لم يكن موقف الأردن خلال حرب تموز يشذّ عن موقف دول الاعتدال التي ارتأت ضرورة التخلص من حزب الله خلال الحرب، وسعت لتحقيق ذلك. وهو ما أكدته وثائق ويكيليكس الصادرة عن السفارة الأميركية في العاصمة الأردنية عمّان، خلال فترة الحرب. فالملك عبد الله الثاني ومدير استخباراته كانا الأكثر إبداعاً في تقديم الأفكار والنصح حول سبل التخلص من حزب الله وكل من يشتبه في دعمه، بما في ذلك سوريا وإيران.


تواطؤ رسمي

وتنقل وثيقة صادرة في 20 تموز ٢٠٠٦، وتحمل الرقم 06Amman5486، عن السفير الأميركي في عمّان، دافيد هال، قوله إن المسؤولين الأردنيين

كانوا «يتشاطرون معنا (الولايات المتحدة) سراً الرأي بأن المزيد من الوقت مطلوب لخلق مناخ ملائم للحصول على نتائج دائمة وسلمية» في جنوب لبنان، بينما ضاعفوا في العلن دعوتهم «إلى وقف إطلاق النار بعدما تلمسوا ضغط الرأي العام».
ويزداد الموقف الأردني وضوحاً خلال اللقاء الذي جمع الملك عبد الله الثاني برئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس الأميركي، بيتر هوكسترا، وعدد من أعضاء الكونغرس بينهم جاين هرمان. وكشفت وثيقة تحمل الرقم «06Amman5567»، بتاريخ ٢٥ تموز، عن أن اللقاء الذي عُقد في مطار الملكة علياء، تخلله حديث طويل عن إيران، سوريا، وحزب الله.
وتنقل الوثيقة عن الملك الأردني قوله إنه «يتفهم حالة إسرائيل ورغبتها في القضاء على حزب الله، لكنه يرى أنه للتوصل إلى حل دائم، يجب أن تكون حكومة لبنان وشعبه موافقين، وأن تدمير بنية لبنان التحتية وإيذاء المدنيين، يصعّبان هذا الهدف، ويدفعان اللبنانيين إلى أحضان حزب الله، ويحشدان الشارع العربي خلفه».
ووفقاً للوثيقة، أكد عبد الله الثاني، أن «هذا التطوّر يضع الضغط على القادة العرب المعتدلين، لكن على الرغم من ذلك، فإنه والسعوديين باقون على ثباتهم في مواجهة التهديد الإيراني...»، وذلك بعدما أعرب عن اعتقاده بأن إيران وراء تصعيد أعمال حزب الله وحماس.
وبعدما أوضحت عضو الكونغرس هرمان للملك عبد الله أن القادة الإسرائيليين يركزون على إنشاء قوة مشتركة أطلسية وعربية، تكون مهمّتها تطبيق القرار ١٥٥٩ وتأسيس مجموعة مراقبة على الحدود السورية اللبنانية، كان الملك يؤكد أنه «أيضاً يعمل في هذا الاتجاه، على الرغم من أن نشر قوات عربية قد يكون أمراً إشكالياً».
وتضيف الوثيقة «الملك يدعم إنشاء قوات متعددة الجنسيات مستعدة لمواجهة حزب الله وقتاله، وسيدعم الفكرة في روما». وبعدما تعهد العمل عن قرب مع الأميركيين حول اجتماع روما، أكد الملك أن «من المهم أن لا تظهر العملية وكأنها مجرد مبادرة تقودها الولايات المتحدة، معتبراً أن «انطباعاً كهذا سيولد شكاً في أننا جميعاً نعمل على أجندة إسرائيلية؛ الإسرائيليون يجب أن يكونوا مرنين، وعلى نتيجة المؤتمر أن تبدو كأنها تمثل أجندة المجتمع الدولي».
وبعدما أشارت الوثيقة إلى الاهتمام الأردني منذ أشهر بتقديم دعم ومعدات للجيش اللبناني، وأمل الملك أن تسرّع تلك الخطوة، شدد عبد الله الثاني «على أهمية اتخاذ إجراءات لتجنّب وقوع أي مساعدة أمنية للبنانيين في أيدي حزب الله». كذلك حذر الملك الأردني من «التوقعات غير الواقعية من الجيش اللبناني»، مشيراً إلى أن نشر الجيش اللبناني بفاعلية على تخوم الخط الأزرق، قد يستغرق على الاقل ٦ أشهر.
كذلك تطرق الملك عبد الله الثاني إلى مزارع شبعا في المدى المتوسط، والفرص التي تقدّمها أزمة شبعا لتأسيس الظروف الضرورية للتقدم صوب معاهدة سلام إسرائيلية لبنانية، والقطع الكامل بين لبنان وسوريا.
والتصميم الأردني على تفكيك حزب الله ومواجهة من يدعمه في إشارة إلى سوريا وإيران، أظهرته وثيقة إضافية صادرة في ٢١ تموز، وتحمل الرقم 06AMMAN5492، أخبر خلالها مدير الاستخبارات الأردنية، محمد الذهبي، السفير الأميركي أنه رفض السماح لإحدى الطائرات القادمة من طهران باتجاه دمشق بالمرور فوق الأراضي الأردنية، وأن السلطات السورية اشتكت من رفض الحكومة الأردنية، فما كان منه إلا أن رد على السوريين بالقول «إن السلوك السوري يهدّد مصالح الأردن والمنطقة، وإن تسهيل سوريا الدعم الايراني لحزب الله يجب أن يتوقف». وأبلغ الذهبي السفير الأميركي أنه «اقترح على الملك إسقاط الطائرات إذا خرقت الأجواء الأردنية، لكن الملك تحفظ على الفكرة، واقترح إجبارها على الهبوط». ورأى الذهبي في طلب عبور الطائرة «دليلاً إضافياً على أن الإيرانيين يعتقدون أنهم في موقع الهجوم وأنه يمكنهم إرهاب الآخرين في المنطقة».
وفي المزيد من الأحاديث الخاصة بين المسؤولين الأردنيين والسفير الأميركي دافيد هال، يعترف وزير الخارجية الأردني السابق عبد الإله الخطيب في وثيقة صادرة في ٣١ تموز، وتحمل الرقم 06AMMAN5745، بأن «الحكومة الأردنية تعمل بالخفاء من أجل محاصرة الجهود لعقد قمة عربية «للتباحث حول التطورات في لبنان»، قبل أن يعود الخطيب في وثيقة إضافية صادرة في السادس من آب وتحمل الرقم 06AMMAN5889 ليبدي خشيته من أن يؤدّي انتقاد مجلس وزاء الخارجية العرب لمسوّدة مشروع القرار (١٧٠١) الذي يسعى مجلس الأمن إلى تبنّيه، إلى تشجيع القطريين على كسر الإجماع في مجلس الأمن. وأوضح أن «أفضل السبل لتجنب ذلك، أن تقدم الحكومة اللبنانية على إبلاغ وزراء الخارجية العرب أنها تسير في مسوّدة القرار، وفي هذه الحالة سيكون هناك خطر ضئيل من أن يكون الاجتماع لبنانياً أكثر من اللبنانيين».

