يعوم «معرض بيروت» على بحر من التناقضات. منظّموه من «النادي الثقافي العربي» و«اتحاد الناشرين في لبنان»، يصرّون على «المقاومة حتى الرمق الأخير» من خلال التنظيم السنوي لهذه التظاهرة. يعترفون بوجود تحديات اقتصادية، ويتجنبون أي حديث في السياسة وما يدور في الإقليم فيما الواقع يبدو مريراً وقاسياً يبدأ بتمدد الأخطبوط الداعشي من بغداد الى الشام، ولا ينتهي بأزمة دور النشر وتراجع القراءة، وهيمنة الثورة الرقمية. لا شك في أن الأزمة السورية أرخت بثقلها على المشهد الثقافي في بيروت. غابت الدور السورية عن المعرض، وحضرت بشكل متفرق في دور عربية ومحلية أخرى. الأمن السوري المهزوز أيضاً، جعل عملية شحن الكتب عمليةً معقدّة، فأضحت كلفتها مضاعفة مع خطورة الطرق البرية التي تمر عبرها. هذه الطرق بدورها منعت العديد من الزوّار العرب من التوجه الى بيروت للمشاركة في المعرض. هكذا رست المشهدية السوداوية النهائية لأقدم وأعرق المعارض الثقافية. بات في عامه التاسع والخمسين يقاوم الموت والتكفير بالكتاب الذي بدوره يواجه أزمته الخاصة وتدور رحاها أيضاً في دور النشر. إذا دوّامة محكمة تعيشها هذه التظاهرة الثقافية.


نسأل نائب رئيسة «اتحاد الناشرين في لبنان» نبيل عبد الحق عن إمكانية وضع استراتيجية عامة يشارك فيها الاتحاد مع باقي الدور لمحاولة إنقاذ هذا القطاع. لكنه يكتفي بالإشارة الى شراكة الاتحاد مع شركات عالمية تضع الأخير على مواقع الكترونية خاصة بها وتساعد في عملية النشر الإلكتروني! في صالة «النادي الثقافي العربي»، تتكدس صناديق كتب آتية من ليبيا وتحديداً من بنغازي. وعلى الحائط تتسّمر صورة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر والى جانبه خريطة سياسية للعالم العربي خلال 14 قرناً. نجيّر انطباعنا الى مدير عام المعرض فادي تميم في مقارنة ما بين زمن عبد الناصر والعروبة، والزمن الذي نحياه اليوم من التقاتل العربي/ العربي. يكتفي تميم بالردّ بأن «العروبة ما زالت موجودة» مردفاً بالقول (بصعوبة): «عم نقاوم». يسهب في حديثه الينا عن تاريخية المعرض الذي بدأ بغرفة متواضعة في «الجامعة الأميركية في بيروت» وانتقل بعدها إلى قاعة أكبر في «وزارة السياحة» قبل أن يعود ويستقر في قاعة «هوليداي إن»، ويقترب بعدها إلى الواجهة البحرية لبيروت ويتمركز في «بيال» (مساحة 10 آلاف متر مربع). يستند في دفاعه أيضاً عن مواجهة المعرض مختلف الأزمات التي عصفت بلبنان، ويذكّر بأنّ الحرب الأهلية لم تمنع من إقامته في السبعينات. في مقاربته للأزمات الاقتصادية التي تعصف بلبنان والمنطقة، يسعى إلى الشكوى بأن لبنان البلد الوحيد الذي تنسل الدولة يدها من تنظيم معرضها الثقافي، بخلاف الدول العربية التي تتسلم فيها السلطات هناك دفة التنظيم والدعم والدعاية. لعلّ اسم رئيس مجلس الوزراء تمام سلام على بطاقة دعوة الافتتاح، لا يعدو كونه جزءاً من بريستيج الرعاية الخاوية لمعرض يواجه الترهل ويحاول النهوض بإمكانياته الذاتية. بالطبع، مرت أعوام وما زالت الثورة الرقمية تسير بطريقها، موّلدة إشكاليات عديدة عن مصير الكتاب الورقي ودور النشر والقارئ نفسه. ورغم مرور هذه السنوات، الا أنّه للمرة الأ-ولى، يخصص في «معرض بيروت» جناح Beirut Digital Space لمنتجات وأجهزة رقمية حديثة، أضيف اليها التطبيق الإلكتروني الخاص بالمعرض وبخريطته اللوجستية. يبدو التعويل واضحاً على هذا الجناح الذي تقيمه شركة Graphic Shop بالتعاون مع «النادي الثقافي العربي» وغرفة التجارة والصناعة والزراعة ووزارة الاتصالات، لكن مع التغاضي الفعلي عن البحث في هذه الثورة الرقمية وتداعياتها التي قد تبدو مميتة على صناعة الكتاب. في هذا المنحى، يبدو عبد الحق متفائلاً. يعترف بتراجع الكتاب الورقي لصالح الإلكتروني، لكنه لا يجزم بأن الأخير سيلغي دور الورق. يورد مثالاً ثورة ولادة الفيديو التي حاولت طمس دور السينما، لكن بعد سنوات كل «ميدان استعاد مكانته من جديد».
لكن ماذا عن خفوت وهج بيروت الذي تحاول معارض خليجية سرقته بإمكاناتها المادية والدعائية المهولة؟ لا يقرّ أحد من المنظمين بخطورة هذا الأمر. يقول عبد الحق إنّ لبنان منذ زمن بعيد هو بلد مصدّر أكثر مما هو منتج فيما المعارض العربية الكبرى تشكّل متنفساً لدور نشر محلية. في المحصلّة، تغيب الإجابات الكبرى عن الإشكاليات الحقيقة المطروحة، فهل هو تكابر على الذات وتجميل لواقع بشع تفنن فيه الإرهاب وضرب حتى العظم هيكله الثقافي؟