مع الوقت تترسخ آثار السياط. قد لا تغادر الجلد أبداً، وربما تصير شجرة كتلك التي نبتت على ظهر سيث بطلة رواية «محبوبة». تلك صورة عن أدب توني موريسون بمجمله: شجرتها الشاهقة في الرواية الأميركية التي وثّقت لكافة محطات الأفارقة في أميركا عبر 10 روايات، وصلت بإحداها إلى ما قبل عصر العبودية في أواخر القرن السابع عشر. لم تتوقف صاحبة «نوبل» (1993) عن العودة إلى ذلك التاريخ الأفريقي المريع.


هاجسها يكمن في تهدئة تلك الحيوات التائهة، مفتتة الروح السوداء الجماعية إلى قصص حميمية خافتة. العبودية، قبل السوط، هي ثقب في القلب. كذلك هم الأبطال في روايتها الجديدة «ليكن الله في عون الابنة» (Knopf ــ نيويورك). كأن أجسادهم انكمشت كرد فعل على تجاهل العيون لها. أحدث أمنيات موريسون «أن يصيب رصاص الشرطة في أميركا، ولو لمرة واحدة، رجلاً أبيض في ظهره». قالت ذلك لـ «دايلي تيلغراف» عام 2015 لا في 1955، ونالت ما نالته من تعليقات عنصرية. أمنية تلامس جرائم تشارلستون وفيرغسون وبالتيمور، وأحداث العصر الذي تدور فيه الرواية بين 2007 و2008 في كاليفورنيا. روايتها الحادية عشرة، لا تحاكي شعور الامتنان الجماعي لأميركا التي أنجبت أول رئيس أسود. هي أكثر من ذلك، دعوة للارتماء في تساؤلات عصر الاحتفاء المفاجئ بالبشرة السوداء.
تستفيق الرواية على ذعر الأم من لون ابنتها. تلك التي خرجت من بين ساقيها ذات لون أسود كـ «منتصف الليل». بهذا النفور، تلاقي الأم مولودتها الجديدة «برايد» التي ستقطع المسافات والطرقات هرباً من هذه الذكرى. الأم «سويتنس» ما زالت مسكونة بتاريخ كان يستخدم فيه إنجيلان مختلفان في أميركا. ورغم جلدهما الفاتح، لم يسمح لوالديها بلمس ذلك المخصص للبيض. خوف جيني؟ ربما، وعلى الأغلب هو الذي دفع «برايد» إلى القيام بما لا يتمناه أحد كي تحظى بلمسة من أمها. ماض سيبقى نقطة مروّسة في حياتها العملية الجديدة رغم نجاحها في مجالي الجمال والموضة. وما كان عقدة الطفولة سيصبح مصدراً للقوّة على قاعدة الجملة الاستهلاكية المقززة Black is Beautiful.


تسليع الجسد الأسود في
العصور الحديثة، وتوظيفه في إعلانات ربحية رهيبة

في مجموعته الفوتوغرافية «مُسلّع»، يظهّر الفنان الأميركي الأفريقي هانك ويليس توماس موضة تسليع الجسد الأسود في العصور الحديثة، وتوظيفه في إعلانات ربحية رهيبة. جسد برايد يبدو خارجاً لتوه من هذه المجموعة. نجاتها من حلم بيكولا في الحصول على عينين زرقاوين (رواية «العينان الأكثر زرقة»)، لا تحمي «برايد» من الوقوع في حلم أشدّ تعقيداً. تقارب موريسون نوعاً لا مرئياً من العرقية المعاصرة، يمكن أن تترجم بتعبير جيمس بالدوين عن هالة «الرجل الأبيض الذي يسكن في كل واحد منا (كان يقصد السود)» ويكاد يكسر عنق صاحبه للالتحاق بالمعايير الجمالية والثقافية «البيضاء» بحثاً عن وجود في المجتمع. هل تخلصت برايد من هذا؟ ربما ستفعل لاحقاً بعد أن تنتزع عنها الثوب الأبيض الذي لا يفارق جسدها. بعيداً عن المقاطع السردية في أقسام الرواية الأربعة، يستطرد الأبطال في مونولوغات طويلة، طريقهم إلى الماضي. أسلوب موريسون في استنطاق شخوصها بشفافية هو فخ آخر لتوريط القارئ. سينتظر أن تغص حنجرة أو تتعثر باعتراف ما، لكن ذلك التدفق لن يدعو إلا إلى التشكيك بحجم الاعترافات نفسها. لغة موريسون لا تزال نابضة، تخفف من الذكريات التي بحجم الصخر. وتكسرها في كثير من الأحيان المشاهد التصويرية الشاعرية التي تحتفظ بمساحة للقلب. ومن اطمأن إلى اعتقاده بأنها تعيش مع أشباح أسلافها، سيدهش بحساسيتها الدقيقة في محاكاة المجتمع الأميركي المعاصر. ترتدي الروائية الثمانينية عيوناً شابة لرصد الصدمات النفسية والجسدية لشخصياتها التي تعيش في منظومة لا تعترف سوى بالجمال الخارجي وبالتحصيل العلمي. بهذه الهواجس تحيط موريسون «سويتنس»، و«راين»، و«بروكلين»، و«سوفيا» و«بوكر» عشيق «برايد»، الذي يتساوى معها في صدمة الطفولة. الشاب الأسود المحطم الهش الذي قُتل أخوه الأكبر بعدما اختفى في ظروف غامضة، لا يزال عالقاً في تلك الحادثة. تتفرع من هاتين القصتين قصص أخرى هامشية، تستثير تساؤلات لم تشفَ من ثيمات موريسون الأثيرة عن الحب والرغبة، والذنب والطبقية والتمييز العرقي والجنسي وظروف الأفارقة الأميركيين. يعلق بوكر دراساته الأفريقية الأميركية لأنها لا تحيط بالجانب الاقتصادي للعبودية، منصرفاً إلى دراسة الاقتصاد. وإذا كان القالب اليومي الذي تضع فيه موريسون قصتها، خفيفاً بعض الشيء، إلا أن نواياها ليست بريئة على الإطلاق. نظرة الأم النافرة التي تلاحق «برايد» دائماً، هي رمزية لهالة التاريخ التي بترت أرواح السود. رغم قالبها الزمني الحاضر، إلا أنّ الرواية ممسوسة بصدمة الـ «عبد» الأفريقي الأول في أميركا التي تعادل صدمة الطفولة في الرواية. خطورة العرقية الحديثة أنها لم تعد تقال. إنها ليست على مقاعد الباص الخلفية، ولا في حق التصويت. القضية بالنسبة إلى موريسون أشبه بحالة وجود ثابتة وربما مجردة، أن تكون أسود... ملاحقاً دائماً بقلق يبعثه الجلد الذي تسكنه. ولعلها لم تنته من ذلك قريباً، إذ تكتب حالياً روايتها الثانية عشرة التي قالت انها ستكون أحد أفضل أعمالها حين تنشر عام 2016. لا تنزعج موريسون ممن «يتهمها» بالكتابة عن المجتمع الأسود، إلى درجة تكريس أدبها كله لأبناء جلدتها. «عندما كنت طفلة في أوهايو، لم أطلب من تولستوي أن يكتب لي. لذا لا أعرف لماذا يطلب مني هذا. إذا أردت أن أكتب رواية «عالمية» فستكون كالماء. من جهتي، هناك فقط ناس سود البشرة. عندما أقول ناساً، لا أقصد سواهم».