الفتاة العشرينيّة المنشغلة بالانتظار، كما يبدو من هيئتها، لم تعر انتباهاً للسيدة الخمسينيّة التي تجاورها المقعد في المقهى، بل حتى إنّها لم تنتبه لوجودها أصلاً، رغم أنّ السيّدة لم ترفع عينيها عنها منذ دخولها المتعجّل قبل نصف ساعة.

كانت تبدو مرتبكة لحظة دخولها. تلفتّت حولها مراراً قبل أن تختار طاولتها، ثمّ أوشكت على السقوط وهي تبعد الكرسي عن الطاولة لتجلس. وحين اقترب النادل منها تردّدت كثيراً بشأن ما تريد أن تشربه، فبعدما طلبت منه أن يحضر لها فنجان قهوة، نادته مجدداً لتعدل عن ذلك وتطلب منه كأساً من الكابتشينو، قبل أن تغيّر رأيها من جديد وتكتفي بكأس من عصير البرتقال البارد.

لم تحتج السيّدة الخمسينيّة أكثر من تلك الملاحظات لترتسم على شفتيها الغائرتين ابتسامة خافتة وتدرك أنّ الفتاة تواعد شابّاً، في الغالب هو حبيبها، وتأكّد حدسها وهي تراقب نظرات الفتاة المتعلّقة بباب المقهى، واضطراب أصابعها العابثة طيلة الوقت بهاتفها النقال. تفاصيل لطالما أدمنتها السيدة خلال مراحل عمرها. إنّها أكثر من خبر الانتظار ولحظاته الصعبة، هي تعرف تماماً كيف تمضي الثواني ثقيلة ريثما يصل الحبيب، وتعرف جيّداً كيف تتعرّق الأصابع وترتجف الأوصال أثناء ذلك، وكيف يخفق القلب بوجل لحظة وصوله. لكنّها أيضاً باتت تعرف ما هو أكثر من ذلك بكثير، إنّها تعرف متى لن يأتي، الأمر شبه المستحيل لمن ينتظر، فلو عرف أحدنا أنّ من ينتظره لن يأتي لاكتفى بالخيبة دون ألم الانتظار. وهذا ما دفعها بعدما رأت الشابّة تطلب رقماً عبر هاتفها عدّة مرّات، دون أن يجيبها أحد، وبعدما رأت علامات الانفعال والغضب على وجهها الطفوليّ إثر كلّ اتصال خائب، لأن تنهض من مكانها، وبخطوات هادئة متثاقلة دنت من الشّابة، وجلست إلى جوارها بادئة الحديث إليها دون استئذان:
_ لا تجعلي الأمر ينال منك. المحبّ لا يتأخّر عن محبوبه. عليكِ ألّا تقعي ضحيّة الوهم.
وقبل أن تبادر الفتاة بالحديث إلى المرأة، وقد اتسعت عيناها دهشة، تابعت المرأة:
_ لا داعي لأن تقولي شيئاً. أعرف ما يحدث، وما الذي تشعرين به. هي المرارة دون شك، ولكن عليك تخطّيها. ليس في الحياة ما يستحق حزنك، والرجل الذي يجعلك تنتظرين لا يستحقّ مشاعرك. لن أروي لك كمّ الخيبات التي مررت بها، ولن أقصّ عليك حكايات انتظاراتي الطويلة، أعرف أنّ وقتك ثمين ولن يتّسع لكلّ تلك الحكايات، لكنّي لن أبخل عليك بخلاصة ذلك كلّه.
تحوّلت نظرة الفتاة إلى نظرة اهتمام، وفضول كبير لما ستقوله بعد ذلك المرأة التي التقطت اهتمام الفتاة، فاتّسعت ابتسامتها، واكتست نبرتها هدوءاً وجديّةً يؤكّدان خبرة السنين الطوال، وهي تتابع:
_ إنّ ما تبذله إحدانا تجاه من تحب لم يوجد بعد رجلٌ يستطيع فهمه. سبق أن عشت الانتظار حتّى ملّني، قبل أن أقتنع أنّه دون جدوى. سأقول لك باختصار، من يحبّك حقّاً لن يتأخّر عن المجيء. المحبّ يحمله شوقه إليك، فيصل باكراً، وهو من ينتظر. الرجل الذي لا يجيب على مكالماتك المتكرّرة لا يستأهل أن ترتجف أوصالك بسببه.
قالت المرأة عبارتها الأخيرة بعدما لاحظت أنّ الفتاة طلبت الرقم ذاته أكثر من مرّة وهي تصغي إليها، وازدادت توتراً لأنها لم تلق ردّاً. وهذا ما دفعها أن تمضي بنصحها أكثر، ممسكة يدها بحنوّ، وهي تؤكّد لها:
_ عليك أن تهدئي يا صغيرتي. بالتأكيد لا أقصد أن تتخلّي عن الحب، إنّه معنى الحياة. ولكن لا تحبّي من لا يثمّن مشاعرك، وهذا الذي تنتظرينه...
_ أنا يا سيّدتي...
_ لا تقولي شيئاً، أعرف كلّ ما تفكرين به، وما تودّين قوله، وسبق لي أن قلته قبلك مراراً. لطالما ردّدت أنّي أنتظر من أحبّ، وسأنتظره لأني أحبّه. ولطالما كنت مبدعة في ابتكار الأعذار له عن تأخره. لكنّي تعلّمت بعد ذلك أنّ ما أقوم به هو جهد إضافيّ، لا يمكن لرجل أن يعرف قيمته، وهو ما يجعله غير جدير به. إنّك اليوم يا صغيرتي...
لم تكمل السيّدة عبارتها، إذ قاطعها رنين الهاتف بيد الفتاة التي سارعت لتردّ بلهفة دون اعتذار منها، وبعد ثلاث كلمات قالتها نهضت مسرعة، حاملة حقيبتها، وتوجّهت للسيّدة بكثير من اللطف:
_ آسفة عليّ أن أذهب حالاً. أقدّر لطفك، وكنت أودّ الاستماع أكثر لما تقولينه، لكن عليّ اللحاق بموعدي، إنّه يومي الأوّل في العمل. كنت أنتظر وصول السيّد المدير إلى مكتبه. أنا مرتبكة جداً، تمنّ لي التوفيق.
قالت الفتاة ذلك، وغادرت المقهى بسرعة، تاركة السيّدة خلفها يتلبّسها شعور ممضّ بالخيبة، فعادت إلى طاولتها بخطوات متثاقلة، وجلست تنظر إلى ساعتها بانكسار. لقد مضت ساعة ونصف منذ وصولها إلى المقهى، في الموعد الذي أبرمه لها صديقها الجديد عبر الهاتف، شربت خمس فناجين من القهوة ولم يأت.
دنا النادل منها بعد برهة يسألها إن كانت تريد شيئاً
_ شكراً. سأمشي الآن.
قالت وهي تنهض مستعدّة للمغادرة، لكنّها ما لبثت أن عادت للجلوس وهي تنظر إلى ساعتها، وتحدّث نفسها: «لا بأس سأنتظر نصف ساعة إضافية، لا بدّ أنّ أمراً ما يعيق وصوله».
أعادت طلب رقمه للمرّة العاشرة، إلّا أنّه لم يجب أيضاً، فوضعت هاتفها على الطاولة بأصابع مرتجفة، ونادت على النادل لتطلب منه فنجان قهوة جديد.
* كاتب سوري