... قلق من المزاج الشعبي ومساعٍ لاسترضائه

في هذه الأثناء، كان الملك ومستشاروه يدركون جيداً أن موقف الأردن الرسمي المتناغم مع الموقفين الأميركي والإسرائيلي، لا يلقى من الشارع الأردني سوى الإدانة. وفي السياق، أكدت وثيقة بتاريخ ١٧/٨/٢٠٠٦، وتحمل الرقم 06AMMAN6335، خصّصت لرصد موقف الشارع الأردني، أن الملك ومدير مكتبه باسم عوض الله أبلغا السفير كل على حدةّ أنهما «قلقان من المزاج الشعبي، وأن استراتيجية الأردن للاستقرار من خلال اتفاق السلام مع إسرائيل، والتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة أصبحا عرضة للهجوم».
وتكشف الوثائق الأميركية عن المحاولة الشكلية التي اتبعها الملك الأردني لتهدئة الغضب الشعبي، إن من خلال انتقاد سياسات الولايات المتحدة في العلن أو من خلال تقديم المساعدات للبنانيين.
وتعرى السفارة الأميركية في وثيقة تحمل الرقم 06AMMAN6023، صادرة في التاسع من آب، أن المقابلة التي أجراها الملك الأردني مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» والتي انتقد خلالها الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة، تأتي كمحاولة منه لإظهار وجود مسافة بينه وبين مواقف الولايات المتحدة في لبنان والمنطقة. وتضيف السفارة أن المقابلة «تأتي في وقت أبلغ فيه كبير مستشاري الملك السفارة بأن الملك يشعر بضغط من التعاطف القوي من مختلف فئات المجتمع الأدرني من أجل المدنيين اللبنانيين، ومن الإعجاب المتزايد بحسن نصر الله».
مواقف علنية للملك الأردني لم تكن في أي لحظة تقلق الجانب الأميركي، وفقاً لما تؤكده وثيقة بتاريخ ٣ آب. فالوثيقة التي تحمل الرقم 06AMMAN5879، تشير إلى أنه بالرغم من انتقادات الملك عبد الله العلنية للحرب على لبنان، تبقى تصريحاته وأفعاله في المجالس الخاصة، داعمة للجهود الأميركية للتعامل مع الأزمة.
وإلى جانب الانتقاد الشكلي للولايات المتحدة، تشير وثيقة بتاريخ ٢٧/ ٨/ ٢٠٠٦، وتحمل الرقم 06AMMAN6542، إلى حرص الأردن على أن تكون أول طائرة مساعدات تحط في لبنان بعد وقف إطلاق النار أردنيةً، في محاولة للتصدي لعدم رضى الشارع الأردني عن انتقادات الملك عبد الله لحزب الله في بداية الصراع. وبعدما أشارت إلى أن مختلف الرحلات التجارية القادمة إلى لبنان تمر عبر مطار عمان، أوضحت السفارة الأميركية أن الإسرائيليين وافقوا على هذا الترتيب لأن السلطات الأردنية ستحرص على عدم مرور مسافرين أو شحنات مثيرة عبر مطار الملكة علياء.
وفي وثيقة ثانية تحمل الرقم 06AMMAN6933، ترى السفارة الأميركية أن مطار الملكة علياء الدولي عمل «باعتباره بوابة تفتيش، حيث كان الطائرات التجارية تستطيع الوصول إلى بيروت بينما الحصار الإسرائيلي في مكانه».

