تأخر كتابي الأول، وهو المجموعة القصصية «السير في الحديقة ليلا» («دار شهدي» - 1984) سنوات عدة ولأسباب لا علاقة لها بالنشر. كان ميسوراً أن تصدر المجموعة قبل ذلك بسنوات عدة، خصوصاً أنها تضم قصصاً كُتبت ونُشرت بين كانون الثاني (يناير) 1970 وشباط (فبراير) 1976، أي أن هناك ثماني سنوات تفصل بين تاريخ آخر قصة في المجموعة والنشر في كتاب.


ويرجع السبب الرئيس لتأخر النشر الى الموقف الذي كان قد اتخذه أغلب الكتاب والفنانين المصريين من حكم السادات الذي كان قد تولى الرئاسة عام 1970، وفي العام التالي مباشرة قام بانقلاب القصر الشهير، والذي أطاح من خلاله بمن أُطلق عليهم أيامها «مراكز القوى»، وسرعان ما انقلب السادات على كل ماهو إيجابي في المرحلة الناصرية، وقام بتصفية كل المكاسب التي كان الشعب المصري قد انتزعها على أصعدة مختلفة في السياسة والاقتصاد. وفي الثقافة قام أيضاً بانقلاب عنيف، فقد أطاح بكل القيادات، ليس على المستوى الوزاري فحسب، بل على مستوى رؤساء مؤسسات النشر والمؤسسات الصحافية والثقافية المختلفة وأجهزة الإعلام، وعادت الى الوجود الأسماء المعروفة برجعيتها الشديدة وعدائها للثقافة القومية واليسارية مثل عبد القادر حاتم وجنرال الثقافة المعروف يوسف السباعي وغيرهما كثيرون.
كان الموقف التلقائي الذي اتخذه أغلب المثقفين والكتاب الوطنيين هو مقاطعة تلك المؤسسات، أكرر أن موقف المقاطعة كان تلقائياً، أي أنه بات مستقراً أن الكاتب الذي يحترم نفسه ويدافع عن شرفه ككاتب لا يتعامل مع «المؤسسة» بوجه عام. والمعاصرون لتلك المرحلة، خصوصاً كُتّاب الستينيات والسبعينيات تعاملوا مع منابر النشر بوصفها منابر موبوءة، وغالى البعض واعتبر النشر فيها – مجرد النشر – خيانة!، وهكذا رفض الكثيرون النشر على مدى ما يقرب من العقد، وكاد المتنفس الوحيد أن يقتصر على صحف ومجلات ودور النشر البيروتية والبغدادية.


اخترت اسم المجموعة من قصة نشرتها في مجلة «الطليعة»، وتعود إلى تجربة حدثت لي أثناء تجنيدي في الجيش المصري

أما في مصر فإن الموقف التلقائي تمثّل في التعامل فقط مع الكاتب الراحل عبد الفتاح الجمل، المشرف على الصفحة الأدبية في جريدة «المساء»، وهي صحيفة مسائية محدودة الانتشار وذات مكافآت بالغة الهزال، ومع ذلك اعتبرها كتاب مثل أمل دنقل وابراهيم أصلان ومحمد البساطي وسيد حجاب صحيفة محترمة، وكانت هذه الصفحة بمثابة غاليري طليعي في الأدب والفن ، بل إن الجمل كان يرسم الصفحة ويصممها بالقلم الرصاص والمسطرة بنفسه، والى جانبها اعتبروا ملحق مجلة «الطليعة» الشهرية اليسارية التي تصدرها مؤسسة الأهرام مكاناً محترماً، ووافقوا على النشر فيها حتى تم إغلاقها أو تحويلها الى مجلة للشباب وعلوم المستقبل، عندما اتخذت موقفاً مؤيداً للشعب المصري في تظاهرات الطعام عام 1977.
ومع ذلك فإن الظاهرة الأهم والتي استوعبت جُلّ الإنتاج الأدبي طوال عقد السبعينات هي ظاهرة «الماستر»، فقد حدث تطور طباعي بالغ الأهمية تمثّل في إمكانية الطباعة بطريقة التصوير، ولتفادي اعتراض الرقابة وأجهزة الأمن كان من الممكن كتابة عبارة واحدة على الغلاف هي «كتاب غير دوري»، وصدرت بهذه الحيلة عشرات المجلات التي تضم قصصاً وأشعاراً ومقالات نقدية إلى جانب النصوص القصصية والشعرية المفردة.
وهذا ما جرى معي شأني شأن الكثيرين، فقد اعتبرتُ أن منابر النشر وأجهزة الإعلام بوجه عام لا ترقى لمستوى التعامل، وأن القائمين عليها أما على صلة مباشرة بأجهزة الأمن أو أن مستواهم المهني والفكري بالغ الضحالة والانحطاط. كانت المرحلة بكاملها مرحلة منحطة، ولايشرّف الكاتب التعامل معها. وأكرر مرة ثانية أن هذه المقاطعة كانت تلقائية تماماً، ولم يكن وراءها حزب أو تنظيم أونقابة من أي نوع. نشرتُ قصصي الأولى في صحيفة «المساء» وملحق «الطليعة» الأدبي ومجلة «المجلة» قبل أن يجتاحها التتار الجدد ويغلقوها، إلى جانب مجلات ومطبوعات «الماستر» مثل «مصرية»، و»خطوة»، و»الثقافة الوطنية» وغيرها وغيرها.
أما إصدار مجموعة قصصية فقد استبعدته تماماً، على الرغم من أهميتها بالنسبة لي في ذلك الوقت. كنت أعتبر (أنا وأغلب كُتاب الستينات والسبعينات أن المسؤولين عن دور النشر الحكومية – وكلها حكومية – ) أقل من أن نسمح لأنفسنا بالتعامل معهم والنشر فيها، أتحدث هنا عن الفترة الممتدة من 1972 وحتى اغتيال السادات عام 1980.
وفي بداية حكم مبارك عام 1981 بدا وكأن الأمور في طريقها للتغيير ببطء شديد، وكان قد بدأ حكمه بالإفراج عن ما يقارب 1500 من رموز الحركة السياسية والفكرية والثقافية، مثل حسنين هيكل ونوال السعداوي وفؤاد سراج الدين على سبيل المثال فقط، وامتدت التغييرات هنا وهناك في مؤسسات الصحافة وأجهزة الإعلام.
وبعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ حدثت مصادفات متزامنة عدة، فقد كسبت السيدة روكسانا أرملة الشهيد الشيوعي شهدي عطية الشافعي قضية كانت قد رفعتها قبل عدة سنوات ضد وزير الداخلية بصفته بسبب تعذيب شهدي حتى الموت أثناء اعتقاله عام 1959، وحُكم لها بإلزام وزير الداخلية بدفع تعويض مالي ضخم. وفي الوقت نفسه كان الكاتب رؤوف مسعد قد عاد من بيروت التي كان يشتغل فيها بالصحافة وقرر أن يستقر في مصر، ويبدو أن السيدة روكسانا كانت تعرف رؤوف فتبرعت بالمبلغ المالي المحكوم لها به ليفتتح داراً للنشر تخليداً لاسم زوجها الراحل، وكان أول إصدارات الدار كتاباً مهماً هو «الجريمة» الذي ضم وقائع اغتيال الشهيد وحكم المحكمة. كما اصدرت الدار عدداً مهما آخر من الأعمال الفكرية والإبداعية.

