صنعاء| عندما يأتي موعد مضغ القات في اليمن تذهب الحياة كلها إلى البطالة. يفرض القات أجندته على المواطن اليمني محدّداًَ حركته في الشارع بساعات مضبوطة تنتهي عادةً بعد انتصاف النهار بساعتين أو ثلاث ساعات على أبعد تقدير، لتبدأ بعدها مرحلة التجلي مع مضغ النبتة الخضراء «الشيطانية»، التي أكلت جسد اليمني واستنزفت مخزون بلاده من المياه الجوفية. وعليه نقل القات صورة قاتمة عن اليمنيين، وثبّتها في عيون أهالي البلاد الأخرى؛ مظهراً اليمنيين على هيئة شعب كسول لا شغل لديه في الحياة غير انتظار وقت القيلولة لمضغ أوراق تلك النبتة التي تقدر، مؤقّتاً، على انتزاعه من قبضة أيامه السوداء وتثبيته في السحاب ليعيش تفاصيل حياة متخيّلة في رأسه ولا ظل حقيقياً لها على الأرض.

لهذا لم يكن مُستغرباً، عندما بدأت ثورة الشباب اليمنية، أن تظهر على السطح أسئلة، تبحث مستفسرة عن المدى الذي يمكن هذه «الثورة» أن تصل إليه، وعن قدرتها على تجاوز أمر وقوعها في مواجهة خصم عنيد هو الوقت. فحياة «هؤلاء الفتية»، أهل الثورة وأصحابها، محكومة بأجندة يفرضها القات ومواعيد تناوله بعدما تحول إلى وسيلتهم السهلة للتخفيف من ثقل أيامهم والفراغ الكبير المحيط بهم.
وتتعاظم الكارثة بحلول ظواهر جديدة هبطت على حياة هؤلاء الفتية، وخصوصاً في مدينة تعز، وهي واحدة من أكبر المدن اليمنية من حيث المساحة والكثافة السكانية ويقطنها نحو مليوني نسمة، حيث انتشرت في السنوات الخمس الأخيرة ظاهرة تسهيل بيع أقراص مهدئة، يؤدّي تناولها، أثناء مضغ القات، إلى حالة تشبه ما تفعله حبوب الهلوسة، ما أنتج جيلاً منكسراً ومدمّراً من داخله، يصل الليل بالنهار مداوماً على عادته هذه.
وكانت السلطة تنظر إلى هذا الأمر ولا تفعل شيئاً. تقف متفرجة كأن في المسألة راحة لها، إذ يهمها أن يبقى الفتية في غيبوبتهم. وفي وضع كهذا، أثير السؤال الكبير عن جدوى «ثورة» ستكون حياتها وفورتها في نصف اليوم الأول، فيما يخضع النصف الثاني لوقت مستقطع يذهب فيه الجميع إلى هدنة تفرضها وريقات القات لتُستأنف الـ«ثورة» في اليوم التالي وهكذا.
وقد حدث هذا فعلاً في انتفاضات سابقة وقعت أخطرها في منتصف عام 2006، إثر انتفاضة شعبية انفجرت بسبب قرار حكومي قضى برفع الدعم عن بعض المواد والسلع الأساسية، ومنها مادة البنزين. وقتها كانت التظاهرات الاحتجاجية الحاشدة تبدأ صباحاً لتبلغ مداها الصدامي العنيف في منتصف النهار وتخف حدتها مع قدوم الساعة الواحدة ظهراً، لتهمد تماماً مفسحةً المجال للطرفين (السلطة والمحتجين) لامتلاك مساحة النصف الثاني من اليوم للدخول إلى فردوس القات.
ولهذا السبب لم يكن عمر مثل هذه الحركات الاحتجاجية يدوم أكثر من ثلاثة إلى أربعة أيام، حتى بدا القات هنا متواطئاً مع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، ومساهماً أصيلاً في مكوثه 33 عاماً على الكرسي وجعله مطمئناً إلى امتلاكه شعباً لا يثور أبداً، وإن فعلها فهي ثورة بدوام نصفي.
ومن هنا كان ظهور سؤال القات مشروعاً أمام متابعين كثر، وهم يرون ثورة شابة تريد محاكاة ثورتين شابتين سبقتاها في تونس ومصر، لكن في غمرة طرح تساؤلات مشروعة، ظهر أن معطيات عديدة قد جرى القفز عليها بسبب حالة الإحباط العامة المسيطرة على الجميع، أهمّها أن هذا الجيل الشاب جاء بمزاج مختلف وبنظرة مختلفة للحياة ولفكرة الحقوق والحريات التي تمدّدت واتسعت في السنوات الخمس الأخيرة نتيجةً للانفتاح على عالم مغاير أتاحه لهم فضاء الشبكة الإلكترونية وكان بعيداً عن حسابات الكبار، وتحديداً بعد انتخابات عام 2006 الرئاسية التي ربحها صالح تحت مرأى هذا الجيل الشاب ومسمعه. جيل شهد كيف جرت صناعة ذلك الفوز والاحتيال على مرشح الشباب وطبقة واسعة من المجتمع، المهندس الجنوبي الراحل فيصل بن شملان.
