لم يجد سيف الإسلام القذافي وهو يرى أن أحلامه بمواصلة الحكم بعد أبيه تتهاوى أمامه من سبيل سوى التلويح بخطر الإسلاميين، والتهديد بأنهم سيُحكمون سيطرتهم على البلاد بعد إقصاء عائلة القذافي، آملاً دفع الغرب إلى مواصلة دعمه للنظام، قبل أن يحسم الشعب الأمر لمصلحته.

وتناسى نجل القذافي أن الغرب نفسه لم يكن بمقدوره مساعدة اثنين من أوثق حلفائه حسني مبارك وزين العابدين بن علي، وأن الحركات الإسلامية الليبية لم تكن تملك يوماً القدرة الفعلية على إحكام قبضتها على البلاد.
رغم ذلك، اختار سيف الإسلام التهديد بورقة الحركات الإسلامية ليقينه أن خطابه الذي لم يعره الليبيون اهتماماً، سيثير مخاوف لدى الدول الغربية، بعدما حاول اللعب على وتر تحوّل الهجرة غير الشرعية إلى الدول الأوروبية، التي تعدّ ليبيا أحد ممراتها الرئيسية إلى هجرة جهادية.
وتعمّد سيف الإسلام تخصيص جزء يسير من خطابه قبل يومين للحديث عما الخطر الإسلامي في المرحلة المقبلة، والتضخيم من احتمالاته من خلال قوله «هل فكرتم أن أوروبا وحلف الأطلسي والولايات المتحدة الأميركية ستقبل بإمارات (إسلامية)، هي في يومين أصبح عندها إمارتان إسلاميتان، بعد شهر يكون عندها خمس عشرة واحدة، هل يقبلون إمارة إسلامية في حوض البحر الأبيض المتوسط؟! هم لم يقبلوها في الصومال، ولم يقبلوها في أفغانستان، وحاربوها في آخر العالم. تريدون أن يقبلوها في ليبيا على بعد نصف ساعة من القاعدة الأميركية التي في كريت، وساعة من هنا إلى إيطاليا في وسط البحر الأبيض المتوسط؟».
وبالفعل فإن هذه التهديدات سرعان ما وجدت صداها لدى أوثق حلفاء القذافي الأب، الحكومة الإيطالية التي خرج وزير خارجيتها فرانكو فراتيني للحديث عن مخاوف من خطر الإسلاميين، مشيراً إلى أنه «قلق للغاية بشأن الإعلان الذاتي لما يسمى الإمارة الإسلامية في بنغازي». وأكد أن «لدى بلاده مخاوف، كالتي يصدّرها النظام الليبي»، في وقت ما زال فيه سيلفيو برلسكوني ونظراؤه الغربيون يعتصمون بالصمت، فيما يمعن النظام في ارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق شعبه الأعزل.
ولا يبدو أن سيف الإسلام تعلم من أخطاء النظامين المصري والتونسي السابقين، اللذين لوّحا لسنوات بورقة الخطر الإسلامي للرّد على مطالب الإصلاح والانفتاح الديموقراطي، قبل أن يفاجآ بثورتين لم يكن للإسلاميين في اشعالهما أو حتى قطف ثمارهما سوى دور ثانوي.
ومن المرجح ألّا يخرج المشهد الليبي عن هذا الإطار رغم مسارعة بعض النشطاء في التيار الإسلامي في ليبيا إلى تأسيس حركة إسلامية أطلقوا عليها تسمية «الحركة الإسلامية الليبية للتغيير». والحركة التي انبثقت للدعوة إلى المشاركة في التظاهرات لإسقاط النظام، حرص مؤسسوها على التأكيد أنه «ليس في أجندتهم تبنّي العمل المسلّح بل الاكتفاء بالنضال السياسي، بعد التجربة الفاشلة للجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا»، وذلك بالتزامن مع تأكيد الداعية علي الصلابي، الذي رعى الحوار بين الجماعات الإسلامية والنظام على مدى السنوات الماضية، أن الإسلاميين «خدَم لشعبهم في السرّاء والضراء، وهم لن يخرجوا عن الإجماع الوطني»، موضحاً أن اتهامات القذافي لا تعدو كونها «أكاذيب ويتّخذها النظام فزّاعة حتى يحافظ على الدعم له».
