دمشق | هناك هجرة للكتاب السوري أيضاً. مشهد غرقى الهجرة له ما يشبهه في رحلة الكتاب السوري. منذ اندلاع الأحداث في البلاد قبل 5 سنوات، هاجرت دور نشر ومطابع وكتّاب. وأغلقت مكتبات أبوابها، وظهرت مكتبات ظل لتحتل الأرصفة بطبعات مزوّرة من الكتب الرائجة، فيما صمدت حفنة من الدور في وجه الرياح بطباعة عناوين محدودة بنصف عدد النسخ التي كانت تطبعها قبلاً.


أزمة الكتاب السوري اليوم، لا تتعلّق بغياب القدرة الشرائية للقارئ المحلي فحسب، بل أيضاً بصعوبة التسويق الخارجي، نظراً إلى ارتفاع كلفة الشحن، ورفض بعض معارض الكتب العربية استقبال الكتاب السوري بوصفه بضاعة غير مرغوب بها. وإذا بالكتاب ضحية الألعاب السياسية في المقام الأول، وبورصة العملات «كلفة الكتاب بالدولار، والبيع بالليرة» حسب تعليق أحد أصحاب دور النشر.
هذا الاختلال أطاح الكتاب الورقي جانباً، لمصلحة قارئ الكتاب الالكتروني بوجود مئات المواقع المجانية على شبكة الانترنت. قارئ حلب أو الحسكة لن يجد كتاباً سورياً جديداً في ما تبقى من مكتبات بسبب تعذّر المواصلات بين دمشق ومعظم المدن الأخرى، فالكتب تذهب إلى ما تبقى من مدن حيّة بطرود بريدية مثلها مثل زيت الزيتون والمكدوس والأجبان. هناك إذاً، حالة احتضار، حتى على صعيد الكتابة نفسها.
شعراء وشاعرات الفايسبوك والحانات انتقلوا من الشاشات الافتراضية إلى طباعة إبداعاتهم ورقيّاً. تكفي 300 نسخة كي تتصدّر الواجهة وتحوز لقب شاعر/ شاعرة، ولن تتردّد في إقامة حفل توقيع، على أمل استعادة ثمن كلفة الكتاب من جيوب الأصدقاء. شاعر شاب قاده حظه العاثر إلى إحدى دور النشر الخاصة.

صدور الأعمال الكاملة
للشاعر الراحل رياض الصالح
الحسين عن «دار المتوسط»
وبعد بعض ألعاب السيرك على الآلة الحاسبة لمعرفة الكلفة بالدولار ثم تحويلها إلى الليرة، طلب منه الناشر مبلغاً ضخماً أصابه بالدوّار، فاضطر إلى الحصول على قرض لتسديد المبلغ، من دون أن يتمكّن من بيع نسخة واحدة في المكتبات، فما أن يعلم صاحب المكتبة أنك «تتأبط شعراً» حتى يهزّ رأسه بالنفي بذريعة أن لا قرّاء للشعر، كأنك مصاب بالجذام. تتأمل واجهة مكتبة ما، فتكتشف أن معظم العناوين انتقلت من بسطات الأرصفة إلى هنا، إلى جانب القرطاسية أيضاً، لتعويض بعض خسائرها. هناك قراصنة كبار، يوسّعون مجال عملهم في غياب الرقابة وفوضى الطباعة، وعدم فعاليّة دائرة «حماية حقوق المؤلف». يشمّون رائحة الكتب المطلوبة، لتخرج على الفور من مطابع «أندرغراوند» إلى النور بأسعار أقل مما تُباع في المكتبات. هكذا هاجر معظم الكتاب السوريين إلى دور النشر العربية المعروفة بحثاً عن ملاذ أوسع لكتبهم. لن نستهجن إذاً، أن تصدر رواية خالد خليفة الجديدة «الموت عمل شاق» عن دار «العين» القاهرية، ودار «هاشيت- أنطوان» البيروتية في آنٍ واحد، وأن تصدر الأعمال الكاملة للشاعر الراحل رياض الصالح الحسين عن «دار المتوسط» (الفجيرة- روما)، وبتنا نقرأ ترجمات صالح علماني عن دور نشر عربية، بعدما كانت تصدر عن دور نشر دمشقية، فيما تستقطب دور بيروتية مثل «الآداب»، و«الساقي»، و«ضفاف» روائيين وكتّاباً سوريين من مختلف الأجيال. وعلى الضفة الثانية، وجد بعضهم فرصته في اقتحام دهاليز «الهيئة العامة السورية للكتاب» بما يسمى «الأعمال الكاملة»، تلك التي لم يقرأها أحد حين كانت تصدر فرادى، وغالباً كانت تُطبع على نفقة أصحابها.
الكتاب السوري اليوم يتيم، فقد المأوى، واليد الدافئة التي تحتضنه، لكنه ما زال يقاوم الغرق. وفي حال وجدتم دوراً سورية قليلة مشاركة في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، فذلك لأنّ بيروت محطة للعبور «ترانزيت» إلى بلدانٍ أخرى، ما زالت تجد ضالتها في كتب قليلة الكلفة، بالمقارنة مع دور النشر العربية المرموقة.