ويبدو أن بداية الانكسار كانت من هنا، فقدانهم الثقة برئيس أرعن ذهب منتشياً لفترة حكم جديدة مفتوحة بالتأكيد على فترات تمديد. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل فتح الرئيس اليمني بوابة التوريث صراحةً عبر نجله أحمد ودعمه من خلال تثبيت عدد كبير من أفراد أسرته في مفاصل قيادة البلد. وكل هذا وسط حالة بطالة خانقة وتسريح متعمّد لأهل الجنوب من وظائفهم.
وقتها كانت المعارضة، وتحديداً أحزاب اللقاء المشترك، مشغولةً بنقاشات وجلسات عمل تؤكّد أن إصلاح النظام السياسي لا يزال ممكناً. من جهته، كان بنيان الحراك الجنوبي قد وصل إلى اكتماله منادياً بفك الارتباط عن سلطة الشمال، فيما كانت جماعة الحوثي لا تزال أمينة على شعارها «الموت لأميركا، الموت لإسرائيل»، بلا مطالب سياسية واضحة.
بالتوازي مع كل هذا الحاصل، ظهرت كتيبة من الصحافيين الشباب التي نجحت في فتح صفحة جديدة في حقل الصحافة اليمنية، وتمكّنت من وضع الرئيس صالح وأسرته في الواجهة وعلى طاولة التشريح. أقلام فتية وضعت ثروة المشير محل سؤال، منقّبةً عن شبكة العائلة السعيدة التي تتحكم في مقدّرات البلاد وثرواتها. مقالات وتقارير كلها تبني أمام صالح سؤالاً كبيراً «ما أنت سوى موظف في الدولة ولك راتب محدد، فمن أين لك ولأسرتك كل هذا؟». وإليه فُتح ملف التوريث الشائك ووُضع الوريث أحمد في الواجهة، بعدما كان مواصلاً تمدّده في العتمة ومكوّناً قيادة موازية ومراكز قوى.
ولأنه لا يمكن تجاهل أن الظلم يجبر الناس، مع قدر معقول من الوعي، على تغيير عاداتهم، انطلقت إشارة البدء. سقط زين العابدين بن علي في تونس، لتخرج كتيبة صغيرة من جامعة صنعاء محتفلة بسقوطه. وفي غمرة الانتشاء وبعد يومين متتاليين من الاحتفال بدأ وقت الجد؛ إمرار شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، وأضيف إليه اسم علي صالح، ما دفع قوات الأمن إلى إطلاق النار في الهواء، مدفوعة بعامل المباغته بشعار لم يكن في البال ولا في الحسابات الخاصة بها.
ظهر الرصاص هنا كقشة قصمت ظهر النظام، وهو يجد نفسه، في اليوم الثالث، أمام بيان الحركة الطلابية الذي أتى إسقاط «الطاغية» على رأس بنوده. وعليه تكوّنت نواة الثورة، ثورة طلابية صرفة بعيدة عن أي دعائم حزبية، ربما لأنها وجدت أن هذه الكيانات السياسية بقيت مراوحة بين الرجاء والتمني بصلاح النظام، من دون أن ترفع صوتها لتقول «إن بلاء اليمن وعلّته ينامان في حضن رجل واحد وصار عليه أن يرحل». والاحتجاجات التي بدأت من صنعاء سرعان ما انتقلت إلى تعز وعدن لتنتشر في عموم مدن الجمهورية مواصلةً قيامتها حتى اليوم.




أضرار القات

كشف تقرير أصدره مركز الشفافية للدراسات والبحوث، أن اليمنيّين ينفقون على القات سنوياً نحو 3.878 مليارات دولار. وأشار التقرير إلى أن هذا المبلغ يشمل متطلبات جلسات القات من سجائر ومياه ومشروبات غازية، وأن نحو 7 ملايين مواطن يمني يتناولون القات، بينهم نحو نصف مليون يدخنون السجائر أثناء تعاطيهم القات.
وأكدت مؤسسة «يمن بلا قات» أن أضرار القات تمتد لتطاول مختلف نواحي الحياة، بما في ذلك الأمن الغذائي، حيث تراجع الإنتاج المحلي من إجمالي الاحتياجات الغذائية من 92.8 في المئة في سبعينيات القرن الماضي إلى 5 في المئة فقط في الوقت الراهن.
وتظهر الدراسة أن زراعة القات استحوذت على 70 في المئة من الأراضي الخصبة في اليمن، كما تستهلك 60 في المئة من المياه، فيما يعاني اليمن مشكلة نضوب الآبار وجفاف الأحواض الكبيرة.