صبيحة الرابع عشر من آب 2006 سكتت المدافع الإسرائيلية لتفسح المجال أمام حرب من نوع آخر. حربٌ على تقويم نتائج الحرب، مسرحها الساحة الداخلية الإسرائيلية. من جهةٍ، وقف الفريق الذي اتخذ قرار العدوان وأداره مدافعاً عن أدائه ومرافعاً عن عظمة الإنجازات التي تحققت بفعل المواجهة العسكرية. من جهةٍ أخرى، احتشد الرأي العام الإسرائيلي، مدعوماً من القوى السياسية المعارِضة، مطالباً بمحاسبة من دفع بإسرائيل إلى ما بدا أنه أشبه بمغامرة لم تُحسب مقدماتها كما عواقبها بالدقة المطلوبة. لم يتأخر حسم النزاع كثيراً. صدر تقرير فينوغراد، ومعه الأحكام المبرمة بحق المسؤولين عن عدم انتصار الجبروت الإسرائيلي قبالة «منظمة تعدّ بضعة آلاف من المقاتلين».

في غضون ذلك، كانت السفارة الأميركية في تل أبيب تعدّ تقاريرها عن الوضع بالاستناد إلى شبكة علاقاتها الخاصة. تقارير يتيح التدقيق فيها الخلوص إلى نتيجة مفادها أن التقويم المبكر للمسؤولين الأميركيين في السفارة لنتائج الحرب كان أقرب إلى تبني وجهة النظر المتشائمة من تداعياتها. في وثيقة حرّرها هؤلاء المسؤولون تحمل الرقم 06TELAVIV3370 يتضح هذا التوجه جلياً. تصرّح الوثيقة بأن «الاتصالات التي أجرتها السفارة تكشف عن تشكيك في الأوساط الإسرائيلية في أن الحرب أزالت التهديد (الذي يمثّله حزب الله) أو أنها أنتجت شيئاً سوى تراجع ضئيل لحزب الله». وتضيف «بالنسبة إلى كثيرين، فإن هذه النتيجة هي تعويض غير متناسب مع نحو 180 قتيلاً إسرائيلياً سقطوا في النزاع، وتشويش الحياة الاقتصادية جراء تساقط الصواريخ واستدعاء الاحتياط والكلفة المادية العالية لشن الحرب وتدمير البيوت والمصالح في أجزاء من شمال إسرائيل، والفشل في استعادة الجنديين المختطفين».
وثيقة أخرى (06TELAVIV3399) عن الموضوع نفسه تقدم عرضاً أكثر تفصيلاً. تقول إنه «مع انتهاء الحرب بين حزب الله وإسرائيل، قدّم مسؤولون إسرائيليون على علاقة قديمة بالسفارة تقديرات متفائلة لنتائجها. ممثل وزارة الدفاع الإسرائيلية في الحوار الاستراتيجي، رامي يونغمان، أخبر المستشار السياسي للسفارة في الثامن من آب أنه لا يتوقع أن يرى أية خضة داخل جماعة الاستخبارات العسكرية ما بعد الحرب. وفيما لم يكن يونغمان قادراً على تعريف النصر العسكري على حزب الله، بقي مصرّاً على أن إسرائيل نجحت في تدمير قدرات حزب الله الصاروخية البعيدة المدى وأظهرت لحزب الله أنه إذا هاجم إسرائيل فسوف يدفع ثمناً باهظاً». تعرض الوثيقة أيضاً موقفاً مشابهاً لرئيس الدائرة السياسية الأمنية في وزارة الدفاع، عاموس غلعاد، يتحدث فيه عن «النصر الاستخباري العظيم» وعن نتائج الحرب التي «كانت أفضل ممّا كان يمكن أن تكون». بعد ذلك، تتدارك الوثيقة هذه الآراء فتشير إلى أن «توفر الوقت للتأمل في أعقاب الحرب أفضى إلى تقديرات أكثر اتزاناً لأداء الجيش الإسرائيلي وإنجازات إسرائيل». ومن