يبدو المسؤولون السعوديون في وثائق ويكيليكس حاسمين في موقفهم من اليمن، يخشون من تأثيرات مشاكله على بلادهم، وتحديداً الحوثيين، الذين يسيطرون على مناطق واسعة على مقربة من حدودهم، وتنظيم القاعدة بوصفه أكبر تهديد خارجي يتربّص بالسعودية. كذلك لا يخفي السعوديون اقتناعهم بفساد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح وضعفه، إلى جانب غياب القدرة لديه على السيطرة على البلاد، محوّلاً إياهاً إلى دولة فاشلة، وخطيرةً جداً. لكن رغم ذلك تصر السعودية على التمسك بوجوده، خوفاً من الفراغ الذي قد يمثّله غيابه.


وتظهر الوثيقة (09RIYADH408) المؤرخة في تشرين الأول 2009، أن مساعد وزير الداخلية محمد بن نايف، خلال لقائه عدداً من المسؤولين الأميركيّين، حدد ثلاثة تهديدات تواجه السعودية، في مقدمتها اليمن، بوصفه «دولة خطيرة، وفاشلة» يشبه أفغانستان من حيث السماح لجماعات القاعدة بالتجمع، وإمكان أن يصبح قاعدتها العملية.
وبعدما رأى أن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح «ليس القائد الأفضل، بعد 30 عاماً من السلطة»، لفت إلى أن إزالته، «إن من خلال الأسباب الطبيعية أو التمرد، ستخلّف فراغاً سيضعف اليمن أكثر».
ولم يفصل محمد بن نايف بين الضغوط التي يتعرض لها تنظيم القاعدة في أفغانستان، وتأثيراته في اليمن، بعدما رأى أن «الانفتاح على طالبان في أفغانستان كان مفيداً بعدما جعل قادة القاعدة عصبيين، وغير متيقّنين من أنهم قد يتعرضون للخيانة، لكن هذا الأمر سيجعلهم أكثر قابلية للبحث عن جنة آمنة في اليمن».
ومن هذا المنطلق، أوضح محمد بن نايف أن الحكومة السعودية تستخدم مواردها المالية لتحظى بدعم القبائل اليمنية من خلال برامج العمل العام، وخصوصاً بوصفها طريقة للحد من الفوضى على طول الحدود السعودية اليمنية.
هذه المعطيات لا يمكن فصلها عمّا أظهرته وثيقة ثانية (09RIYADH670) التي نشرها موقع ويكيليكس في وقت سابق، وأظهرت مساعد وزير الداخلية السعودي، قبل أشهر، وتحديداً في أيار من عام 2009، يتحدث أمام المبعوث الأميركي الخاص إلى باكستان ريتشارد هولبروك عن «وجود مشكلة لدينا اسمها اليمن»، متحدثاً في السياق عن «تمكّن تنظيم القاعدة من إيجاد أرضية خصبة في اليمن»، مقارناً من جديد التشابه بين طبيعة اليمن الجغرافية وأفغانستان، إضافةً إلى حديثه عن وجود العديد من اليمنيّين المتعاطفين مع أهداف تنظيم القاعدة، أكثر مما كان الأفغانيّون متعاطفين معه.
بعدها انتقل محمد بن نايف إلى الحديث عن الخطر الثاني الذي يرى أن السعوديين يواجهونه في اليمن، ألا وهو الحوثيون، قائلاً «القبائل الحوثية تكفيرية وشيعية مثل حزب الله في الجنوب (اللبناني)». وأضاف «هذا تهديد يتكوّن حول السعودية، ويتطلب أفعالاً الآن».
وفيما كان محمد بن نايف يجزم بأن اليمن دولة فاشلة «وخطيرة جداً جداً وتتطلب التركيز»، لفت إلى أن السعوديين يرغبون في أن يكون الرئيس اليمني قائداً قوياً، لكن «رؤيته لليمن تقلصت إلى صنعاء، ويخسر السيطرة على باقي البلاد». وأشار محمد بن نايف إلى أن «مستشارِي صالح القدامى رحلوا، وهو يعتمد الآن على نجله وشبان آخرين ممن لا يملكون علاقات جيدة مع القبائل اليمنية، على عكس السعودية، التي لديها علاقات جيدة مع القبائل».
