باريس | «ماذا جنيتُ حتى أصبح أسود وحزيناً؟» غنّى لويس آرمسترونغ بعدما وصلت إلى مسامعه «نكتة» القديس بطرس الذي رأى ثلاثة رجال يصلون الى بوابة الجنة. واحد منهم كان أبيض، وآخر«مولاتو» والأخير زنجي. سأل القدّيس الأبيض: ما هو أكثر شيء تريده؟ فقال: المال. وسأل المولاتو: وأنت؟ قال: الشهرة. وحين التفت إلى الأسود وقبل أن يهمّ بالسؤال، بادره بابتسامة عريضة: أنا فقط أحمل حقائب السادة.


يقول برنارد وولف: «يروقنا أن نصوّر الأسود وهو يوجّه إلينا ابتسامة تكشف كامل أسنانه، وابتسامته كما نراها - وكما نصنعها- دائماً تعني العطاء». الأعطيات بلا حساب، على امتداد الإعلانات في القرن الماضي وعلى شاشات السينما وعلب المواد الغذائية. الرجل الأسود يُعطي السيدة «الألوان الكريولية الداكنة»، الزجاجات المعطرة للحمّام، مُلمّع الاحذية، الملابس البيضاء كالثلج، الكراسي المريحة، موسيقى الجاز، الرقص المحموم، و«الخالة جميما» الطبّاخة الزنجية السعيدة بعبوديتها تُلقي النكات والقصص اللطيفة عن الأرنب برير لتسلية الأطفال. الابتسامة ترافق الخدمة طوال الوقت، مُعلّبة ومسوّقة لإبعاد خطر القصاص والندم، إنها القُبْلة التي تُجمّل الكارثة. الأسود الذي أهين وجُوّع، وكان بإمكاننا في أي لحظة الإمساك به وضربه وقتله من دون تقديم أي عذر لأحد، كان يُرادُ له أن يظل مبتسماً في حداده، هامداً حين تسأله طفلة بيضاء في أحد الإعلانات «لماذا لا تغسلك أمك بصابون فيري؟».


تُطوّع اللغة وتشحنها بإمكانية
دلالية غير متوقعة لتقود شخصياتها نحو الخلاص والتطهّر

صرخ سارتر في كتابه «أورفيوس الأسود»: «ماذا تتوقعون حين تنزعون الكمامة عن تلك الأفواه السوداء؟ هل تظنون أنّهم سيهتفون بحياتكم؟ هل كنتم تعتقدون أنّكم حين ترفعون هذه الرؤوس التي أحناها أجدادنا عنوة، ستجدون الحب في أعينهم؟». وتغنّى إيمي سيزير بالزنوجة باعتبارها «إنكار نكران الرجل الأسود». ذلك لم يكن لإعلان تفوقها بقدر ما كان لجعلها تستعيد مكانتها وتعلن إنسانية جديدة: «أنا أتحدث عن الملايين من الرجال الذين غُرس فيهم بدراية وفطنة فائقتين الرعب ومُرّكب النقص والارتجاف والركوع واليأس والعبودية» نقرأ في كتاب سيزير «خطاب عن الاستعمار». حيز تتحرك فيه كتابات الروائية الأميركية توني موريسون (1931) كثمرة رحلة متمهلة في أرجاء الذاكرة، حين كانت للسود طرق خاصة وعربات في آخر القطار ومقابر نائية. وإذا أخطأ أحدهم طريقه كما حدث لهيلين إحدى شخصيات روايتها «سولا» (1973)، فإنه يُهان أمام مرأى ومسمع الجميع. تركب هيلين العربة الخطأ، وحين تنتبه أنها وسط البيض، تعتذر من قاطع التذاكر «لقد أخطأت يا سيدي. هذا كل ما في الأمر». لكن الجنود يحيطون بهيلين المذعورة التي تجر طفلها إلى حضنها. يجتاحنا أسى طازج ونعجز عن الوقوف بثبات بعد تناول جرعة مُطوّلة من سرد موريسون.
