جاءت المتابعة المصريّة الرسميّة للحرب الإسرائيليّة على لبنان في 2006، دقيقة و»يوماً بيوم». وثائق شهرَي الحرب، تموز وآب، تُظهر ارتباكاً مصرياً كبيراً: رغبة في القضاء على حزب الله تحت شعار نزع سلاحه، مع إدراك قيادة الرئيس حسني مبارك أنّ الحرب كان مخطَّطاً لها جزئياً من واشنطن، على حد اعتراف وزير الخارجية أحمد أبو الغيط. ونبعت الحيرة المصرية الرسمية من علم القاهرة بأنّ حزب الله اكتسب شعبية كبيرة لدى الشارع العربي عموماً، والمصري خصوصاً، مع ازدياد منسوب العداء ضد كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.


إدارة مصر للمعركة الدبلوماسية كانت صعبة مع سوريا أساساً، وسط رفض القيادة في دمشق تلبية الأوامر المصرية في مجال ردع حزب الله. في المحصّلة، الأميركيون كما الإسرائيليون كانوا راضين عن الأداء المصري في الحرب، ما يعطي فكرة عن الموقف الرسمي الحقيقي للقاهرة إزاء أطراف النزاع.
وفي وثيقة بتاريخ 13 تموز [06CAIRO4356]، تروي دبلوماسية إسرائيلية تُدعى إينات شلاين – مايكل، للسفارة الأميركية، أحداث الساعات الأولى للحرب على خطّ دمشق – القاهرة. ووفق رواية الدبلوماسية المذكورة، فور إبلاغ مبارك بعملية حزب الله في الجنوب، حاول الاتصال بنظيره السوري بشار الأسد على مدى 3 ساعات صباح 12 تموز، من دون أن يردّ الرئيس السوري على اتصالاته. حينها، أمر مبارك وزير الخارجية أحمد أبو الغيط والمتحدث باسم الرئاسة المصرية السفير سليمان عواد بالتوجه فوراً إلى دمشق للقاء الأسد من دون إبلاغ السوريين بذلك حتى. وتتابع الدبلوماسية الإسرائيلية روايتها بأنه «حين علم الأسد بأن طائرة أبو الغيط وعوّاد أصبحت على بُعد 30 دقيقة من أجواء دمشق، وافق على الرد على اتصالات مبارك، والتزم باستقبال الوفد المصري».

الأسد والضغط المصري

وما تكشفه وثائق السفارة الأميركية في القاهرة هو محضر الاجتماع الثاني لأبو الغيط مع الأسد في دمشق، وذلك في 30 تموز. وبحسب وثيقة للسفارة الأميركية في سوريا في 3 آب [06DAMASCUS3836]، طلب الوزير المصري من الأسد إرغام حزب الله، «علناً وسراً»، على إعادة الجنديَّين الإسرائيليَّين اللذَين احتجزهما، ووقف إطلاق النار فوراً. لكن الأسد رفض ذلك بحجّة أنّه لا سيطرة مباشرة لسوريا على الحزب «ككبسة زرّ»، «ولأنّ طلب سوريا من وقف المقاومة علناً، سيُضعف من صورة سوريا» في الشارع العربي، وفق ما نقلته الوثيقة عن دبلوماسي مصري في دمشق. وبنتيجة فشل اللقاء، إثر رفض الأسد الاستجابة للمطالب المصرية، «تصاعد التوتر في العلاقات السورية – المصرية»، على حد تعبير الدبلوماسي المصري نفسه، الذي يعترف بأن «الفائزين في الحرب هم: حزب الله، وسوريا وإيران»، علماً بأن تقدير القاهرة كان يفيد بأن الحكومة السورية كانت على علم، قبل يوم أو اثنين، بأن حزب الله سيقوم بعمليته.

