صنعاء ــ الأخبار

هل فرغت جعبة الحاوي تماماً فلم يعد قادراً على ترويض الثعابين التي بقي حاكماً لها وراقصاً فوق رؤوسها منذ 33 عاماً. ما يفعله الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، على الأرض يؤكد حقيقة فراغ تلك الجعبة، ما يدفعه إلى إعادة استخدام أوراق قديمة ومستهلكة، أهمها ورقة المناطقية وتفريق الصفوف، التي أبعدت أهدافها السابقة من انفصال وفك ارتباط.

وظهرت في هذا الوقت جماعات أخرى بدا كأنها نهضت من استكانتها التي أعقبت حرب 1994، بعدما سمعت أن هناك حركات احتجاجية على طول البلاد وعرضها واجتمعت أخيراً على هدف واحد هو إسقاط نظام صالح.
تصرفات النظام اليمني تحيلنا بالضرورة على نفس الأجواء التي عاشتها عدن قبيل حرب صيف 1994. الأفعال نفسها تتكرر من محاصرة المدينة، وإيقاف طبع الصحف ومنع الصحافيين من الدخول، وخلق حالة توتر كثيفة في مدينة لا يحمل أهلها السلاح.
لكنْ هناك فارق كبير بين 1994 و2011، حيث كان صالح هناك مدعّماً بجيش من القبائل التي ترك لها المدينة مفتوحة ومستباحة لنهب غير مسبوق. اليوم تغيّر الأمر وصارت القبائل أو أركانها المهمّة، المتمثلة بحاشد وبكيل، في صف الجماهير المطالبة بإسقاط النظام.
وتمثّل هذا الخذلان الكبير الذي يتعرض له صالح بعد تقديم الشيخ حسين الأحمر استقالته من حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، وإعلانه في تجمع احتجاجي كبير في مدينة عمران أول من أمس استقالته، وانضمام قبائل حاشد وبكيل إلى صف الجماهير المطالبة بإسقاط نظام الرئيس صالح.
وجاء هذا التطور غداة إعلان نائب رئيس مجلس النواب الشيخ حمير الأحمر، أنّ حرّاسه ألقوا القبض على عناصر تابعين للأمن القومي داخل سيارة، وهم يحملون مجموعة خرائط تفصيلية توضح مواقع لمنازل قادة في المعارضة، بينها منزل شقيقه الشيخ حميد.
ولم يكن حمير الأحمر ليعلن هذه التفاصيل، إلا بعدما أعلنت وزارة الداخلية أنّ طواقم حراسة حميد الأحمر هاجمت مواطنين في سيارة ما أدى إلى مقتل امرأة. عند هذه النقطة، اختار حمير نقل الكرة إلى ملعب الرئيس صالح، وهو ما أكد اكتمال شرخ جديد بين حمير والرئيس، الذي حاول الاتصال به، لكن الأول رفض استقبال المكالمة ما اضطر صالح إلى الاتصال بشيخ مشايخ قبيلة حاشد وعضو مجلس الشورى، صادق الأحمر، آخر الأوراق الباقية له من بيت الأحمر بعد ابتعادهم عنه واحداً بعد الآخر.
وهنا، في وسط كل هذه الخسائر المتتالية، تدخّل مركز إدارة الأزمات المستحدث في جهاز الأمن القومي، بغرض كسب مساحة تسمح له باللعب بحرية بالأوراق المتاحة، حيث سعى إلى جلب عناصر من العاصمة صنعاء إلى عدن مهمّتهم اختراق صفوف التظاهرات الاحتجاجية السلمية، مدعّمين بأعلام انفصالية وملكية، طُبعت في دائرة التوجيه المعنوي في صنعاء التابعة للقوات المسلحة، بهدف التشويش على تماسك تلك التحركات السلمية من جهة، ووضعها تحت مرمى نيران قوات الأمن التي ستجد في الشعارات الانفصالية مبرّراً لما ستقوم به، من جهة ثانية.
وأكد الناشط الحقوقي، عمرو جمال، حرص قادة التظاهرات السلمية في عدن على تنقية صفوفهم من أيّ عناصر مندسة، نظراً إلى أنه «من خلال تجمّعنا ككتل واحدة نستطيع بسهولة تمييز تلك العناصر الغريبة وإبعادها». غير أنّ هذا لم يكن كافياً، على ما يبدو، لحماية الفعّاليات من أيّ هجوم مباغت من جانب قوات الأمن.
وظهر جلياً أن القوات الأمنية كانت معبّأة باتجاه خيار وحيد لا ثاني له؛ الإفراط في استخدام العنف بما يُحدث أكبر قدر ممكن من الخسائر في الأرواح. ويمكن السلطة أن تحرز أكثر من مكسب من خلال فعلها هذا، أهمها إعادة إحداث الشرخ الذي كان قائماً بين أهل المناطق الجنوبية منذ 2007، وسكان الشمال بسبب انطلاق حركات احتجاجية في الجنوب، مقابل سكون المناطق الشمالية وعدم قيام أهلها بأيّ تحرك احتجاجي ضد السلطة، ما جعل المنطقتين الشمالية والجنوبية تعيشان في جزيرتين معزولتين بعضهما عن بعض. وتحول صمت الشماليين محط استنكار من جانب سكان المناطق الجنوبية، قبل أن تذهب هذه العزلة أدراج الرياح مع انطلاقة الثورة في المناطق الشمالية، وما تلاها من انتقال إلى المناطق الأخرى موحّدة خلف شعار واحد من صعدة حتى المكلا صيغ في عبارة: الشعب يريد إسقاط نظام صالح.
نظام وجد نفسه مرغماً على التحكم ثانية في أوراق اللعبة؛ من خلال إعادة ذلك الشرخ النفسي بين أهل المناطق الجنوبية، وإخوانهم في المناطق الأخرى.
ووفقاً للمعلومات المتوافرة، كان الاقتراح المقدم من مركز إدارة الأزمات في جهاز الأمن القومي، تكثيف استخدام العنف ضد المواطنين المحتجين في مدينة عدن يوم الجمعة، وإحداث أكبر قدر ممكن من الخسائر في الأرواح، وذلك عن طريق استخدام مختلف أنواع الأسلحة وبهجوم مشترك من جانب قوات الأمن المركزي التابعة لنجل شقيق الرئيس يحيى محمد صالح، والحرس الخاص والحرس الجمهوري التابع لنجل الرئيس أحمد علي، ما أدى إلى سقوط 9 قتلى ونحو 25 مصاباً منذ يوم الجمعة، فيما لم يسقط أي قتيل في المحافظات الشمالية، رغم خروج تحركات احتجاجية مليونية.
لكن يبدو أن اللعبة التي أرادها صالح أن تجري وفق مخطط محدد قد حادت عن مسارها.