منذ باكورتها «العينين الأكثر زرقة» (1970)، نراها تنسج أرضية أدبية باهرة ترصد التمييز العرقي وتروّضه بجوقة مكونة من أصوات نساء زنجيات وبنبرة وعرة متشظية، تعكس خوف أميركا، بل خوف المجتمع الأفرو- أميركي نفسه من استرجاع ذاكرة60 مليون إنسان قضوا تحت الرصاص ولسعات السياط في عالم الأسياد الذي يتألق ببروده الساحق وجبروته المُنتصر. موريسون التي بنت رواياتها بعيداً من الصورة التي تعمل على تنميط شخصية ووجود الإنسان الأسود، تُفاجئنا وهي في منتصف عقدها الثامن بإصدار روايتها الحادية عشرة «ليكن الله في عون الابنة» وكنا نتخيلها تعتني بالزهور وتشاهد قناة BBC AMERICA «لأن نشراتها الإخبارية تخلو من أي إعلانات للأدوية ومستحضرات التجميل».
الروائية الأيقونة التي قدّمت نفسها كـ «نصف غربية، نيويوركية، نيوجرسية، أميركية، أفرو -أميركية، وامرأة» وهي تتسلم جائزة «نوبل» 1993 ولدت في مدينة صناعة الحديد «لورين» في مقاطعة أوهايو الأميركية وسط عائلة كادحة. كان والدها يعمل لحّاماً، ووالدتها تغنّي في الجوقة الكنسية. ورغم اعتماد الأسرة في بعض الفترات على المساعدات الغذائية - أو ما كان يطلق عليه آنذاك «الإغاثة» ــ إلا أن موريسون قاومت التوقّعات المُحبِطة وأنهت دراساتها العليا لتعمل أستاذة في جامعة «برينستون» الأميركية المرموقة ومحررة في فترات مختلفة من حياتها في بعض الدور الأميركية ولاسيما دار «راندوم هاوس».
تتميز صاحبة «جاز» (1992) بقدرة هائلة على تجاوز الخسارات الشخصية، الحياة دائماً هي هنا والآن. تقول واصفة اندفاعها المحموم إلى الأمام «الكتابة تمنحني الطاقة والقدرة على مواصلة الحياة بشغف». شرعت في كتابة «عيون أكثر زرقة» وكانت تعتني وحيدة بطفليها وتستيقظ في الرابعة صباحاً للكتابة قبل الذهاب إلى العمل. لكنها غنت الانفصال والابتعاد واعتبرت أنّ الطلاق «يخدم ارتقاءنا الفكري والنفسي عندما ننظر إليه كمحض خبرة نافعة لنا - بعد أن تكون ذكراها قد تضاءلت - وليس أكثر من هذا». عندما احترق منزلها الذي كان مُشيّداً بجانب ضفة نهر وفقدت كل مخطوطاتها ووثائقها، بنت لاحقاً منزلاً جديداً مكانه. وعندما توفّى ابنها سليد متأثّراً بالسرطان -وكان الاثنان قد تعاونا قبلاً في إنجاز الكثير من الروايات المخصّصة للأطفال- انغمست في كتابة روايتها «وطن» (2012)، تقول: «كنت غارقة في دوّامة الحزن على فقدان ابني ولم أكن أتوقّع أن حزني سيخفّ يوماً ما. لكنني أدركت لاحقاً أنّ آخر شيء كان ابني يتمنّاه أن يراني غارقة في نوع من الانشغال النرجسي بحزني الشخصي الذي قيّد إمكاناتي ومنعني من الكتابة وعمّق من التأثير المنسيّ لخساراتي السابقة».
