خلال العقد الماضي، استطاعت واشنطن إعادة ليبيا إلى المجتمع الدولي بعدما فهم معمر القذافي أنّ كرسيّه في خطر إذا استمر في تحدّي الأميركيين. العلاقة المتحسنة أفادت الطرفين، بعد قطيعة لعقود

في الخامس من أيلول 2008، قامت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، كوندوليزا رايس، بزيارة تاريخية إلى ليبيا، مثّلت إعلاناً لنهاية القطيعة بين واشنطن وطرابلس، التي دامت منذ 1979. بعد شهرين من هذا الاجتماع، دفعت ليبيا ملياراً ونصف مليار دولار أميركي للصندوق المختص بالدعاوى المتعلقة بحادثة لوكربي، فتلقّى معمر القذافي اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، لتنتهي القطيعة رسمياً بين الطرفين. وبعد شهر عُيّن جين كريتز، المبعوث الأميركي إلى ليبيا، سفيراً للمرة الأولى منذ 1972.
هكذا خلال أشهر عدّة، لم يعد القذافي العدو الأوّل بالنسبة إلى واشنطن، ولم تعد هذه الأخيرة محور خطبه الرنانة، بعدما فهم زعيم الجماهيرية الخضراء في 2003، أنّه سيكون التالي بعد صدّام حسين على لائحة الأهداف الأميركية في المنطقة. فقد أصبح القذافي محاصراً من جانب أنظمة اعتدال عربية متعاونة إلى أقصى الحدود مع واشنطن، وأدرك أنّه حين تقرّر هذه الأخيرة إطاحته، لن يجد أيّ رئيس يدافع عنه، بعدما عادى الجميع. وكان مشهد السقوط السريع والمدوّي لصدام حسين ماثلاً أمامه حين قرر تنفيذ كل ما طلبته واشنطن تدريجاً: تخلى عن البرنامج النووي وأسلحة الدمار الشامل، وتوقف عن دعم المجموعات المسلحة في المنطقة (حماس من ضمنها)، وصولاً إلى دفع ما وجب عليه لتسوية قضية لوكربي.
ومع عودة ليبيا إلى الحظيرة الدولية، استفادت واشنطن على ثلاثة محاور: محاربة الإرهاب، التجارة، والطاقة. فمنذ هجمات الحادي عشر من أيلول، سعت واشنطن إلى البحث عن حلفاء لها، في العالم العربي والإسلامي، لإضفاء المزيد من الشرعية على حربها ضد الإرهاب. لم يشذّ معمر القذافي عن مواقف زملائه العرب. فهو دان الاعتداءات فور حصولها وأعلن انضمامه إلى الجهود الأميركية لمحاربة التطرف الإسلامي، ووجدت واشنطن ذلك مدخلاً لعودتها إلى ليبيا. تبادل جهازا الاستخبارات في البلدين المعلومات منذ ذلك الحين، وعُقدت جلسات عدّة بين الطرفين. وأثمرت هذه الجلسات إعادة افتتاح مكتب اتصال أميركي في طرابس في 2004، يترأسه ضابط اتصال يدعى غريغ بيري. هذا الأخير أصبح في 2006 مكلفاً بالأعمال، بعدما استعيدت العلاقات الدبلوماسية رسمياً بين البلدين. وسبق ذلك، في 2003، شطب الأميركيين اسم ليبيا عن قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعدما أعلن النظام تخليه عن متابعة برامج أسلحة الدمار الشامل.
إذاً، كان الأمن هو المدخل لعودة العلاقات بين الطرفين، لكنّه كان السبب المباشر، الذي يخفي وراءه مصالح واشنطن التجارية. فلم تكتف الولايات المتحدة باجتياح العراق وأفغانستان للسيطرة على منابع النفط وطرقها، بل أرادت أيضاً أن يكون لها موطئ قدم وجزء من كعكة الطاقة الليبية. ويقدّر بعض خبراء الطاقة أن احتياطي ليبيا النفطي يقارب 41.46 مليار برميل، مقابل 1.419 مليار متر مكعب من الغاز، مع إمكان أن تكون الأرقام الفعلية أكبر بمرتين أو ثلاث مرّات. وتستفيد أوروبا استفادة رئيسية من الثروة النفطية الليبية، وقد اكتشفت واشنطن أنّها عبر دخول نادي مستوردي النفط الليبي ستخفف اعتمادها على مصادر نفطية واحدة، وخصوصاً من دول غير مستقرة. فما جذب الأميركيين، وقبلهم الأوروبيين، إلى طرابلس هو قدرة القذافي على التحكم الكبير في كلّ مقدرات البلاد، وعدم وجود أيّ تهديد لسلطته قد يضر بمصالحهم في المستقبل، أو هكذا اعتقدوا حينها.
