المناسبة: جلسة تضامن مع الثوار البحرينيين في بيروت، أمس. المتحدث باسم البحرينيين شاب عشريني، داكن البشرة، هادئ الملامح كأنه لا يقيم حساباً للوقت. تعرفه من زيّه البحريني التقليدي: جلباب أسود وكوفية سوداء. داخل الغرفة في «حوزة الإمام السجّاد» يصبح الأسود أكثر اتشاحاً، لقلّة الأضواء، ولكثرة الثياب السوداء التي تبدو للوهلة الأولى زيّاً موحداً. يرحّب الشاب بالمتضامنين مع شعبه بلكنة بحرينية محبَّبة، وينتقي كلماته بإتقان شديد، مبتسماً بود لافت عند انتهائه من الإجابة عن كل سؤال. كثيرون يرغبون في التعرف إلى البحرين اليوم. البلد المستكين على أطراف الخريطة لم يعد منسياً. ثمة ثورة تحدث هناك. هناك شهداء. الشاب، الذي لم يرغب في ذكر اسمه، موجود هنا في بيروت منذ أربعة أسابيع بغرض الدراسة. هذا بحد ذاته سبب إضافي للألم. تتبدل معالم وجهه لحظة يذكر الفترة التي أتى فيها إلى لبنان، مستدركاً: «تعرف، الثورة تحدث فجأة». يتابع الآن أنباء الأهل من بيروت. يشعر بأنه بين أهله، وقد شارك في تظاهرة شارع الحمرا في العاصمة اللبنانية قبل أيام. كان سعيداً بترداد المتظاهرين لشعارات الثورة البحرينية. لمس قواسم مشتركة بين مواطنيه واللبنانيين، ولم يكن تقديره لحجمها دقيقاً. فاقت توقعاته، لكنه كان يعلم أن في لبنان «جواً سياسياً مختلفاً عن البلدان العربية». توقع التضامن، لكنه لم يتوقع كثرة الأسئلة عن بلاده. وفي الحالتين، كان راضياً.

المشكلة ليست في الشعب اللبناني ولا في إعلامه. يقاطع شاب آخر أكثر حماسة. هو الآخر لا يريد أن يذكر اسمه. الشاب المتحمس أكثر عصريةً هذه المرة، أو فلنقل، لا يرتدي الزي البحريني التقليدي. كان يرتدي سروال جينز وسترة مخططة. الحماسة تقف عند حدود الأمر الواقع؛ فرغم الثورة، ورغم انكسار الصمت أخيراً، الخوف من قبضة الأمن لا يزال قائماً. يمكن أن تلمسه في وجه ذاك الشاب التوّاق إلى الصراخ. الصراخ لأن الإعلام يتجاهل ثورتهم. يستثني بعض المحطات التلفزيونية اللبنانية المحلية من العتب، والصحافة المكتوبة التي تصدر في بيروت، ثم يتريث. يقول بصوت يكاد يخرج من عينيه قبل فمهِ، بطيئاً، خافتاً: «الجزيرة». يومئ برأسه في إشارةٍ منه إلى أننا فهمنا قصده. يبادله الشباب الأربعة الآخرون نظرات الاستهجان. «أين الجزيرة؟» يسألون. طبعاً يعرفون حسابات المحطة القطرية، وهم يعرفون «خصوصية الخليج». إلا أن ذلك لم يمنعهم من صب جام ألمهم على المحطة التي طرحت نفسها رئةً لنقل أصوات الثورات العربية. ويستفيض مشيراً إلى أن الثورة تضم الشيعة والسنّة وجميع أطياف المجتمع البحريني الرازح تحت خط الفقر، محاولاً إغلاق الباب على الحديث المذهبي. الإعلام هو الشرفة التي تطل منها الثورات في هذا العصر. هكذا يبدو عتب البحرينيين مفهوماً. وبعيداً عن العتب، يقول صديق للشهيد الأول في الثورة البحرينية، علي عبد الهادي مشيمع، إنّ الثورة البحرينية أقوى وأشد اندفاعاً هذه المرة. هو، الآتي من دوار اللؤلؤة، يعرف جيداً أن الشعب لن يساوم. لا يرهبه الجيش البحريني الذي يرونه للمرة الأولى. في «انتفاضة التسعينيات»، لم يروا الجيش. اليوم، وقد ازداد عدد المرتزقة في هذا الجيش، تنتابهم رغبة في تبديل هويته. الشعب البحريني أولى بجيشه، وهذه إحدى النقاط التي قفز الإعلام عنها. الشاب المتحمس، ينقل عن أهل له في المنامة، «أن الجيش السعودي شارك نظيره البحريني عمليات القتل والقمع». لكن، الوضع الإقليمي مختلف. والبحرينيون في لبنان متفائلون، ولا ينقصهم زخم ولا أمل.