موسى يدافع عن سوريا

وتنقل وثيقة أخرى مؤرَّخة بـ16 تموز [06CAIRO4382]، أجواء الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، الذي كان يجتمع في القاهرة مع نائب وزيرة الخارجية الأميركية دايفيد ولش، ونائب رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي إليوت أبرامز، بعد دقائق فقط من الإعلان عن عملية حزب الله في 12 تموز. ووفق تعابير الوثيقة، «كان موسى مضطرباً بوضوح»، وأصرّ على رفض اتهام سوريا بالوقوف خلف هجوم حزب الله، أو حتى الادعاء أنها كانت على علم بنية الحزب تنفيذ عمليته على الحدود اللبنانية – الفلسطينية، «قبل أن تتضح الصورة كاملةً». إلا أنه رغم ذلك، طمأن موسى الزائرَين الأميركيين إلى أنّ الجامعة العربية ستتخذ موقفاً يكون ضدّ عملية حزب الله «بشكل حيوي».
وفي وثيقة بتاريخ 10 آب 2006 [06CAIRO4939]، تلخّص محضر لقاء جمال مبارك مع عضو الكونغرس الأميركي داريل عيسى في القاهرة، يبرّر نجل الرئيس المخلوع للضيف الأميركي أسباب زيارة وفده الموسَّع إلى بيروت خلال الحرب، قائلاً «رغم أننا نتفهّم السياسة الأميركية، لا شيء يبرِّر قتل المدنيين»، مرفقاً كلامه بـ»نصيحة صداقة» للسيناتور عيسى مفادها أنّ كلام وزيرة الخارجية (في حينها) كوندوليزا رايس عن ولادة «شرق أوسط جديد» من لبنان «لا يجدي في منطقتنا». هي صداقة لا بدّ أنها عميقة بين الرجلَين، بما أن جزءاً من الاجتماع الرسمي خُصِّصَ لعلاقة جمال مبارك بخطيبته في حينها، خديجة الجمّال، وعن عدم تحديد موعد لزواجهما بعد.
وفي الاجتماع نفسه، يقدّم جمال مبارك «نصيحة تهديدية» لعيسى في ما يتعلق بمشاريع الولايات المتحدة لترويج الديموقراطية في المنطقة، ويقول له: «إن أرادت الولايات المتحدة انتقال المنطقة إلى ديموقراطية كاملة في غضون سنتين أو ثلاث، فستظلون تواجهون مشاكل، إذ إنّ وضع أهداف غير واقعية لا يخدم أحداً». وفي الحديث نفسه، يضيق جمال ذرعاً بالإلحاح الأميركي على ضرورة تسريع عجلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية في مصر، وربْط استمرار المساعدات العسكرية الأميركية (1.3 مليار دولار سنوياً) بهذا الشرط، فيقدّم له نصيحة بلغة التحذير أيضاً: «نحن نشكركم على مساعداتكم، لكن مستقبلاً، لن تكون لهذه المساعدات الأهمية نفسها التي تكتسبها اليوم. إن ربط المساعدات الأميركية لمصر بشروط لن يجدي. عليكم التعامل معنا بطريقة بنّاءة أكثر، انطلاقاً من القيمة الاستراتيجية للعلاقات الأميركية – المصرية». وأعطى جمال مثالاً وهو الموقف المصري خلال حرب تموز قائلاً: «فكّر كم كانت الأمور اختلفت لو كانت الحكومة المصرية تتصرف بطريقة مختلفة» إزاء حرب لبنان.
وفي وثيقة أخرى بتاريخ 14 آب [06CAIRO5031]، تختصر السفارة الأميركية لقاءً جمع مسؤوليها مع نائب رئيس البعثة الإسرائيلية في القاهرة، إسرائيل تيكوشينسكي، وذلك في 13 آب، أي عندما أصبح مؤكداً أنّ الحرب ستنتهي في غضون ساعات. وضع الدبلوماسي الإسرائيلي تقييماً إيجابياً لنظرة تل أبيب إلى الأداء المصري خلال الحرب الإسرائيلية. تقييم يختصره تيكوشينسكي بتأكيده أنّ الدولة العبرية «راضية عموماً عن أداء القاهرة في أزمتَي لبنان وغزة». رضى لم يعكّره سوى إشارة المسؤول الإسرائيلي إلى امتعاض حكومته من «الخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية لتسجيل إدانتها الرسمية لمقتل مدنيين في لبنان: تعليق نشاطات لجنة العمل المصرية – الإسرائيلية حول السياحة والزراعة، إضافة إلى تأجيل القاهرة موعد المحادثات الثنائية التي كانت مقررة في شهر آب حول المناطق المصنفة صناعية».
لكن تيكوشينسكي يعود للتخفيف من الخطوات المصرية غير الودية تجاه تل أبيب، بدليل أنّ «هذه الخطوات لم تُبرز إعلامياً، حتى إنه لا أثر اقتصادياً كبيراً لها على المستوى القريب المدى بين مصر وإسرائيل». وسرعان ما يكشف المسؤول الإسرائيلي نفسه أنّ تعليق عمل اللجنة المصرية حول السياحة والزراعة، كان أشبه بخطوة تضليلية بما أنّه، «رغم هذا القرار، طمأنتنا القاهرة أخيراً إلى أنّ اللجنة الزراعية واصلت عملها، ونسّقت مع تل أبيب مسألة تصدير 500 ألف شجرة نخيل مصرية إلى إسرائيل لإحياء عيد المظال اليهودي في أيلول»، على حد تعبير تيكوشينسكي نفسه. أخيراً، يتململ الرجل من دعوات الوزير أبو الغيط إلى وقف فوري لإطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل خلال الحرب، وعدم تسميته حزب الله على أنه «السبب باندلاع الحرب»، وسط اعتراف أبو الغيط بأن واشنطن شاركت في التخطيط لحرب تموز التي «دفعت بملايين المصريين إلى الاعتقاد بضرورة حصول إيران على السلاح النووي»، على حد تعبير وزير الخارجية المصري للسفير الأميركي لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، غريغوري شولت، في وثيقة بتاريخ 31 آب [06CAIRO5430].

