القاهرة| غضب طارق البشري وانفعل بشدة، فطلب إنهاء المكالمة الهاتفية. كان السؤال عن «نكسة 1967»، ماذا فعلت به وماذا فعل فيها؟ من الصعب إيجاد مبرر قوي لغضب المستشار، رئيس مجلس الدولة، سوى أنه لا يريد أن يذكّره أحد بماضيه اليساري. طارق البشري اسم ليس غريباً عن الواقع الثقافي المصري، فهو في واجهة الأحداث دائماً.


مقالاته تثير الجدل الكبير، ويحظى باحترام شديد في كثير من الأوساط اليسارية رغم انتمائه الإسلامي، تحديداً إلى جماعة «الإخوان المسلمين». خرج الآن إلى الضوء بعدما اختاره «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» رئيساً للجنة تعديل الدستور. رغم أن البعض فقد الأمل في إجراء تعديلات باتجاه دولة مدنية على اعتبار أن رئيس اللجنة أقرب إلى «الإخوان المسلمين»، إلا أن البعض الآخر متمسك بالأمل في كونه واحداً من الذين فضحوا النظام السابق بقوة عبر العديد من المقالات، دعا أقساها إلى العصيان المدني.
لا ينسى المثقفون للبشري أنه صاحب فتوى مجلس الدولة الخاصة بمنح مؤسسة «الأزهر» حق الرقابة على المصنفات السمعية والبصرية، وكان ذلك عام 1992. البشري وافق على منح الأزهر سلطات رقابية لتصل إلى حق منح أعضاء مجمع البحوث الإسلامية حق الضبطية القضائية لأي كتاب أو مصنفات أخرى، وأسهم في تعديل المواد الرقابية الخاصة بأي ظهور للمؤسسة العسكرية في الأعمال الفنية أثناء أزمة فيلم «البريء» لعاطف الطيب. قرار ضاعف بقوة من سطوة الرقابة التي تعددت جهاتها لتشمل رقابة وزارة الإعلام والثقافة والمؤسسة الأزهرية. بعض المثقفين يرى أن البشري هو «ابن فكرة الدولة القائمة على الهوية، لا على الديموقراطية، مهما كانت تعاطفاته معها. فالديموقراطية عنده هي أصلاً وابتداءً خادم للهوية. وبهذا المعنى، فإن إسلاميته تدور في إطار فكرة ثورة يوليو 1952، لا ثورة كانون الثاني»، وبالتالى فهو ينتمي إلى «قوى الثورة المضادة»، بحسب الباحث شريف يونس.
ربما فكرة «الدولة القائمة على الهوية» جعلت للبشري موقفاً صلباً تجاه الأقباط؛ فقد أصدر ثلاثة كتب عن هذا الموضوع، ويؤكّد في مقدمة آخرها «الدولة والكنيسة» أن «ما أظنه طرأ على العلاقة بين الدولة في مصر، وإدارة الكنيسة القبطية في السنوات الأخيرة، بمراعاة التمثيل المؤسسي للجماعة الوطنية، والظهور المؤسسي للكنيسة كمؤسسة، ينشد التعبير عن الأقباط لا في الشأن الديني الاعتقادي وحده».
يرى شريف يونس أن طرح البشري عن العلاقة مع الأقباط «مجرد طرح أصولي طائفي»، فالبشري لا يدافع عن حقوق المواطنة مطلقاً، ولا هو رافض للطائفية الدينية من حيث المبدأ. خلاصة موقفه أن على المسيحيين وحدهم أن يخرجوا من تحت سيطرة المؤسسة الدينية، مستعيدين قيم العصر الليبرالي. أما المسلمون، فيجب أن يخضعوا للإسلاميين لينادوا بالدولة الدينية. والهدف هو إقامة دولة تعتمد سيادة طائفة دينية على أخرى بمظهر غير طائفي، من طريق فك طائفية الطائفة الأخرى، أو إقامة جماعة سياسية يسميها وطنية، مبنية على معايير مزدوجة، إذ تتماسك الجماعة المسلمة على أساس أصولي، ثم تتماسك مع بقية مكوّنات «الجماعة الوطنية» على أساس «حفظ المقامات» بين الأديان. ومن هنا، فإن «عدوه الرئيسي هو العلمانية، أو مبدأ الدولة المدنية»، وفق شريف يونس.
