لم ينته موسم زيت الزيتون بعد. لا يزال الكثير من المزارعين يُراهنون على إمكانية تصريف منتج «زراعتنا الوطنية»، آملين أن يتجنّبوا خسائر «التكديس» المتكررة في المواسم السابقة.

تغطي أشجار الزيتون نحو 536 ألف دونم من الأراضي اللبنانية، أي ما يعادل 31% من المساحات الزراعية في لبنان، فيما تقدّر الإحصاءات المنشورة على الموقع الإلكتروني لوزارة الزراعة وجود أكثر من 14 مليون شجرة زيتون.

ويشكل مزارعو الزيتون نسبة كبيرة من المزارعين في لبنان، إذ تصح مقولة أن «كل مزارع في لبنان هو مزارع زيتون»، على حد تعبير المعنيين في وزارة الزراعة، الذين يقدّرون عدد مزارعي الزيتون بأكثر من 110 آلاف مزارع من أصل 169 ألف مزارع في لبنان، وفقاً لإحصاءات عام 2015.
يختلف الإنتاج السنوي للزيتون بين سنة وأخرى، ويراوح بين 50 ألف طن للموسم السيئ و190 ألف طن للموسم الجيّد. ثلث الكميات المنتجة تُستخدم في استهلاك المائدة المنزلي، فيما تُستخدم بقية الكميات لإنتاج زيت الزيتون. يراوح حجم إنتاج زيت الزيتون بين 6 آلاف طن و16 ألف طن حسب الموسم.
آلاف العائلات اللبنانية تستفيد من زراعة الزيتون، إلا أنها تُعاني موسمياً من هاجس تصريف الإنتاج. هذا الهاجس لن يتبدّد، بحسب المعنيين، إذا لم تُتَّخَذ خطوات إصلاحية للقطاع تهدف إلى خفض الكلفة.
يُقدّرمتوسط سعر «تنكة» الزيت المنتج لهذا الموسم، بـ150 ألف ليرة لبنانية، إذ تختلف الأسعار بين منطقة وأخرى، وهنا «أصل المُشكلة»، على حدّ تعبير رئيسة دائرة البرامج في وزارة الزراعة ماجدة مشيك. تقول إن من شأن اختلاف الأسعار بين المناطق بحجة اختلاف كلفة الإنتاج أن يعزز الاستنسابية في التسعير، لافتة إلى أنه قد يصل سعر التنكة إلى 250 ألف ليرة. لماذا لا تتدخّل الوزارة إذاً لتوحيد الأسعار؟ تقول مشيك إن «الوزارة لا تستطيع إجبار أي مزارع بسعر محدد». من يتولّى إدارة القطاع إذاً؟ في الواقع، تتولى بعض الاتحادات والتعاونيات المختلفة في المناطق الإدارة «المحلية» للقطاع، على قاعدة مبادرات فردية تضمن مصالح «المنتسبين» إلى هذه «التجمّعات». هذه المراكز، وإن كانت «مباركة» من وزارة الزراعة، إلا أنها لا «تؤوي» جميع المزارعين، وبالتالي لا «تُنقذ» الواقع الذي يشوبه الكثير من المشكلات في ظل غياب سياسة دعم الدولة وغياب القوانين التي تحمي خصوصية المنتج اللبناني، ولعلّ ما يزيد مشكلة تصريف الإنتاج سوءاً منافسة بعض المنتجات الأجنبية المستوردة.

عمليات إدخال الزيت إلى لبنان ممنهجة «ومش تهريب»