تأخر النشر بسبب الموقف الذي كان قد اتخذه أغلب الكتاب المصريين من حكم السادات حينها

واتفق صديقي الكاتب الشاب -أيامها- ابراهيم عبد المجيد مع رؤوف على أن يعهد إلينا – أنا وابراهيم – بسلسلة للقصة القصيرة نكون مسؤولين عنها ولأنني كنت قد تأخرت كثيراً في إصدار كتابي الأول، فقد اتفقنا أن يكون العدد الأول هو مجموعتي «السير في الحديقة ليلا». طبعاً كل هذا بلا مقابل مادي، بل أن الفنان الكبير بهجت عثمان أهدى للدار الوليدة تصميماً بديعاً للسلسلة وللغلاف.
ومثل مشروعات ثقافية عديدة في ذلك الزمان لم تستمر طويلاً لأسباب لا مجال لذكرها الآن، وصدر من السلسلة المشار إليها عددان أو ثلاثة ثم توقفتْ وتوقفتْ الدار نفسها بعد ذلك بوقت وجيز. أما المجموعة ذاتها فقد قسّمتها الى ثلاثة أقسام وفق تصور يقوم على: أولاً استبعاد عدد كبير من القصص التي نشرتها في تلك الفترة، ولُحسن الحظ أن هناك عدة سنوات فَصَلت بين الكتابة والنشر في الصحف والمجلات والنشر في كتاب وهي السنوات التي ينضج الواحد خلالها بسرعة ويمتلك الشجاعة الواجبة للاستبعاد، وثانياً قمت بترتيب المجموعة زمنياً أي الأقدم ثم الأحدث، وأخيراً حرصتُ على أن أضم القصص التي تصورتُ أنها يمكن أن تشكّل معاً وحدة ما أو عالماً مشتركاً على مدى الأقسام الثلاثة: بحر البقر، يوم طويل ، السير في الحديقة ليلاً.
اخترت اسم المجموعة من قصة نشرتها في مجلة «الطليعة»، وأصل القصة يعود لتجربة شخصية حدثت لي عندما تم تجنيدي في الجيش المصري بعد تخرجي عام 1972، وفي أعقاب اندلاع حرب اكتوبر 1973 تم تكليفي مع عدد من الجنود بتوصيل جثامين الجنود الشهداء الذين يتوفون متأثرين بجراحهم في المستشفيات الى مقابر الشهداء (هذا هو اسمها فعلاً) بدلاً من تسليمهم لذويهم لأننا في حالة حرب. وأتذكر جيداً أن مقابر الشهداء هذه كانت تضم أشجاراً قوية وارفة فقد أنشئت عام 1954 ونُقل إليها رفات شهداء حرب فلسطين، ثم دُفن فيها شهداء حروب 1956 ثم حرب 1967، وأخيراً حرب 1973. كما أتذكر أيضاً، وبسبب ظروف الحرب، أنه كان متوّجباً علينا أن نسلّم جثامين شهدائنا ليلاً.
حظيت المجموعة بعدد وافر لم أتوقعه من المتابعات والمقالات والدراسات النقدية، ليس في مصر وحدها، بل في عدد من العواصم العربية في بيروت وبغداد والكويت وغيرها. ولا يعود هذا الاهتمام والحفاوة الشديدة لأهمية المجموعة في حد ذاتها، فقد لعبت الظروف المحيطة بالنشر دوراً في لفت الانتباه إليها. ربما كان اسمي معروفاً لدى البعض بسبب انخراطي في السياسة، كما أنني خلال السنوات الثماني الفاصلة بين الكتابة والنشر كنتُ قد نشرت بالطبع عدداً كبيراً من القصص التي شكّلت المجموعات اللاحقة، هذا إلى جانب دار النشر ذاتها التي حملت اسم الشهيد شهدي عطية الشافعي، والتعويض المادي الذي أنفق على الدار وحده كان يشكّل إدانة لأجهزة القمع. أظن أن كل هذا ساهم إلى هذا الحد أوذاك في الاهتمام النقدي والحفاوة التي استقبلت بها المجموعة.