حذارِ إذلال حزب الله

وفي إطار تقويم الحكومة المصرية للحرب، تنقل برقية بتاريخ 16 آب [06CAIRO5124] عن مستشار وزارة الخارجية المصرية لشؤون لبنان وسوريا، نزيه النجيري، كلامه في حديث مع مسؤولي السفارة الأميركية، ومفاده أنّ الصورة بالنسبة للقاهرة هي على الشكل الآتي: حزب الله أصبح أضعف مما كان عليه قبل الحرب. الجيش اللبناني انتشر في الجنوب، إضافة إلى أن قوات «اليونيفيل» أصبحت معزَّزة عدّةً وعديداً. لكنّ النجيري يحذّر «من البيانات العلنية التي من شأنها إذلال حزب الله، ما دام الدعم الشعبي للحزب كبيراً، وما دام مطلوباً نزع سلاحه».
ولارتدادات الخطاب الشهير للرئيس الأسد عن «أنصاف الرجال» في 15 آب 2006، حصّة لا بأس بها من وثائق السفارة الأميركية في القاهرة وتقاريرها، أكان من ناحية رصد ردود الفعل الشعبية أم الإعلامية أم الرسمية عليه. وفي هذا الصدد، يخفّف النجيري نفسه من أهمية الخطاب، وذلك في جلسة مع مسؤولي السفارة الأميركية، على قاعدة أنّ «كلام الأسد لم يكن مفاجئاً ولا جديداً حتى»، لافتاً إلى أنه «يحمل رسائل متعدّدة إلى الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل والأطراف السياسية اللبنانية، هدفها تذكيرنا بأنّه لا يمكن تجاهل مصالح سوريا في مستقبل لبنان والمنطقة». كلام كشف المسؤول المصري أنه أورده في تقرير رسمي عن تقويم خطاب الأسد، رفعه للإدارة السياسية في بلاده. وأبرز ما أزعج النجيري تبنّي النقابات المصرية المحسوبة على «الإخوان المسلمين» لمضمون خطاب الرئيس السوري وانتقاداته للزعماء العرب وللولايات المتحدة وإسرائيل.

انسوا «المنار»

ومن بين تداعيات حرب تموز، طلب السفير الأميركي في القاهرة، فرانسيس ريتشارديوني، من الإدارة في واشنطن، إقفال موضوع حظر تلفزيون «المنار» مؤقتاً عن أثير القمر الاصطناعي «نايلسات». وفي وثيقة بتاريخ 22 آب [06CAIRO5270]، وموقّعة من ريتشارديوني (السفير الأميركي الحالي في أنقرة)، يقول الرجل إنّ «حملتنا ضد تلفزيون المنار وضرورة طرد إدارة النايلسات له فشلت في العام الماضي. حين تسمح الظروف، سنستأنف حملتنا وعلى أعلى المستويات، لأنه في الوقت الحالي، أيّ إعادة فتح للموضوع مع المصريين لن تجدي، فالمصريون يعتقدون أنه في ظروف ما بعد حرب تموز، أي خطوة ضد المنار ستزيد من قوة نصر الله وحزب الله». ولإسناد هذه الحجّة، تورد الوثيقة كلاماً لنائب وزير الخارجية المصري للشؤون الأميركية، سلامة شاكر، يقول فيه لمسؤولي السفارة: «الآن وقت سيّئ للغاية لإعادة فتح موضوع المنار».

محور مصري ــ إيراني

وفي وثيقة أخرى بتاريخ 24 آب [06CAIRO5317]، تعرض السفارة الأميركية الأوضاع العامة بعد حرب تموز للجنرال جون أبي زيد الذي كان يستعد لزيارة القاهرة. وفي العرض، تركيز على الغضب الشعبي والرسمي ضد الولايات المتحدة بسبب الحرب، وتعليمات بضرورة مفاتحة وزير الدفاع المصري، المشير محمد حسين طنطاوي، بأن حزب الله إرهابي. وفي السياق، يكشف التقرير لأبي زيد أنّ كبير المفاوضين النوويين الايرانيين علي لاريجاني ووزير الخارجية منوشهر متكي (في حينها)، عرضا على الرئيس حسني مبارك في زيارتيهما بحزيران وآب 2006، إقامة محور مصري – إيراني وتطبيع العلاقات بين القاهرة وطهران «لمحاربة إسرائيل والولايات المتحدة، فجاء رفض مبارك بصيغة انسوا الأمر (forget it)». وتتابع الوثيقة أنّ مبارك أرفق رفضه للاقتراح الايراني بكلام هجومي قوي ضد إيران بسبب دعمها لحزب الله وحركة «حماس»، وبسبب عدم تفاوضها الإيجابي مع الغرب حول الملف النووي الايراني.