وفيما نفى محمد بن نايف أن تكون السعودية تقدّم مساعدات إلى اليمن من خلال الدفع النقدي منذ تبين أن الأمر ينتهي بها في المصارف السويسرية، في إشارة واضحة إلى الفساد المستشري في الدولة اليمنية، لفت إلى أن السعوديين يدعمون المشاريع في المناطق القبلية، حيث تختبئ القاعدة، مشيراً إلى أن الهدف الرئيسي من وراء ذلك يتلخّص في أنه «عندما يرى اليمنيون الفوائد الملموسة لهذه المشاريع، سوف يدفعون قادتهم إلى نبذ المتطرفين». وأضاف إن «السعودية تعوّل على هذه الاستراتيجية «لإقناع اليمنيين بأن ينظروا إلى المتطرفين كمجرمين، عوضاً عن الأبطال».
ورؤية محمد بن نايف لليمن، لا تختلف إلى حد بعيد عن رؤية رئيس الاستخبارات السعودية مقرن بن عبد العزيز، وفقاً لما أظهرته الوثيقة رقم (09RIYADH445). فخلال لقاء مع مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي، جون برينان، في 22 آذار 2009، لمناقشة قضايا مكافحة الإرهاب وعدد من المواضيع الأمنية الإقليمية، تحدث الأمير مقرن عن الحدود المشتركة بين اليمن والسعودية، لافتاً إلى أن وجود 1200 كيلومتر من «تلال من الرمال والجبال» يضطر السعودية يومياً إلى إعادة ما بين 5 ـــــ 6 آلاف عابر للحدود بطريقة غير شرعية.
وبعدما رأى مقرن بن عبد العزيز أنّ الرئيس اليمني «لا يملك الموارد»، اتهمه بأنه «يحصل على المساعدة من إيران وليبيا»، مشدداً في السياق نفسه على خطر تنظيم القاعدة الذي يتعرض لضغوط في أماكن أخرى و«ينقل عملياته إلى اليمن».
من جهته، رأى وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، خلال لقاء مع السفير الأميركي جايمس سميث، في الوثيقة الرقم (09RIYADH1396)، أن الحكومة اليمنية قابلة للانهيار.
ورداً على سؤال من السفير الأميركي، عن تقويمه للوضع في اليمن، وصف الفيصل حكومة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بأنها ضعيفة ومحاصرة، لافتاً إلى أن الوضع أصبح أكثر تعقيداً بسبب تحدي القبائل التي لطالما ساندت الحكومة سابقاً في الشمال، وبسبب تسلل الإرهابيين وعناصر القاعدة، وتدخل إيران و«الآخرين»، من دون أن يحددهم، قبل أن يرى أن «الانتخابات في اليمن لم تسهم سوى في تفاقم الانقسامات القبلية، وجعلت التعامل مع المشاكل الاجتماعية والتنموية الساحقة قي البلاد أكثر صعوبة»، مشيراً إلى أن «السعودية لديها برنامج مساعدات كبير مع اليمن، لكنها لم تتمكن من التغلب على القبلية».
وأكد أن الحكومة اليمنية ستنهار ما لم يحصل الرئيس اليمني على مساعدة لمواجهة التمرد الحوثي، الذي رأى أن مشكلته لا يمكن حلها بالمفاوضات، وذلك قبيل دخول القوات السعودية طرفاً في المعارك ضد الحوثيين خلال الحرب السادسة. كذلك رأى الفيصل أنه يجب على الحكومة استرضاء الانفصاليين الجنوبيين، وإلّا فستنهار، ما سيكون بمثابة «كابوس» للسعودية.
