة بواجبات الوظيفة واستثمارها والاختلاس».