لم تُخلَق حالة الاستقلال التي صارت لصوت المرأة في الرواية اللبنانيّة دفعة واحدة. لقد دفعت أثماناً كثيرة كي تصل إلى نقطة التعبير عن نبرتها الشخصية. في البداية، تماهت مع «الصوت الوعظي التعليمي» الذي سائداً بفعل سلطة ذكورية طغت على مختلف أشكال الحياة الأدبية والاجتماعية والسياسية.


ستبدو تلك السلطة واضحة من اللحظة الأولى لصدور «حُسن العواقب» (1899) لزينب فوّاز (1846-1914) وهي تُنتج سرداً وعظياً تعليمياً تحكمه الأخلاق وضوابط المجتمع مُنطلقة من أحداث أتت على قاعدة من سرد تاريخي واقعي، إضافة إلى إرث الحكاية الشعبية. على هذه الصورة، كان مُفتتح البحث في تاريخ حضور المرأة في الرواية اللبنانية الذي اعتمدته جميلة حسين منهجاً لإنجاز دراستها «المرأة في الرواية اللبنانيّة المعاصرة (1899-2009) ـ دراسة في نماذج روائية نسائية مختارة» الصادرة عن «دار الفارابي» والمتوافرة في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب».
هكذا ستكون حالة فوّاز مثالاً أولياً يُظهر المناخ الذي انطلقت على أرضيته نبرة الصوت النسائي اللبناني التي نضجت على الضد من حالات نسوية أفادت من أوضاع عائلاتها الثرية مادياً، لكنّها لم تضف شيئاً إلى خزانة العمل الأدبي وظلّت محصورة في أنشطة الصالونات الأدبية. لقد انطلقت صاحبة «حُسن العواقب» من حالة فقر وعوز لتصنع مجدها الشخصي والثقافي الذي أوصلها إلى نقطة تمكنها من طلب الطلاق من زوجها الأول بسبب «تفاوت المستوى العقلي والفكري» في حين يبقى السؤال حول زواجها الثاني بعدما انتقلت إلى مِصر وارتبطت بصحافي هناك، وهي تعلم مُسبقاً بحقيقة زواجه من ثلاث نساء والانفصال عنه لاحقاً للسبب ذاته.
من خلال تثبيت هذه الحالة التقليدية التي يُحسب لها حقيقة فعل المبادرة في هذا السياق السردي النسائي، سيمكن الانتقال إلى المراحل التالية التي سارت عليها خطوات ذلك السرد حتى وصوله إلى حالته القائمة اليوم. من هنا ستأتي منهجية اختيار النماذج الواردة.

توزعت النماذج على
مراحل وحقب وأزمنة متباعدة
تظهر لكل كاتبة خصوصية وبنية مختلفة عن الأُخرى في حين تعكس كل رواية فترة زمنية بأحداثها ومتغيراتها على اعتبار «أن دراسة نماذج من الرواية النسائية اللبنانية قد استُخدمت بوصفها مؤشراً إلى تطور المجتمع ونظرته إلى المرأة» وليس بوصفها معياراً شاملاً، فمن الصعوبة تحقيق مسألة تطبيق العمل الروائي كنموذج صالح للتعميم وبأفكار تشمل المجتمع على نحو كلّي. وتقول الشاعرة جميلة حسين إنّ تعدد النماذج النسائية والروايات المُختارة لها «يهدف إلى خلق تعددية مماثلة لصورة المرأة وتوسيع فهمنا إيّاها». هكذا، توزعت النماذج على مراحل وحقب وأزمنة متباعدة بما يعني ظروفاً وعوامل تاريخية واجتماعية وسياسية متباعدة بالضرورة، إضافة إلى كون الكاتبات المُعتمدات في الدراسة «لعبن دوراً بارزاً في مجتمعهن وكانت لهن بصمتهن» بدءاً من زينب فوّاز إلى لبيبة هاشم (1882-1952) وعفيفة كرم (1883-1896). ثم تأتي مرحلة الخمسينات مع ليلى بعلبكي (1936) ومنى جبّور (1943-1964) وانتقالاً إلى ليلى عسيران (1934-2007) وإملي نصر الله (1931). وستأتي مرحلة الحرب الأهلية ممثلة بحنان الشيخ (1944) ونجوى بركات (1960) إضافة إلى إيمان حميدان (1956). أمّا مرحلة ما بعد الحرب، فجاءت ممثلة بعلوية صبح (1955) وختام الدراسة عن طريق سحر مندور (1977). يبدو واضحاً غياب صوت الرجل عن هذا البحث الذي كانت غايته استخراج صورة المرأة اللبنانية من المرأة نفسها، ولم يكن ذلك الاستبعاد مبنياً على قاعدة جندرية مُضادة بل على حق المرأة في الكلام عن نفسها.
توقيع كتاب «المرأة في الرواية اللبنانيّة المعاصرة»: بدءاً من الرابعة والنصف من بعد ظهر 5 كانون الأول في جناح «دار الفارابي»