بدوره، تحدث مساعد وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلطان، في الوثيقة نفسها، عن أن وجود القاعدة في الوضع الأمني المتدهور في اليمن، يمثّل «التهديد الخارجي الأكثر خطورة» للسعودية. وأضاف «اليمن أرضية أفضل بكثير بالنسبة إلى القاعدة، لديهم الحرية في شراء الأسلحة، القبائل تغيّر تحالفاتها غالباً، وهي قريبة من الحدود السعودية»، لافتاً إلى أنه طلب من الأميركيين زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية، وخصوصاً «ما كان يحدث في العلاقة بين الحوثي ـــــ والقاعدة».
كذلك تتحدث الوثيقة عن اقتناع سعودي بدعم إيراني للحوثيين، رغم إدراك مساعد وزير الدفاع السعودي أن الأميركيين لا يوافقونهم الرأي. وقال «نحن نتفهم أنكم لا توافقون»، مشيراً إلى أن «ليبيا أيضاً ترسل المال».
ورداً على سؤال عمّا يمكن القيام به في اليمن، آخذاً بالاعتبار الوضع الحالي، قال خالد بن سلطان، إن والده «ولي العهد سلطان، يفهم القبائل جيداً جداً، حيث إنه يتولى هذا الملف منذ عام 1962». وبعدما اعترف بوجود مخاوف من قدرة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح على التعامل مع تحديات مختلفة من الجنوب، والقاعدة في جزيرة العرب، والحوثيين، رأى خالد بن سلطان أن «السعودية ليس لديها من خيار سوى دعمه».





أظهرت وثيقة تعود إلى عام 2007 (07RIYADH366) أنّ ولي العهد السعودي، الأمير سلطان حثّ الولايات المتحدة على إيلاء دعم أكبر للأمن على طول الحدود مع
السعودية.
وحذر من وجود مجموعات ناشطة في اليمن، بعضها مرتبط بالقاعدة وتموّله جهات خارجية، بما في ذلك ليبيا وإيران.
ورغم تمتع اليمن والسعودية بعلاقات جيدة، طلب الأمير سلطان من الولايات المتحدة دعم الرئيس اليمني، مشيراً إلى أن الدعم الصحيح من مختلف الأطراف، سيؤدي إلى تقليص الخطر الذي تمثله هذه المجموعات.
من جهة ثانية، أظهرت الوثيقة أن ولي العهد السعودي لم يتردد في التأكيد أن إيقاف بث قناة المنار على القمر الصناعي عرب سات هو «واجب لن تتردّد السعودي في المساعدة على القيام به»، رداً على طلب من المسؤولين الأميركيين من ولي العهد لاستخدام نفوذ السعودية لوقف بث قناة المنار .




أظهرت وثائق تحدثت عنها صحيفة «واشنطن بوست» عن قلق دولي من ازدياد نفوذ تنظيم القاعدة في اليمن، فيما رأى عضوان في مجلس الشيوخ الفرنسي في برقية بعثا بها إلى وزارة الخارجية الأميركية العام الماضي أنه لا يزال هناك متسع من الوقت لإنقاذ البلد من أن يصبح قاعدة للتنظيم، رغم إشارتهما إلى أن مئات التابعين للقاعدة ينشطون حالياً في اليمن ومعظمهم أتوا من الخارج.
من جهته، حث رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني في وثيقة من الدوحة الولايات المتحدة على دعم صالح، لكن مع التشكيك في تأكيداته، وقال «بعد 11 أيلول 2001 أحبت أميركا أن تسمع أن الدول تحارب القاعدة، إلّا أنه ليس على القادة أن يخوضوا معاركهم الخاصة ويقولوا إنهم يحاربون القاعدة».
إلى ذلك، نقلت الصحيفة عن الناطق باسم وزراة الخارجية الأميركية، مايك هامر ، قوله «إن الولايات المتحدة تدين بشدة أي كشف غير مشروع لمعلومات سرية لأنها تدمر مساعيها الدبلوماسية، وتعرّض أمن الأفراد للخطر وتهدد الأمن القومي».