تذكّرنا الأحداث في تونس ومصر بأنّه لا صفة عالمية للديموقراطيات الليبرالية الغربية، وبأن معذّبي الأرض هم الذين يبقون الوعد بالديموقراطية حيّاً. نحن نشهد لحظة تاريخية في العالم العربي، لحظة لتصوّر إنسانية جامعة ومصير مشترك. لقد هزّ الفيض العفوي للطموحات الديموقراطية في تونس ومصر خلال الأسابيع القليلة الماضية الطريقة التي يتخيّل بها الغرب نفسه ويدير بها العالم، هزاً عميقاً.


وفيما يعتمد الكثير مما ستؤول إليه الأحداث على التضامن الدولي، فإنّ مستقبل عالم عربي متجدد، جامع وديموقراطي، يحدّده ملايين من المتظاهرين المناصرين للديموقراطية في مصر، الذين يحطمون النظام العنفي لما بعد الحرب الباردة، ويعيدون تعريف الثقافة السياسة للعالم الثالث. المصريون الذين يدافعون عن ميدان التحرير في القاهرة يغرسون شعوراً كبيراً بالعزة القومية في العالم العربي، من الرباط إلى بغداد، ومن اليمن الى سوريا. وعاجلاً أم آجلاً سوف يؤدي هذا الى سقوط مزيد من الأنظمة التسلطية في المنطقة.
ما جعل هذه اللحظة الثورية ممكنة كان عفويتها المطلقة والغياب الكامل لأية مؤامرة، حقيقية أم متخيّلة. العاصفة السياسية التي اندلعت في تونس ومصر كانت سريعة ومفاجئة لدرجة يصعب إدراجها ضمن المخططات وسيناريوهات الجهود الأميركية والدولية للدمقرطة، كما حصل في أوكرانيا، لبنان أو إيران، وإذ تزداد هذه العاصفة قوّة، فإنّها تفضح زيف الادعاء بأنّ توسيع نطاق الحرية يعني بالضرورة قبول الهيمنة الغربية. في الواقع، إنّها تشي بأنّ الأنظمة الاستبدادية العربية تسند (وتستند بطريقة حيوية إلى) الديموقراطيات الليبرالية في الغرب باسم الاستقرار وثالوثه السافر: النفط، إسرائيل، والإسلاموفوبيا.
لحظات نادرة ومتسارعة في التاريخ كهذه، هي التي تذكّرنا بأنّ المثل العالمية للإنسانية والحرية يصونها معذبو الأرض ضد مصالح الليبرالية الغربية. ألم تُبقِ الثورة الهايتية الوعد بهذه المُثل حياً في وقت انحدرت فيه فرنسا نابوليون الى الديكتاتورية والمطامح الكولونيالية؟ في القرن العشرين، جندت هذه القيم الشعوب في آسيا، أفريقيا، الكاريبي وأميركا اللاتينية ضد السيطرة الغربية: إيران مصدّق، كونغو لومومبا، تشيلي ألييندي، وهايتي أريستيد، كانت ثورات ديموقراطية في وجه ديكتاتوريّين تابعين للغرب. وكما في إسبانيا في الثلاثينيات وهنغاريا في عام 1956، جرت خيانة هذه الثورات من جانب ديموقراطيات ليبرالية غربية. هذه اللحظات من الماضي تخاطب تونس ومصر اليوم بشأن إمكان أو هشاشة مشاريعهما الثورية.
التجمع الشعبي في القاهرة، أو «كومونة القاهرة»، والتأييد الذي تلقّته من محتجين في جميع المدن المصرية الكبرى الأخرى، يبرهنان للعرب والعالم أجمع أنّه: «نعم، نحن أيضاً نستطيع»، كما كُتب على إحدى اللافتات، ووفق شروطنا أيضاً.
وكما لاحظ أخيراً الزميل خالد صاغية في مقال له، فإنّ «المعركة التي يخوضها شباب مصر ليست معركة إسقاط حسني مبارك وحسب، بل هي معركة استعادة الذات واستعادة مصر (والعرب) من قعر الهزيمة». منذ الهزيمة العسكرية المصرية في حزيران 1967 أمام إسرائيل، يتابع المقال، عانى العرب من اتفاقية كامب دايفيد، من الاحتلال المستمر للأراضي الفلسطينية، الحرب الأهلية اللبنانية، الإسلام التكفيري، المذابح في العراق في ظل صدام حسين، وفي ظل الاحتلال الأميركي المستمر، ونهب الثروة الوطنية من جانب نخب رجال أعمال كومبرادورية متحالفة مع ديكتاتوريات بلادها. هكذا، تصبح هذه لحظة تطهير ثقافي ذات قدرة على تحرير العرب من نحو نصف قرن من الخوف المشلّ والانكسار.