يؤكد رئيس الفرع الزراعي في الاتحاد الوطني العام للجمعيات التعاونية في لبنان جورج قسطنطين العيناتي، دخول كميات كبيرة من الزيت المستورد إلى لبنان في الأيام الماضية، «وهذا واضح في الكتاب الموجّه من وزارة الاقتصاد إلى وزارة الزراعة». غالبية الزيت المستورد تأتي، بحسب العيناتي، من سوريا التي «أنتجت نحو مليون طن من حب الزيتون، وهو الموسم الأقوى في تاريخها»، لافتاً إلى وجود مشاكل في تصريف الإنتاج في المناطق الرئيسية السورية، ويجري التعويض عنه في الأسواق اللبنانية. يبلغ سعر التنكة التي تصل إلى لبنان أقل من 50 دولاراً، وهي «أقل من كلفة قطاف حبات الزيتون اللازمة لتنكة الزيتون في لبنان»، بحسب العيناتي الذي يشير إلى ارتفاع أجر اليد العاملة للقطاف.
تنفي مشيك مسألة إغراق السوق، وتعتبر أن المزارعين يبالغون في الأمر لتبرير ارتفاع الكلفة، من دون أن تنفي أن العمل في هذا القطاع هو من «الأعلى كلفة في القطاعات الزراعية». وتُضيف في هذا الصدد أن وزير الزراعة أكرم شهيب أصدر في 18/11/2015 قراراً يقضي بضرورة أخذ الإذن لأي جهة تريد استيراد زيت الزيتون. ولكن أليست وزارة الاقتصاد تتولى هذه المهمة؟ لا، تجيب مشيك، لافتة إلى تضارب الصلاحيات بين وزارتي الزراعة والاقتصاد في هذا المجال، مشيرة إلى أن الأخيرة تسمح بالكثير من الاستيراد، الذي من شأنه أن يؤثر في القطاع.
وفيما تقول مشيك إن الزيت المستورد الموجود في الأسواق «مهرّب»، يؤكد العيناتي أن عمليات إدخال الزيت إلى لبنان ممنهجة «ومش تهريب»، لافتاً إلى أن معظم المتابعين لهذا القطاع لا خبرة لهم في الزيتون، وينظرون إلى القطاع على أنه يحقق لهم الربح ويقدمون خدمة لمستوردي الزيت.
من جهته، يقول رئيس تعاونية قطاع الزيتون في حاصبيا إسماعيل أمين، إن السبب الرئيسي لتكدّس الإنتاج هو «غياب الحماية»، لافتاً إلى إذن الاستيراد الذي تمنحه وزارة الاقتصاد لاستيراد الزيت الذي «يُسهم في إغراق السوق».
الموسم في حاصبيا لم يكن جيداً هذا العام، يقول أمين، لافتاً إلى أن الإنتاج لم يتجاوز 37% من مجمل إنتاجه الاعتيادي، ويُضيف: «المشكلة هي وفرة الإنتاج، إذ تنتج حاصبيا 37% من مجمل إنتاج الزيت، إلا أن أهالي المنطقة لا يتعدون 70 ألف نسمة، وبالتالي من الطبيعي أن يتكدّس الإنتاج في ظل التنافس الحاصل».
في حاصبيا، كما في بقية المناطق، غالبية المستفيدين من القطاع هم نفسهم المقيمين في المنطقة. يقول أمين لو أن وزارة الزراعة تقدّم دعمها لمنتج زيت حاصبيا «عبر شهادات تترجم بملصقات تشير إلى جودة المنتج» لكان «فرق النوعية غلب معدلات الكمية»، مشيراً إلى أن «طبيعة الأرض في حاصبيا بعلية وبعيدة عن التلوث، إضافة إلى طبيعة الأشجار الرومانية التي تعطيها خاصية مميزة».
تقول مشيك في هذا الصدد إنه لا توجد منطقة تمتاز بجودة دون أخرى، «نوعية البكر الممتاز للزيتون ليست حكراً على منطقة دون أخرى»، إلا أن هناك «نكهات يعتادها المستهلك وتُضحي عرفاً».
وتشير إلى وجود مراكز لفحص جودة الزيت. هل هو إلزامي؟ تجيب: للبضائع التي ستُصدّر إلى الخارج فقط، أما المزارعون الراغبون في التأكد من جودة منتجاتهم، فلديهم الخيار بالقدوم إلى المركز لإجراء الفحص.
يقول العيناتي إنه لا مجال للمقارنة بين الزيت المستورد والزيت المنتج محلياً، لافتاً إلى أن معظم الشركات الموردة للزيت تعتمد على زيادة الكمية على حساب النوعية، وإلى أنّ «عمليات حقن الزيتون بهرمونات عقود الزهر على نطاق كبير، كذلك أدوية مكافحة الأعشاب والأسمدة الكيماوية بشكل مفرط، فضلاً عن حقنها بهرمونات إسقاط الثمر، فيما شجر الزيتون في لبنان هو زيت شبه عضوي يقوم على أراضٍ بعلية».