مع هدوء العواصف وارتفاع درجات الحرارة، بدأ الناس يرتادون الشاطئ، لكنهم اكتشفوا أن نفاياتهم سبقتهم إليه. شاطئ الزوق عند مصبّ نهر الكلب يجسد المثال على ذلك. هناك، اختفت الرمال، وغطّتها عبوات الزجاج والبلاستيك والتنك وأكياس النايلون، حتى خُيّل للناظر أنه في حرم أحد معامل معالجة النفايات.

جبال نفايات تحت البحر


التقت جمعيّات أهليّة لتنظيف الشاطئ الممتدّ على مساحة 300 متر في الزوق. يقول ماهر خاتشاريان مؤسّس جمعيّة "زبالة بلا حدود" لـ"الأخبار": "جمعنا السبت الماضي نحو 2024 كيساً عن الشاطئ، سعة كلّ منها 60 كيلوغراماً، أي حوالى 121 طناً من النفايات، إضافة إلى 310 إطارات مطاطية وعبوات مواد صناعيّة وكيميائيّة ومواد طبيّة، ما يعني أن هذه المواد امتزجت مع مياه البحر، وهنا الخطورة". يضيف خاتشاريان: "بدأنا الحملة في كانون الثاني الماضي عند انتهاء العواصف، بعدما رمى البحر ما في داخله من نفايات. وبعد شتوة آذار، قذفت الأمواج الكمّية المذكورة. وهذا يدل على أن البحر يحتوي على كمّيات كبيرة من النفايات في قعره".
لا يُشكل شاطئ الزوق استثناءً، فقد رُصدت بقايا النفايات في أماكن عدّة، يقول خاتشاريان: "الكمّية الأكبر الملحوظة كانت في الزوق وجونية، لكن ذلك لا يعني أن النفايات ليست منتشرة على طول الشاطئ اللبناني، وخصوصاً عند مصبّات الأنهر، مثل نهر ابراهيم ونهر بيروت ونهر الكلب، وفي حالات وشكّا والدورة وجل الديب وأنطلياس، حيث سُجلت كمّيات كبيرة سحبها البحر مجدّداً قبل تمكّننا من جمعها، كما رُصدت جبال نفايات تحت البحر في البترون والجيّة. إنها جريمة بيئيّة وصحيّة كبيرة، وخصوصاً أن المواد متى تحلّلت، سواء في مجاري الأنهر أو البحر، ستؤثر على الثروة البحريّة وعلى التربة والمياه الجوفيّة والهواء. نحن، باختصار، نأكل ونشرب ونتنفّس نفايات".

مصادر النفايات والتلوّث

رُصدت جبال نفايات تحت البحر في البترون والجيّة

لم يعد التلوّث على الشاطئ اللبناني حكراً على مياه الصرف الصحيّ والمصانع الكيميائيّة ومعامل توليد الطاقة، اليوم تُضاف إليها النفايات؛ هل قذفها البحر من مكبّ برج حمود؟ أم هناك من رماها في البحر إبّان الأزمة؟
يستبعد الخبير في المياه الجوفيّة والمخاطر الطبيعيّة جان أبي رزق في تصريح لـ"الأخبار" أن تكون البلديات قد تخلّصت من نفاياتها عبر رميها في البحر، ويشرح أن البلديات "عمدت إلى رميها في المرامل والأودية ومكبّات الردم وعلى ضفاف مجاري الأنهار. ونتيجة الأمطار، حُمّلت السيول بالنفايات وصولاً إلى البحر، الذي ردّها إلى الشاطئ. أمّا النفايات القديمة فمصدرها الانهيارات السابقة في جبال النفايات في مكبّي برج حمود وصيدا، والتي تجمّعت في جزر بحريّة تتقاذفها التيّارات والأمواج دورياً إلى الشاطئ".

المخاطر الصحيّة

هل يُفضل عدم النزول إلى البحر هذا العام؟ وما هي المخاطر التي أضافتها أزمة النفايات على تلك الناجمة عن تلوّث الشاطئ؟ تقول رئيسة دائرة مكافحة الأمراض الانتقاليّة في وزارة الصحّة الدكتورة عاتكة برّي لـ"الأخبار": "قبل الحديث عن تلوّث مياه البحر ومخاطرها على المواطنين، يجب القيام بفحوص لنسبة التلوّث وهو ما لم يحصل، مع الإشارة إلى أن فترة الأشهر الثمانية التي امتدت على مداها أزمة النفايات ليست بطويلة ولا تشكّل خطراً كبيراً". وتضيف بري: "بحرنا ليس نظيفاً منذ سنوات بحكم تحويل مصبّات مياه الصرف الصحيّ إليه، إضافة إلى عادات الناس وثقافتهم غير الصديقة للبيئة، واحتمال رمي المصانع القريبة من البحر نفاياتها الكيميائيّة فيه. أمّا النفايات العضويّة الناتجة من الأزمة الأخيرة فهي تشكّل النسبة الأقلّ من التلوّث".
تقلّل بري من خطر النفايات، وخصوصاً أن مياه البحر المالحة قادرة على القضاء على البكتيريا الناجمة عنها. المشكلة الأكبر التي يعانيها اللبنانيون منذ سنوات تكمن في "مياه الصرف الصحي التي تسبّب الالتهابات الجلديّة والمعويّة والحساسيّة، إضافة إلى التيفوئيد والطفيليّات وحالات التسمّم، وتالياً من غير الصحيّ الاحتكاك بهذه المياه. إضافة إلى المواد الكيماويّة التي قد تكون تسرّبت إلى المياه الجوفيّة ومياه البحار، مثل الزئبق وسموم البطاريّات، فتتكدّس في الجسم، وتسبّب على المدى البعيد قصوراً كلوياً، وأمراضاً في الكبد، وتؤثر على الجهاز العصبي فتظهر عوارض الألزهايمر بعمر الأربعين، إضافة إلى زيادة نسبة الأمراض السرطانيّة، والتشوّهات في الأجنّة".

أين يسبح اللبنانيون؟

أين يمكن للناس التوجّه لممارسة السباحة صيفاً؟ يحذّر مدير أبحاث برنامج تغيير المناخ والبيئة في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركيّة، الدكتور نديم فرج الله، في اتصال مع "الأخبار" من "الأماكن المكتظّة سكانياً التي تصبّ مجاريرها في البحر، وتلك التي افتتحت مكبّات على الشواطئ لما قد يتبعها من تحلّل للنفايات وامتزاجها بمياه البحر، إضافة إلى المناطق التي يوجد فيها مصانع ومعامل لما قد ينجم عنها من نفايات صناعيّة".
وأبرز تلك الأماكن، بحسب فرج الله، "المنطقة الممتدة من الأوزاعي حتى جبيل، إضافة إلى طرابلس والقلمون وصيدا حيث الاكتظاظ السكاني ومكبّات النفايات البحريّة، وسلعاتا وشكا، حيث معامل الترابة ومحطّات البترول".