لم تبدأ الثورة في ميدان التحرير. كان على الجماهير الغفيرة غير المسلحة دفع قوى الشرطة الى الوراء للوصول الى الميدان في آخر أيام كانون الثاني 2011، في ما ما سيصبح على الأرجح واحداً من الأشرطة الأيقونية على الإنترنت، مشى المتظاهرون المسالمون في وجه مئات من رجال الشرطة وقوى الأمن وحاملات الجند المسلحة وخراطيم المياه لشق طريقهم الى قلب القاهرة. في مواجهة جسر قصر النيل التي استغرقت يوماً بكامله، أنشد هؤلاء النشيد الوطني التونسي خلال مسيرتهم، وخفضوا رؤوسهم بطريقة جماعية عند الصلاة للصمود في مكانهم. عندما هاجم نهّابون متحف القاهرة ومكتبة الإسكندرية، قامت سلاسل بشرية بالدفاع عن التراث الوطني؛ عندما قطع النظام وسائل الاتصال الإلكترونية في جميع البلاد، جرت التعبئة للاحتجاج عبر الجوامع وعبر التواصل الكلامي بين الناس؛ عندما أرسل النظام المتهالك خيّالته لكسر «الكومونة»، دافع المحتجون الشباب عن أنفسهم بالحواجز المؤقتة، الحجارة وأيديهم العارية.
يعرف المصريون بماذا يدينون للانتقاضة التونسية التي أطاحت نظام الرئيس بن علي المدعوم من الغرب لمدة 23 سنة، ذلك أنّ هذه اللحظة الثورية انطلقت من مدينة سيدي بوزيد، التي تقع في أراضي جنوب تونس الخصبة لكن الفقيرة، والبعيدة عن عالم الإنترنت الصاخب. في ذلك اليوم، قام بائع متجول يتيم كان قد أوقف تعليمه لإعالة عائلة من ثمانية أشخاص، بإحراق نفسه كفعل احتجاج أخير ضد المصادرات المتكررة للنزر اليسير من رزقه، والاستغلال المستمر على أيدي السلطات الذي عاناه هو وآخرون. أطلق هذا الفعل احتجاحات في الأرياف التونسية. وما إن اجتاحت هذه الاحتجاجات العاصمة حتى جنّدت النقابات نفسها، وسرعان ما تآخى الجيش مع جموع المتظاهرين. يستمر صراع التونسيين مع بقايا النظام القديم، لكن شرارتهم قد أشعلت المصريين الذين أقاموا «يوم غضب» وطنياً في 25 كانون الثاني.
لقد استجلبت الأحداث الدرامية في تونس ومصر مقارنات بسقوط جدار برلين، الذي أدى الى إنهاء الحرب الباردة. وعندما حاول «بلطجية» نظام مبارك قمع المتظاهرين من على ظهور الأحصنة، أعاد ذلك الى الأذهان أطياف مجزرة ميدان تيانانمين في بكين عام 1988. انتصار المتظاهرين ومرونتهم خلال الأسبوعين الماضيين، يذكّران بأمواج المتظاهرين الصرب التي أسقطت سلوبودان ميلوسيفيتش عام 2000. في خطواتها التكتيكية، تثير التظاهرات أيضاً التضحية بالنفس والإصرار اللذين اتسمت بهما مقاومة غاندي غير العنفية، فيما تأثيرها الطويل الأمد على الثقافة العربية قد يكون مماثلاً لما مثّلته حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، و«أحداث رودني 1968» في جامايكا بالنسبة إلى وعي السود.
لكن بالرغم من أوجه الشبه هذه، فإنّ الحركة الاحتجاجية المصرية متجذّرة بعمق في تاريخ مصر الحديث، من المعارضة السياسية لعقود من الحكم التعسفي في ظل قانون الطوارئ، واستيلاء مبارك على مليارات الدولارات، وتواطئه مع سجن إسرائيل للفلسطينيين في «غيتو غزة». وقد كانت نوال السعداوي، الكاتبة النسوية المصرية الأسطورية والناشطة من أجل العدالة الاجتماعية من ضمن المتظاهرين. عن عمر يناهز 80 عاماً، هي تجسّد ذاكرة المصريين للمقاومة: «لقد تظاهرنا ضد الملك فاروق وضد عبد الناصر. لقد سُجنت خلال حكم السادات وعشت في المنفى في ظل حكم مبارك (...) لكنّني لم أرَ شيئاً كهذا في حياتي، لذلك علينا أن نجلس هنا، علينا أن نحافظ على مكاننا».
