بغداد | صحيح أنّ الكتاب العراقي قد بدأ حياة جديدة بعد نيسان (أبريل) عام 2003، بدخول غير مسبوق لنتاجات دور النشر العربيّة إلى المكتبات العراقيّة، وتأسيس دور نشر جديدة بعد الاطلاع على هذا الكم الوافد من الكتب، بعضها التزم بمبدأ التصميم وإنتاج الإصدارات داخل البلاد تحديداً ومن ثمّ تسويقها، والبعض الآخر أطلق مشروعه بطباعة ما يتعاقد عليه في مطابع بيروت، بعد أن كانت تجربة التعاون الأولى مع دمشق التي صار شحن الكتب منها إلى بغداد صعباً إن لم يكن مستحيلاً. وهنا يمكن الإشارة إلى نسبة غير قليلة من دور النشر اليوم تتبع هذا النهج الذي يجعلها تقبل بشراكات مع دور عربيّة أخرى، من دون أي فعل تأسيسيّ رياديّ يؤصّل وجودها في الساحة العراقيّة.


«معرض بيروت العربي الدوليّ للكتاب»، يضيء بانطلاقته جوانب شتّى من مشكلات قديمة- جديدة لدور النشر العراقيّة، إذ أنّ الواقع في بغداد وبالأخصّ في السنوات الأربع الأخيرة، يبرز محاولات محدودة لهذه الدور (حديثة التأسيس) في تسويق نتاجها خارج العراق، منها دارا «ميزوبوتاميا» و»عدنان»، في حين حافظت الدور التي تأسّست خارج العراق على الحضور نفسه في المعارض العربيّة والدوليّة، مثل «الجمل» و«المدى» و«السياب»، فهي لا تواجه المعضلة نفسها التي يواجهها أصحاب الدور المحليّة، سواء في الحصول على تأشيرات دخول إلى البلدان المنظّمة للمعارض أو في إخراج كتبهم من البلاد؛ لأنّ القوانين الناظمة لموضوعة تصدير الكتب، لا تزال على حالها التي وضعها النظام السابق ولم تتغيّر.
دور أخرى لا تهتمّ بالمعارض المحليّة أو العربيّة، بقدر اهتمامها برصانة وأناقة المطبوع الذي تصدره. هنا لا بدّ من التنويه بتجربة دار «مخطوطات» في هولندا لصاحبها الشاعر والفنّان ناصر مؤنس، وهي تحرص على نشر كتبها عبر مواقع التواصل.
الكتبي فارس الكامل، صاحب مكتبة «المعقدين» بفرعيها في الكويت والبصرة، يرصد في حديثه لـ «الأخبار»، حال النشر في العراق. يرى أنّ «دور النشر الأهليّة تفتقر للتوزيع خارج البلاد وتعتمد على جهود شخصيّة لإيصال الكتب المطبوعة. وأغلب ما يصل هو كتب منشورة بالتشارك مع دور عربيّة أخرى. وكلّ ذلك يتمّ بجهود شخصيّة من الناشرين. ما يصل فعلاً هو منشورات الدور العراقيّة التي تأسّست خارج العراق، وهنالك عقبة أخرى وهي صعوبة الحصول على فيزا للناشر الذي يحمل جوازاً عراقيّاً؛ لأنّ هناك دولاً لا تمنح التأشيرة للعراقيّين وخاصّة دول الخليج». ويضيف الكامل: «أمّا المؤسّسات الحكوميّة مثل «بيت الحكمة» أو «دار الشؤون الثقافية» أو «دار المأمون»؛ فإنّها في سبات عميق منذ زمن، فهي لم تتقدّم خطوة واحدة لا بحسن التوزيع ولا على مستوى الإخراج الفنيّ للكتاب ولا حتّى في المواضيع المختارة، وأبسط مثال إصدارات «بغداد عاصمة الثقافة»، فقد كانت سقطة كبيرة في تاريخ الثقافة العراقيّة» .
ويجد أخيراً إنّ «أغلب المثقفين العراقيّين ينشرون كتبهم في دور لبنانيّة؛ لضمان التوزيع، فبيروت عينها على السوق العراقيّة وعين الناشر العراقي في عالم آخر» .
«دار الرافدين» هي دار نشر عراقيّة مقرها في بيروت، ينطبق عليها ما ذكرناه عن الدور الناشطة خارج العراق. يقول ممثّلها هناك محمّد هادي لـ «الأخبار»: «من ضمن اختصاصاتنا وتركيزنا هو نشر الفكر العراقيّ، ودور النشر العراقيّة تنقسم إلى قسمين: دور تعمل داخل العراق وأخرى في المهجر في بيروت وأوروبا على سبيل المثال، فالدور التي هي خارج العراق معظمها نشط جدّاً وله نقطة ارتكاز قويّة ضمن منظومة النشر العربيّ، في حين أنّ دور النشر في الداخل تنشر بشكل جيّد، إلا إنّها تعاني من مشكلات جمة أهمّها إهمال الدولة لهذا القطاع والقوانين التي كانت من أيّام النظام السابق وبقيت حتّى الآن وهي تعوق تصدير الكتب من العراق».
ويذكر هادي: «النشر العراقيّ واعد وإن كانت حركته ما زالت دون المستوى المطلوب، وأمامنا دليل هو معرض بيروت للكتاب الذي تحضر فيه دور نشر الخارج بقوّة. أمّا دور الداخل فهي معدومة الوجود للأسف».