صنعاء| استبق الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، جمعة الإنذار المقررة اليوم للزحف إلى القصر الرئاسي بإعادة تأكيد رغبته في نقل السلطة سلمياً، مؤكداً في الوقت نفسه رفضه تسليم السلطة تحت الضغط، بعدما رأى أنه «ليس هناك وسيلة بأي حال من الأحوال أو ظرف من الظروف ستدفع النظام السياسي لتقديم نفسه إلى حبل المشنقة». وشدد على أن نقل السلطة لن يكون إلا من خلال المؤسسات الدستورية.


لم يكن الوعد الذي قدمه الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، أمس بنقل السلطة سلمياً من دون تحديد موعد محدد، الأول من نوعه، بعدما أتيحت فرص كثرة له لإيجاد حلول مناسبة للخروج من الأزمة التي دخل فيها مع أحزاب اللقاء المشترك المعارضة وأدت إلى انسداد أفق الحوار كلياً مع نهاية العام الماضي. وحتى تلك المبادرات التي كان صالح يتسلمها أو يعمد الى تقديمها من جهته لاحقاً، كانت تتم على مضض وبنوع يشبه تقديم تنازلات، لا رؤى، قادرة على تقديم حل للخروج من أزمة قد تصل إلى حد الكارثة بالبلاد.
وقد ظهر في هذا الأمر نوع من التعالي، ما جعل العلاقة بين أحزاب اللقاء المشترك والكوادر المنضوية تحت جناحه تشعر بنوع من الإهانة بسبب تعامل صالح مع المبادرات، ما كان يظهر أحزاب المشترك على شكل اللاهث وراء حوار لن يجرى، فيما يجلس الرئيس في مكان مرتفع كأن الأمر لا يعنيه أبداً.
لكن هذه المعادلة انقلبت تماماً مع خروج شباب جامعة صنعاء وبداية تكوين الثورة الشبابية، بعدما شعر صالح بأن طرفاً ثالثاً قد بدأ يتحرك على الأرض ويمتلك ثقلاً غير اعتيادي في الساحة اليمنية، وفي وقت قياسي غير معتاد، فكان لا بد من كبحه.
بدورها، التقطت أحزاب اللقاء المشترك هذا الخيط جيداً، فارتفع أداؤها السياسي منتقلاً من خانة المفاوض المستجدي القليل الحيلة إلى خانة المفاوض الندّ القادر على فرض شروطه على لعبة المبادرات التي كانت قد بدأت تنزل على الساحة. وجاءت أولى هذه المبادرات في الثامن عشر من كانون الثاني. واقترح الرئيس صالح فيها حلاً للأزمة السياسية القائمة: مبادرة تضمنت تراجعه المضي في إجراء تعديلات دستورية تذهب به رئيساً الى الأبد. مبادرة لم تجد صدىً كبيراً عند أحزاب اللقاء المشترك لعدم تلبيتها سوى قدر ضئيل ومعقول من تنازلات جادة كانت تنتظر أن يقدم عليها.
انتظر الرئيس نحو أسبوعين كي يقدّم مبادرة ثانية تضمنت دعوة الى استئناف الحوار، لكنها أيضاً كانت مبادرة مرفوضة من أحزاب المشترك. وما بين الثالث عشر والعشرين من شهر شباط الفائت، حصل قبول مبدئي من طرف أحزاب اللقاء المشترك للدخول في حوار مع الحزب الحاكم، لكن صالح خرج وقال إنه يقبل الجلوس والحوار ونقاش طلبات المشترك «على أن تكون طلبات مشروعة».
لكن الرفض الكبير من أحزاب المشترك كان في نهاية شباط، حين رفضت دعوة من الرئيس لتأليف حكومة وحدة وطنية. وكان رفض المشترك مبنياً على أساس أنه لا يمكنها الحوار مع حزب اختار العنف وسيلة للتخاطب مع الجماهير التي نزلت إلى الساحات وتوظيف بلطجية للاعتداء على الشباب المعتصمين، وهو العنف الذي تطور لاحقاً ليصل الى حدود القتل.
لكن في بداية الشهر الجاري، توصلت أحزاب المشترك، بالتوافق مع مجموعة من رجال دين بارزين، إلى اتفاق على انتقال «سلس» للسلطة وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في نهاية العام على أبعد تقدير، وخروج الرئيس صالح من القصر الرئاسي قبل نهاية العام على نحو آمن ومشرف من السلطة. وهو ما جرى التوافق عليه من جميع الأطراف، ليعود الرئيس بعدها ويقول إن «سوء فهم» قد حصل وإن ما عمدت أحزاب المشترك الى تقديمه هو خروج عن الشرعية وانقلاب عليها. وهو ما أدى إلى انسحاب العلماء من هذه المبادرة ليعلنوا تأييدهم لمطالب ثورة الشباب، مؤكدين أنه صار يجب على الرئيس صالح أن يرحل وأنه صار يمثل عقبة أمام خروج اليمن من أزمتها الخانقة التي تعيشها. رد فعل العلماء دفع الرئيس صالح الى إخراج هيئة علمائه الخاصة التي ظهرت على شاشة التلفزيون الرسمي لتعلن أن أحزاب المشترك قد رفضت مبادرة النقاط الثماني (كانت خمساً) التي تقدم بها الرئيس وهي بذلك «تقود اليمن إلى الفتنة».
حصل هذا في وقت كانت فيه «ثورة الشباب اليمنية» قد امتلكت مساحات واسعة من التأييد الشعبي الهائل، إضافة الى انضمام قطاع واسع من الجيش إليها. وقبل هذا كان الرئيس اليمني قد أعلن مبادرة نصّت على انتقال نظام الحكم في اليمن من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني وإجراء استفتاء شعبي على دستور جديد للبلاد. لكن هذه المبادرة كانت قد جاءت متأخرة جداً ولم يعد أمام الرئيس سوى الخروج من السلطة بطريقة آمنة.
لكن صالح عاد قبل يومين ليقدم مبادرة أخيرة، بعثها عن طريق رسالة لأحزاب اللقاء المشترك، قال فيها «إن اليمن بحاجة إلى الحكمة في هذه اللحظة التاريخية حتى لا ينزلق إلى العنف الذي سيدمر المكاسب ويترك البلاد في مواجهة مصير خطير». وتضمنت الرسالة مقترحات جديدة لحل الأزمة تتلخص بـ«تأليف حكومة وفاق وطني وإعداد دستور جديد، إضافة إلى انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة قبل نهاية السنة»، وهي المبادرة التي جاءت بالتوازي مع مبادرة قدّمها سفير اليمن السابق في بيروت فيصل أمين أبو راس الذي استقال من منصبه.
وتلخصت مبادرة أبو راس بتسليم الرئيس اليمني السلطة، ضمن احتفال يليق به، لمجلس «قيادة مدني مؤتمن ومؤقت لـ 6 أشهر فقط، يؤلف ممن يثق بهم أمناء الثورة، على أن يلتزم المجلس بتلبية مطالب الثورة المعلنة وأهدافها».