وُلد البشري في القاهرة عام 1933. كان جدّه، سليم البشري، شيخاً للجامع الأزهر، أما والده عبد الفتاح البشري فكان قاضياً ورئيساً لمحكمة استئناف القاهرة. ونشأ طارق في بيت يجمع بين العمامة والطربوش. بعض أفراد العائلة أزهريون، والبقية حصّلوا تعليماً مدنياً لا بأس به. القراءة كانت زاده اليومي، وخصوصاً ما يتعلق بالشعر والأدب. في المرحلة الجامعية، تغيرت وجهة طارق؛ درس الحقوق، وتوسعت مداركه بالتعرف إلى الفكر الغربي المترجم. وفي هذه الفترة، كان «علماني التفكير»، لكنه ظل عاشقاً للشريعة الإسلامية.
بعد تخرُّجه، أوغل في القراءة بالإنكليزية، بعدما عمل على تقوية لغته، ليقرأ في التاريخ السياسي الأوروبي وحركاته السياسية، ليخرج من مجموع هذه القراءات علماني الفكر السياسي، «وقد صاحبتني هذه الفترة في حياتي لمدة عشر سنوات من عام 1960 حتى 1970». ويوضح: «كنتُ علمانياً قحاً في الفكر السياسي، لأنني أكره التضارب والخلط، وكان لدي فكر إسلامي في أمور ثلاثة: معرفتي بالفقه، والأمر الثاني يتعلق بالرزق الذي ظل دائماً في قلبي وعقلي أنه يتعلق بقدر الله سبحانه، والأمر الثالث هو الصحة والموت وأنهما أمران مرهونان بقدر الله».
هزيمة 67 مثّلت نقطة فاصلة في حياة هذا الجيل. وكان السؤال الذي طرحه البشري على نفسه: من أين أتت الهزيمة؟ من نحن؟ نريد أن نستقلّ، وإذا أردنا ذلك، فعلينا أن تكون لقمة عيشنا ملكاً لنا أيضاً. لكن قبل ذلك، هناك مجموعة من العقائد وشعور الجماعة بتميزها وبترابطها وبإحساسها بالانتماء المشترك. لكن من أين يأتي هذا؟ يرى أن «العلمانية حينما تقول لي استقلّ سياسياً واقتصادياً، تفقدني الهوية التي بها استقل، وتفقدني إرادة الاستقلال، ومن هنا بدأت استعادتي لهويتي، وبدا لي الفكر العلماني في مأزق، لأنه يؤدي إلى تجريد الإنسان من هويته المرتبطة بعقيدته وحضارته».
هذه التحولات الفكرية الحادة والعميقة، هي ما يقلق المثقفين إزاء اختيار البشري لرئاسة لجنة تعديل الدستور، وخصوصاً أن اللجنة ضمت أيضاً أحد صقور «الإخوان المسلمين»، صبحي صالح. وضمت كذلك اثنين من ذوي الميول الإسلامية وعائلتاهما إخوانيتان، بينما البقية ينتمون إلى النظام المخلوع. والأمر الآخر أنهم ليسوا لجنة لتغيير الدستور، بل لتعديل المواد الست التي طلب حسني مبارك نفسه بتعديلها قبل رحيله، وهو ما يعني أن الدستور الجديد بعد تعديله، يعطي الحق في اختيار «ديكتاتور آخر»، إذا لم يجرِ التطرق إلى المادة 173 التي تعطي لرئيس الجمهورية سلطات مطلقة، وتجعله حكماً بين السلطات». بالتالي، فإنّ الثورة لم تنجز شيئاً سوى رحيل رأس النظام، وأبقت كل قوى النظام القديم!