وفيما أعضاء «الكومونة» يجلسون ولا يبارحون أماكنهم في ميدان التحرير، فلا شك أنّهم كانوا ولا يزالون يناقشون دروس الماضي والخيارات التي اتخذها أسلافهم من السياسيّين كالقائد الوطني الكبير سعد زغلول الذي أجبر البريطانيين على إسماع صوت المصريين في موتمر باريس للسلام في عام 1919. زغلول استطاع، عبر المقاومة السلبية ودعم سكان الأرياف، انتزاع استقلال جزئي من براثن الاحتلال البريطاني بعد ذلك بثلاث سنوات. وقد يكون النشطاء المخضرمون مثل نوال السعداوي ذكّروا الحشود الأصغر سناً بمخاطر التسوية مع النظام: في عام 1954، أقر عبد الناصر باحتجاجات شعبية مطالبة بعودة الجيش الى ثكنه والسماح بانتخابات حرة، لكنّه ما لبث أن نكث بوعده واعتقل قادة الاحتجاجات بعد توقف التظاهرات. من الواضح أنّ القيادة الجماعية في ميدان التحرير قد أخذت العبرة من التاريخ بأنّ الحرية ليست شيئاً يمنح بسخاء من جانب ذوي السلطة، بل شيء يجب أن ينتزعه بالفعل الشعب.
الكثير من متظاهري اليوم هم ناشطون مخضرمون تشكّل وعيهم في اللجان التضامنية لدعم الانتفاضة الفلسطينية الثانية منذ عام 2000، الحركة المناهضة للحرب، المحتجة على الاجتياح الأميركي للعراق في عام 2003، والاضطرابات العمالية في دلتا النيل منذ 2006. وقد أيدت هذه الأحداث الأخيرة التي شهدت إضراب 25000 عامل مصري، مجموعة من الناشطين الاجتماعيين اسمها «حركة شباب 6 أبريل»، الذين نقلوا الإضرابات على شبكة الإنترنت. وكان استشهاد واحد منهم، المدوّن خالد سعيد، الذي قُتل تعذيباً على يد قوى الأمن المصرية في تموز 2010، هو الذي أعاد تنشيط الحركة الاحتجاجية المناهضة لمبارك. وقد ظهرت مجموعات مثل «6 أبريل» و«كلنا خالد سعيد» كمنظّمين متماسكين للاحتجاحات. نظرتهم الديموقراطية واضحة تمام الوضوح: على مبارك رفع القيود وترك منصبه؛ سيتفاوضون مع حكومة انتقالية حول الانتقال الى انتخابات جديدة وحرة؛ إعداد دستور جديد للتصديق عليه في البرلمان؛ وعلى الجيش أن يكون خاضعاً للسلطات المدنية.
بالرغم من الخلفية التاريخية لهذه المطالب وعالميتها، فإنّ الخبراء والسياسيين الغربيين يزعمون أنّ المصريين، مثل جميع العرب، ليس عندهم تقليد ديموقراطي، وبحاجة الى رجل كبير يحكمهم. فكرة أنّ العرب غير صالحين لتقرير مصيرهم بأنفسهم تعود الى أصول نظام الدولة العربي بعد الحرب العالمية الأولى. في ذلك الوقت، صُرف النظر عن الطموحات العربية بالاستقلال في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية، من جانب الإمبرياليين البريطانيين والفرنسيين، وتخلى الرئيس الأميركي ودرو ويلسون عن هذه الطموحات على نحو رخيص. إنّ إطلالة هذا المفهوم العنصري برأسه البشع مرة أخرى كقناع لحجب لازمة الحفاظ على الاستقرار، خلال هذه اللحظة العظيمة للإنسانية المشتركة، يعطي «الساعة الصفر» في القاهرة بعداً أكثر عالمية من مجرد رحيل مبارك. هي ليست أقل من دعوة إلى تفكيك البعد الكولونيالي للديموقراطية.
* أستاذ تاريخ الشرق الأوسط
في جامعة تورونتو، كندا (خاص «الأخبار»)
ترجمة: وهيب معلوف