بدوره، كان المراقب العام «للإخوان المسلمين الليبيين» سليمان عبد القادر، واضحاً بقوله «لا صوت يعلو فوق صوت الشعب»، وذلك بعدما أعلنت الجماعة تأييد الثورة بتشديدها على أنه «لا مناص من إسقاط النظام الحاكم في طرابلس الغرب الذي ليس له أي صدقية ليبقى في الحكم».
ومهادنة جماعة الإخوان المسلمين للنظام بعدما شنّت السلطات عليها حملة قاسية في عام 1998، لا تختلف عن سلوك باقي التيارات الإسلامية الليبية الحديثة، وخصوصاً الجماعة المقاتلة، التي كانت تعدّ أشدّ التنظيمات الإسلامية مواجهةً لحكم معمر القذافي قبل أن تدخل في حوار مع نجله.
والجماعة التي تألّفت في مطلع التسعينيات من الجهاديين الذين شاركوا في حرب أفغانستان، خرجت إلى النور قسراً في عام ١٩٩٥، بعد سلسلة من التطورات أفضت إلى كشفها أمرها مبكراً أمام السلطات التي لم تتردد في بذل ما في استطاعتها للقضاء عليها.
ومع انكشاف أمرها، أدرك النظام خطورة الجماعة ودخل في مواجهة معها امتدّت لسنوات، تخلّلتها محاولات عديدة لاغتيال معمر القذافي، ليتخذ الخصام طابعاً شخصياً، وصولاً إلى حدّ استخدام السلطات في عام 1996 قنابل النابالم والأسلحة الكيماوية في مواجهة أعضاء التنظيم، قبل أن يأتي مقتل القيادي الأبرز فيها صلاح فتحي سليمان الملقب بأبي عبد الرحمن الحطاب في عام 1998، ضربة قاضية لها.
فمن لم يقتل من أعضاء الجماعة على أيدي السلطات تعرض للسجن، أما من نجا فاختار الهجرة هرباً من بطش النظام، الذي تباهى في عام 1999 بأنه تمكّن بنجاح من القضاء على الإسلاميين في داخل البلاد.
أما الإسلاميون الذين فرّوا إلى الخارج، فمثّلت أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، فرصة ذهبية للعقيد لملاحقتهم، من خلال تعاون النظام الليبي سراً مع الاستخبارات الأميركية، وهو ما أدى إلى وضع الجماعة على قائمة المنظّمات الإرهابية الأميركية من جهة، وملاحقة قادتها في الخارج وصولاً إلى اعتقال اثنين من أبرز قادتها هما أبو عبد الله الصادق، وأبو المنذر الساعدي وتسليمهما إلى السلطات الليبية.
عند هذه النقطة، وبعدما تمكّن النظام من حسم معركته عسكرياً مع الحركات الإسلامية، أدركت ليبيا أنها تحتاج إلى أكثر من القوة للتعامل مع مشكلة الجهاديين إذا ما أردات الحفاظ على النظام من جهة، وجذب المزيد من الاستثمارات لتطوير القطاع النفطي، لا سيما بعدما بدأت العلاقة مع الغرب تشهد تحسناً غير مسبوق، وأزيلت ليبيا عن قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وانبرى سيف الإسلام، بصفته الوريث الأول المحتمل للحكم، منذ 2006 للتعامل مع مسألة الجهاديين، عارضاً الحوار مع الحركات الإسلامية المعارضة للحكومة من خلال مؤسسة القذافي للتنمية.
والحوار الذي امتدّ لسنوات، تخلله إطلاق السلطات للعديد من عناصر الجماعة، قبل أن يفضي في نهاية المطاف إلى نبذ الجماعة العنف، بعدما أصدرت مراجعتها بعنوان «دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس».
اختراق نجح القذافي الابن في تحقيق مكاسب عديدة من ورائه، أهمّها تعزيز مكانته الداخلية من خلال إظهار قدرته على الانفتاح والتواصل مع مختلف أطياف المجتمع بمن فيهم خصوم والده التقليديون.
كذلك ساهمت هذه الخطوة في مساعدة القذافي على الترويج لنفسه أمام الغرب على أنه قادر متى حانت اللحظة على قيادة البلاد والاستمرار في محاربة الإرهاب، قبل أن يقرّر مع اندلاع شرارة الثورة الليبية التراجع عن مقولة «عدو الأمس صديق اليوم»، ليتّهم الإسلاميين الذين أطلق سراح بعضهم قبل ساعات من خطابه، بمحاولة السيطرة على البلاد وتفتيتها.