نيويورك| حذّرت تقارير غربيّة من تعرض الشرق الأوسط وما يحيط به شمالاً وجنوباً لكوارث إشعاعية تترك آثاراً بعيدة المدى على الإنسان والبيئة جراء الاستخدام المفرط لمواد مشعّة من اليورانيوم المنضّب ومواد أخرى. أسلحة تستخدم حالياً في ليبيا خلال الحملة الدولية على قوات القذافي. تلك الأسلحة والذخائر الشديدة التدمير التي تستخدم في قصف المنشآت العسكرية المحصّنة والكهوف والأنفاق والدهاليز تتضمن مواد من الغاز السام المشع. وهي مواد محظورة دولياً بموجب بروتوكول اتفاقية جنيف للغازات السامة والمواد الكيماوية الموقّع عام 1925.


كروز ـــ توماهوك

في ليبيا، تستخدم الصواريخ الطوافة من نوع «كروز ـــ توماهوك» الأميركية، ومن طراز «ستورم شادو» البريطانية التي تطلقها طائرات «تورنادو» المقاتلة، وصواريخ «رافال» الفرنسية، ولا سيما طراز «سكلالب ـــ إي جي» وما شابهها، فضلاً عن صواريخ أخرى عالية التدمير. وهذه تتضمن كل المواد «السريعة الانتقال المخصصة للقتل العشوائي والسيطرة الدائمة على الأرض»، كما يطلق عليها بلغة العلم الحربي.
إنها مواد لا تختفي أضرارها من البيئة بنسبة النصف قبل مرور 4.5 مليارات سنة. لكن الرياح العكسية التي تهب على منطقة البحر المتوسط لا تترك الأذى منحصراً ضمن الأراضي الليبية وشمال أفريقيا، بل تنقلها شرقاً في اتجاه مصر وشرقي البحر المتوسط، وشمالاً نحو اليونان وإلى شرق أوروبا في البلقان، فإيطاليا وسويسرا، وصولاً شمالاً إلى الدول الاسكندنافية، قبل أن تلتف على معظم دول أوروبا الغربية، ثم تعود إلى الجنوب، مروراً بإسبانيا والمغرب.
هذا ليس من باب التكهن، بل قائم على حسابات علماء الأحوال الجوية والرياح، ووفقاً لحسابات أعدها المستشار البريطاني المختص في شؤون الشرق الأوسط، بيتر أيير. وبالطبع، لا يستطيع أحد بتّ أن الأضرار ستقتصر على هذه المناطق وحدها لأن موجات الرياح المختلفة تتقاطع بعضها مع بعض، ويمكن أن تقل التلوث الإشعاعي إلى شتى أنحاء العالم، كما لوحظ في الإشعاعات المنتقلة من مفاعلات اليابان النووية التي تضررت بفعل الزلازل. وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا قد أخفتا دراسات علمية عن الجمهور أظهرت أن إشعاعات اليورانيوم المنضَّب، الذي استخدم في العراق، عانت منها بريطانيا على شكل سحابة غطت المنطقة الممتدة من ردنغ، مقاطعة بركشير غرباً إلى قلب العاصمة البريطانية لندن. وكان مصدرها مختبرات واقعة في مدينة آلدرماستون. مختبرات تابعة لشركة «هاليبيرتون» الأميركية التي كان يديرها نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني. ولم تسمح السلطات في البلدين، اللذين شاركا في الحرب التدميرية الواسعة على العراق عام 2003، بإطلاع الباحثين عليها إلا بعد ضغوط من البروفسور كريس بسبي، استناداً إلى قانون الحقّ بالمعرفة.
وفي رأي جماعات حقوق الإنسان والناشطين الحقوقيين المعترضين على العمليات العسكرية الغربية، التي تقودها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أطلسية أخرى في مناطق عدة من العالم، فإن استخدام أسلحة تخلّف أمراضاً وعاهات صحية مزمنة وتقلص قدرة البشر على التكاثر والإنجاب، يأتي ضمن مخطط لتقليص عدد سكان الكوكب. سياسة ترمي في نهاية المطاف إلى الاستئثار بالموارد الطبيعية، والسيطرة على أسوقها وعلى طرق نقلها البحرية والبرية وخطوط الأنابيب المتعلقة بها.
وإذا كانت شرعية قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1973، الذي دعا إلى استخدام القوة ضد قوات العقيد القذافي من أجل حماية المدنيين في ليبيا، مستمدة من 10 من أعضاء مجلس الأمن الدولي، فإن الأسلحة المستخدمة في حد ذاتها محرمة دولياً بموجب بروتوكول 1925 لاتفاقية جنيف. عدا عن أنها تعرض سلامة المدنيين الليبيين أنفسهم وسواهم لأخطار حياتية فتاكة تتعارض جوهرياً مع الغاية من القرار الدولي.