إلى جانب النفط، وضعت واشنطن نصب عينيها إنشاء ميزان تجاري لمصلحتها مع الجماهيرية. لكن كيف يمكن أن يكون هذا الميزان التجاري رابحاً مع ستة ملايين مواطن ليبي فقط؟ الجواب هو الأسلحة، لذا ركزت واشنطن كل اهتمامها على تصدير الأسلحة للقذافي. هكذا تستفيد من العائدات النفطية الليبية التي ستصب في خزائنها وتعوّض المساعدات التي تغدقها على حلفائها، الفقراء نسبياً مقارنةً بليبيا، في المنطقة.
وفي كانون الثاني 2009، وقّع الطرفان اتفاقاً لتبادل المعلومات الأمنية والدفاعية، ولبدء المحادثات بشأن بيع الأسلحة، لكن ذلك لم يدخل حيّز التنفيذ إذ طالت المفاوضات ولجأت طرابلس في ذلك الوقت إلى بريطانيا وألمانيا لشراء الأسلحة.
لكن واشنطن وجدت رغم ذلك نفسها تعود ببطء إلى ليبيا، محاولةً استعادة العلاقات التي سادت بين الطرفين قبل وصول القذافي إلى السلطة. فمنذ استقلال ليبيا عن إيطاليا في 1951، وجدت فيها واشنطن قاعدة عسكرية استراتيجية لتنفيذ طموحاتها في التغلغل أكثر في القارة الأفريقية. ومع اكتشاف النفط في 1959، أصبحت ليبيا «مضخّة نفطية بخسة الثمن». واستمر الوضع على ما هو عليه حتى وصول القذافي في 1969 إلى الحكم. ومذاك، بدأت العلاقات بالتدهور، وخصوصاً بعدما بدأ يسبب المشاكل لواشنطن في المنطقة. وبدأت هذه الأخيرة تعدّه عامل عدم استقرار مع دعم القذافي لما عدّته واشنطن «إرهاباً أفريقياً وعربياً». في 1972 استدعت أميركا سفيرها جوزيف بالمر من طرابلس، وبقي المنصب شاغراً حتى 2008. وبين 1972 و1980 تناوب على السفارة مكلفون بالأعمال. انقطعت العلاقات بالكامل بداية 1980 بعدما هاجم عدد من الشبان السفارة الأميركية في كانون الأول 1979 وأحرقوها. في 29 من ذلك الشهر أصبحت ليبيا رسمياً «دولة راعية للإرهاب».
وفي أيار 1981 أغلقت واشنطن مكتب التمثيل الليبي لديها وطردت البعثة. لم يطل الرد الليبي، ففي 19 آب أطلقت طائرتان حربيتان ليبيتان النار على طائرات أميركية تشارك في مناورة عسكرية فوق المتوسط. بحلول 1985، كانت واشنطن قد أوقفت جميع المعاملات مع ليبيا: النفط والتجارة والمصارف، وبدأت بالإعداد لعقوبات اقتصادية شاملة على الجماهيرية، تحققت بداية 1986.
في ذلك العام، حصل اعتداء ملهى لابيل في برلين واتهمت ليبيا بالوقوف وراءه، فشنت واشنطن هجمات جوية على طرابلس وبنغازي قتل خلالها 15 شخصاً. كما اتهمت ليبيا أيضاً بالوقوف وراء تفجير طيارة الـ«بان آم» الأميركية فوق لوكربي في اسكوتلندا في 1988. وتوالت بعد ذلك قرارات الأمم المتحدة التي عززت الحظر على ليبيا بعد رفضها الاعتراف بمسؤوليتها.
لكن التراجع والتنازل الليبيين بدآ في 1999، حين سلمت المتهمين بقضية لوكربي للمحاكمة، لتبدأ مذّاك رحلة العودة إلى الحضن الأوروبي، ومن ثم الأميركي، فلم يعد غريباً رؤية معتصم القذافي، يحل ضيفاً على هيلاري كلينتون، أو سماع الإشادات الأميركية بجهود سيف الإسلام لتحقيق الإصلاح.