جملة هذه التقديرات ما قدّمه ضباط من الاستخبارات العسكرية في اجتماع مع مسؤولين أميركيين بتاريخ 24 آب. بحسب الوثيقة، يرى هؤلاء الضباط أن «إسرائيل نجحت في وضع حزب الله في مكان أكثر دونية مما كان عليه في السابق، حتى لو لم يتم إضعافه جوهرياً على المستوى العسكري». ويعترف الضباط بأن «حزب الله لم يُصرَع بالضربة القاضية (knoked out)» بالرغم من أن «العديد من قدراته الصاروخية البعيدة والمتوسطة المدى دُمّرت ومعظم خنادقه ومواقعه في جنوب لبنان دمرت أيضاً ونحو 500 من مقاتليه قتلوا». ويشير الضباط إلى أن حزب الله «احتفظ ببقايا قدرة صاروخية بعيدة المدى كما احتفظ بقدرته على القيادة والتحكم أثناء الحرب وبعدها، وأنه يبني حالياً عدداً من مكاتبه التي دمّرها الجيش الإسرائيلي في جنوب بيروت». ويجمع ضباط الاستخبارات الإسرائيليون على أن من غير المرجح جداً أن تحاول الحكومة اللبنانية أو القوات المسلحة اللبنانية نزع أو تفكيك سلاح حزب الله.
وتنقل الوثيقة أيضاً موقفاً للمدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية، غابي أشكينازي، قال فيه للسفير الأميركي إن «من الواضح أنه كانت هناك إخفاقات ويجب اتخاذ إجراءات لضمان عدم تكرارها في المستقبل». وفي تناقض مع موقف غلعاد، يرى أشكنازي أن «الدرس الأكبر الذي تعلمناه هو أن النتائج كان يمكن ويجب أن تكون أفضل»، ويخلص إلى أن «علينا أن نستعد لجولة ثانية مع حزب الله، وربما أيضاً مع سوريا، لأن سوريا يجب أن تدفع ثمن دورها في هذه الحرب». وفي وثيقة أخرى (06TELAVIV3340)* يشدد أشكينازي على ضرورة «تطبيق القرار 1701 من أجل وقف نقل السلاح من سوريا إلى حزب الله». ويضيف بنبرة تحذيرية «إن عمليات نقل السلاح تجري الآن وإن إسرائيل لم توقفها لأنها لا تريد استخدام القوة في هذا الوقت».
موقف أشكينازي لم يكن بعيداً عن موقف رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، إيلان مزراحي. الأخير رأى (وثيقة 06TELAVIV3145) أن «حزب الله سيخرج من الحرب مع دعم شعبي متزايد، وفي هذه الحالة فإنه سيحتفظ بمساندة سوريا وإيران، ورغم ضعفه، سيبقى القوة العسكرية، وتالياً السياسية، الأقوى في لبنان».
حتى رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، اضطرّ إلى الإقرار تلميحاً بمحدودية الإنجازات الميدانية التي تحققت. وبحسب الوثيقة رقم 06TELAVIV3317، يقول أولمرت لعضو الكونغرس الأميركي، أرلين سبكتر، إن «الجيش الإسرائيلي أضعف حزب الله جدياً ودفعه إلى التراجع عن الحدود» قبل أن يشير إلى «الشبكة المذهلة للتحصينات التحت أرضية (الخاصة بالحزب) التي أبطأت الجهود بنحو ملاحظ». ورغم تفاخره بـ»الإنجاز الممتاز الذي حققته إسرائيل في مواجهة الصواريخ البعيدة والمتوسطة المدى التابعة لحزب الله»، يقر أولمرت بأن «تهديد الصواريخ الإيرانية لا يزال مشكلة أساسية».
* تنشر لاحقاً