مقاطعة للسفارة الأميركيّة

في موازاة الغضب الشعبي، أظهرت وثائق السفارة في عمّان لجوء المثقفين الأردنيين من المؤيّدين للتطبيع مع إسرائيل للتحفظ عن مواقفهم السابقة، فيما لجأت بعض المصادر المعتادة للسفارة الأميركية إلى مقاطعتها بسبب حرب تموز. وتؤكد السفارة الأميركية في وثيقة تحمل الرقم 06AMMAN5745، أن «عدداً كبيراً من مصادر السفارة، من الذين يدعمون الانخراط مع إسرائيل، أخبرونا أنهم والآخرين من أمثالهم، لا يمكنهم بعد الآن الحفاظ على مثل هذا الموقف مع أصدقائهم وعلاقاتهم، وادعوا في بعض الحالات أنهم شخصياً تحوّلوا ضد مفهوم التعامل مع إسرائيل».
وثيقة إضافيّة تحمل الرقم 06AMMAN6519 تدل على الانعكاسات السلبية لحرب تموز على علاقة الأردنيين مع السفارة الأميركية، حيث انعكس الغضب الشعبي مقاطعة لعدد من الأشخاص الذين تتواصل معهم السفارة الأميركية دائماً، ومن بينهم عبد الرحيم محلس، الذي أكدت السفارة أنه على الرغم من تواصله معها منذ ٢٠ عاماً، رفض تلبية إحدى الدعوات خلال الحرب، ليبلغ في وقت لاحق أحد الدبلوماسيين أنه «بقي بعيداً لأنه ينظر إلى الولايات المتحدة على أنها عدو في المدة الأخيرة».
أما مسؤولو مركز عدالة لحقوق الإنسان، فقاطعوا السفارة ورفضوا مناقشة مواضيع حقوق الإنسان مع مسؤولي السفارة لأنهم غاضبون من سياسة الولايات المتحدة تجاه لبنان والفلسطينيين، ولأنه بعد الحرب على لبنان تبيّن أن «التزام الولايات المتحدة تجاه الديموقراطية في المنطقة ليس له صدقية»، فيما أكد أحد مديري مركز عمان لحقوق الإنسان، أنه لن يلتقي بمسؤولي السفارة كي لا ينظر إليه كجاسوس.

ابتهاج في الشارع لانتصار حزب الله

على النقيض من موقف الحكومة، كان الشارع الأردني في معظمه سعيداً بانتصار حزب الله. وفي وثيقة صادرة عن السفارة الأميركية يوم ١٧ آب، وتحمل الرقم 06AMMAN6335، رأت السفارة الأميركية أنّ «العديد من الأردنيين الذين كانوا قد استسلموا للرأي بأن المقاومة المسلحة لإسرائيل لم تعد خياراً للعالم العربي، غيّروا رأيهم نتيجة الفوز المزعوم لحزب الله على إسرائيل». وتضيف «حتى للحظة، على الأقل، الشارع الأردني مبتهج للفوز المزعوم لحزب الله على الجيش الإسرائيلي الذي كانوا يحسَبون أنه لا يقهر»، قبل أن تؤكد السفارة الأميركية أن شرعية الملك تعرّضت لضربة؛ «العديدون المعجبون بشجاعة حزب الله يتذكرون أنه في بداية تموز استهزأ ملكهم من تصرف نصر الله بوصفه مغامرة».
إلا أن ابتهاج الشارع لم يُرضِ بعض الأردنيين ومن بينهم عضو البرلمان الأردني، الشيخ برجس الحديد الذي تذمّر من اعتقاد أفراد قبيلته، بـ»أن نصر الله منح العرب أول نصر على إسرائيل منذ عقود».
كذلك فإن الامتعاض من الدعم الشعبي الأردني لحزب الله وصل إلى دعاة حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية للإخوان المسلمين، حيث نقلت وثيقة تحمل الرقم 06AMMAN7420، بتاريخ 27/9/2006، عن مصادر مقربة من قيادة الحركة وجود خلافات بين الصقور والحمائم، حيث «يخشى بعض الصقور من أن حزب الله أصبحت لديه شعبية كبيرة في الأردن خلال هذا الصيف، وبات الإخوان والجبهة يبدون غير فاعلين بالمقارنة معه».