بقلم رشا الأمير*

لشدّ ما حملت مواطنيتي على محمل الجد، ففرّشت أسناني عند كلّ صباح وأوقفت سيارتي عند كلّ إشارة حمراء وتظاهرت كلما دعا الداعي انتهى بي الأمر «مواطنة هاوية» تقوم بما تقوم به وله من باب الواجب الذي لا يمليه ضمير بل تزيّنه الخفة واللياقة...

ولشد ما حملت مهنة النشر التي ارتضيت لنفسي، بعد/مع مهن أخرى على محمل الجد، فما تلقيّت مخطوطةً إلا قرأتها، أو قرأت قطعة صالحة منها وراسلت صاحبها/صاحبتها بنعم نعم أو لا لا تجرح المشاعر، وما عزمت على نشر كتاب، أي كتاب، إلا تهيبت الأمر وحسبت له ألف حساب، وما فرحت بصدور كتاب إلا بذلت وسعي لكي أشرك الآخرين بذلك ولكي ينال صدور هذا الكتاب حقه من الإشهار ــ أقول: لشدة ما حملت مهنة النشر على محمل الجد ينتهي الأمر بي، «ناشرة هاوية» ــ وأكاد أن أضيف: لحسن الحظ أنه كذلك، وأنه لا موجب مهنياً أتقيد به أو يفيدني.
نعم، لهذه «الاعترافات» مقام: ككلّ خريف، يُدَقّ الجرس ويؤذّن في الناس أنّ الساعةَ ساعَةُ «معرض الكتاب العربي في بيروت». ككل طقس ديني أو مدني، لا محلّ، حقاً، للمفاجآت أو للارتجال. لهذا الطقس أيضاً كهّانه وسدنته وجمهوره وآدابه وشعائره ولا بأس في ذلك، ولا ما يقال، لولا... لولا أن الأرض، بالمعنيين الحرفي والمجازي، تميدُ من تحتنا، وأن طقسنا هذا، على غرار سواه من الطقوس التي تتسلسل وفق روزنامة حياتنا أشبه ما يكون بـ«المناسبات» التي تصرّ جماعة ما على أحيائها من باب التجاهل العمدي أن الأرض تميد من تحتها، ولا بأس في ذلك أيضاً لولا... لولا أن الحقيقة، اليوم، انتحاري يستقدم ساعته، أو قنبلة موقوتة، وليس ساعة يمكن استئخارها.

سأحاول، مجدداً، أن أفهم ماذا يجري هناك، في هذه الضاحية البحرية من ضواحي سوليدارستان


الحقيقة، في عداد ما قد تكونه، أسئلة شتى منها السؤال البسيط المركب معاً ــ السؤال «المَلْغوم» في عاميَّتنا ــ عن «الكتاب» (العربي) في زمن داعش (وما يعادلها). ولعل الهاوية التي يُغري هذا السؤال بالرقص من حولها هي ما يجري تحته من أسئلة محرجة من قبيل: «هل داعش «أهل كتاب» أم أهل سكين فقط»، وعلى افتراض أن داعش من «أهل الكتاب»، فأي كتاب هذا وإلى أين يرتفع نسب هذا الكتاب، وعلى افتراض أنهم «أهل سكين» فحسب فهل مقول ذلك أنّ على جدول أعمالنا للعقود المقبلة أن نُعَوّدَ أنفسنا على أن «الإبادةَ»، بخلاف رأي شائع، ليست دائماً من الكبائر بل تحتمل الحمد أحياناً، وهكذا دواليك من أسئلة تحاذي الافتراء لا أقل من ذلك.
بالطبع ليس من وظيفة معرض للكتاب هو في الأصل، وأولاً وآخراً ولا عيب في ذلك ولا من يعيبون، بازار ينادي فيه البازاريون على بضاعتهم من الكتب ومن الكتاب ومن الخدمات النّشرية ــ ليس من وظيفته أن يقترح جوابات على هذه الأسئلة المريرة ولكنه لأنه سوق تسَيّلُ فيها الأفكار، بل قل تُجَمَّدُ، على هيئة كتب أحب لي أن أجد على رفوفه ما أستعينُ به على تلك الأسئلة وسواها كثير.
بصفتي مواطنة هاوية سأزور معرض الكتاب، وككل عام منذ أن نقل هذا المعرض، وسواه من المعارض، إلى البيال (الأرض المردومة التي صارت شركة جشعة لا إنسانيّة)، سأحاول، مجدداً، أن أفهم ماذا يجري هناك، في هذه الضاحية البحرية من ضواحي سوليدارستان، وأن أتساءل هل سيأتي من يوم يتصالح فيه اللبنانيون/ اللبنانيات، بشروطهم، مع هذا الأمر العقاري الواقع فلا يشعرون فيه بـ«الغربة»، وبأنهم ضيوف غير مرحب بهم كلما آنت ساعة الإقفال، وبصفتي ناشرة هاوية سأزور معرض الكتاب، وككل عام منذ أعوام، سأسر لنفسي بأن قليلاً، قليلاً فقط، من الشجاعة على التجديد، تجديد الطاقم الموكل بتنظيم هذا المعرض الذي يريد نفسه جامعاً بخلاف سواه من المعارض التي لا تتحرج من إعلان فئويتها الطائفية، كفيل بأن يرفده بأفكار لا تُعلي من شأنه كسوق فقط، وإنما تزيد من غواية ارتياده، وتوسع استطراداً من محله في المدينة، ومن دائرة قصّاده، ومن الإعراب الثقافي وهكذا، ثم لن ألبث أن أستدرك بنفسي على ما أسِرُّ به لنفسي، وأن أستذكر بأنني، عامَ أول، والذي قبله والذي قبله، حدثت نفسي بما أحدثها اليومَ به، وأن أكتفي من وَصْفِ ما حولي من مشهد لا أنكر أنني جزء منه بما أره رأي العين: ناس نيامٌ وسكاكين تُشْحذ...
* مديرة «دار الجديد»