أضرار صحية

الأمر الآخر في الحملة العسكرية التي يقودها الجناح العسكري من منظمة حلف شمالي الأطلسي أنها لا تميز بين مستودعات أسلحة وأخرى في قصفها العنيف للمواقع العسكرية. والنظام الليبي يحتفظ، كما ثبت بصورة قاطعة، بأسلحة كيميائية وأخرى من الغازات السامة. فما الذي يمنع من انتشار تلك المواد الخطرة للغاية على حياة السكان في كل اتجاه، بما يؤدي إلى قتل آلاف المدنيين أو إلحاق أضرار صحيّة كبيرة بهم؟ بل إن مجرد الشك في إصابة أهداف من هذا النوع يمكن أن يؤدي إلى إفراغ مدن بأكملها من السكان وتهجيرهم بعيداً عنها لأجل غير مسمى. عندها كيف يكون شكل حماية المدنيين؟
بعض المطّلعين على كواليس الحملة العسكرية توقفوا عند إحجام ألمانيا عن تأييد القرار 1973 الصادر عن مجلس الأمن. وعزا هؤلاء الأسباب إلى أن ألمانيا، التي تتمتع بأحزاب متشددة في موضوع حماية البيئة، لم تكن تعرف مدى مضاعفات الحملة العسكرية على البيئة الأوروبية القريبة وحسب، بل تلقت تحذيرات داخلية منها. فامتنعت حكومة المستشارة أنجيلا ميركيل عن التصويت على القرار ثم سارعت إلى المشاركة العسكرية، بعدما أُسقط في يدها، لكي لا تفوتها حصتها من تركة المصالح النفطية الليبية ومشاريع إعادة الإعمار بعد السيطرة على البلاد.
كل القذائف المستخدمة حالياً من السلاح الجوي والبحري المخترقة للدروع تتضمن مواد يورانيوم منضّب. مئات الصواريخ من طراز توماهوك الأميركية والبريطانية تتساقط يومياً على ضواحي المدن الليبية وفي داخلها. كل منها يحمل 360 كيلوغراماً من اليورانيوم المنضّب. هذا معناه عشرات الأطنان من هذه المادة الخطرة تفجرت في المنطقة ولوثتها، كما لوثت بيئة البحر المتوسط، لمدى بعيد. 40 من هذه القنابل الضخمة سقطت على قاعدة معيتيقة وحدها المتاخمة لأماكن سكنية في طرابلس.
والآثار الفورية لهذا التلوث تبدأ بفقدان الأجنّة في أرحام الأمهات، مع ترجيح إصابة نساء طرابلس بالعقم. هذا ما حدث تحديداً لنساء الفلوجة في العراق. الأمر نفسه تكرر في الكثير من مدن وقرى ما كان يعرف بيوغوسلافيا والكويت وأفغانستان وشمال الباكستان والصومال وحتى في فيتنام.

أمراض سرطانية

أما الناجون من القتل والتلوث، فسيكونون عرضة لأنواع كثيرة من السرطان، وربما أيضاً لعارض حرب الخليج الذي أصيب به الآلاف من قوات التحالف التي دخلت الكويت والعراق في حرب 1991. كثير من أولئك الجنود البريطانيين أصيبوا بالوهن المزمن ومضايقات عضلية أخرى لا يعرف الطب مثيلاً لها. ولم يكشف أحد عن أسبابها خشية تعرض الحكومات المسؤولة للملاحقة في المحاكم.
وزير الدفاع البريطاني ليام فوكس لم ينف استخدام اليورانيوم المنضّب في الغارات على ليبيا، وقال إن القانون الدولي لا يحرّم استعمالها. أمر انتقده البريطانيون لأن الرادع الأخلاقي يحتّم عليه احترام واجب العناية بالمدنيين، سواء البريطانيين من جنود، أو المدنيين المستهدفين في الطرف الآخر الذي ذهب لحمايتهم. بهذا المعنى، يكون النصر في ليبيا نصراً عسكرياً لقوات حلف شمالي الأطلسي، لا نصراً للشعوب والمدنيين العزّل في ليبيا وخارجها. الفارق في الحرب الليبية أن الجماهيرية تقع في خاصرة القارة الأوروبية. وما يصيب بيئتها حتماً يصيب البيئة الأوروبية والمتوسطية. بذلك تكون الحرب، كما قال رجب طيب أردوغان، رئيس وزراء تركيا، من أجل النفط لا من أجل الإنسانية.