برباطة جأش لنا أن نصفها بأنها غير بشرية، كتبت موريسون رواية «محبوبة» (1987ـــ جائزة بولتيزر ــ 1988)، حيث تذبح سيث ابنتها الصغيرة خوفاً من أن تُساق إلى العبودية، لكنها تظل مسكونة بشبحها حتى تلتقي مراهقة غامضة لديها ندبة عميقة في الرقبة. تُطوّع موريسون اللغة وتشحنها بإمكانية دلالية غير متوقعة لتقود شخصياتها نحو الخلاص والتطهّر. في روايتها «جنة» (1997)، تبدو منهمكة في صناعة أسئلة وأجوبة غير منتهية، تُسقط فيها ملاحظات شخصية وتاريخية. تأخذنا إلى عمق أوكلاهوما حيث شيّد السود في الخمسينيات مدينة «روبي» الصغيرة، لينسوا بصقات البيض ونظراتهم الدونية. لكن سرعان ما ينهار حلم الإلدورادو حين يفرض الذكور نظامهم السلطوي «البوريتاني»، ويحتقرون بدورهم أصحاب البشرة المختلطة الأقل سمرة. هل معرفتنا بسيئات البيض تكفي لجعلنا أفضل منهم؟ نكاد نرى ابتسامة موريسون الجانبية وهي تصف المحروم الذي يبدأ في المطالبة بالمساواة ثم ينتهي بسحق الجميع.
ليس على الأسود أن يعيش متغلغلاً في سراديبه، مقطوعاً عن هواء العالم وليس عليه أن يتوق للذوبان في عالم البيض. يحكي المفكر المارتينيكي فرانز فانون في كتابه «بشرة سوداء أقنعة بيضاء» قصة فولكلورية عن قروي يعود إلى عائلته بعد أشهر قليلة قضاها في المتروبول، يتحدث الفرنسية مدعّياً أنه لم يعد يفهم لغة الكريول. حين يذهب الى المزرعة مع والده ويجد بعض المعدات الزراعية، يسأله مستنكراً: ماذا تسمون هذه الآلات؟ فيلقي الأب آلة حديدية على قدمي ابنه بعنف ليتلاشى فقدان الذاكرة. علاجٌ راديكالي نجد نظيره في رواية موريسون «ليكن الله في عون الابنة» (Alfred A. Knopf) حين تنجب امرأة تنعم مع زوجها بالامتياز النسبي الذي يوفره لهما لون بشرتهما الفاتح، طفلة شديدة السواد: «لم يستغرق الأمر أكثر من ساعة بعدما سحبوها من بين ساقيّ، حتى أيقنت أن ثمة شيئاً خاطئاً» تقول الأم سويتنس بمزيج من الرعب والقساوة: «كانت سوداء لدرجة أنها أرعبتني. كانت بسواد منتصف الليل، بسواد السودانيين». يهجر الأب العائلة متهماً زوجته بالخيانة وتكبر الصغيرة لولا آن يعتصرها العار وعذاب النقص، تصلّي كي تصفع أمها وجهها أو تضربها لتشعر بلمستها. تقول: «رحت ارتكب الأخطاء عمداً، لكنها كانت تملك الوسائل لمعاقبتي من دون أن تلمس الجلد الذي تكرهه».
يأتي الفصل الافتتاحي للرواية هوليوودياً مُسطّحاً: نلتقي بلولا آن وقد اختارت لنفسها اسماً جديداً «برايد» وأصبحت شهيرة في عالم مستحضرات التجميل. تخبرنا موريسون أنها ترتدي اللون الأبيض المثير الذي يجعل بشرتها تتألق، وتقود سيارة «جاغوار» وكانت على علاقة بمطربي راب ورياضيين محترفين. حسناً، علينا أن نسلك ممرات السرد المتشابكة لنجد نبرة أكثر صدقاً حين تتحدث برايد عن حبيبها بوكر «أخبرتُه كل شيء: كل خوف، كل ألم، كل ما حققته مهما كان صغيراً. حين كنت أتكلم معه، تظهر أشياء كنت قد دفنتها وتبدو جديدة وكأني أراها لأول مرة». تخليص الرواية من أي شخصية رئيسية مهيمنة وتوزيع «الحياة» ولو بشكل غير متكافئ على الشخصيات، يكشفان عن الملامح الخاصة لبوكر المتذبذب بعد فجيعة مقتل أخيه الأكبر على يد متحرش بالأطفال. غير قادرٍ على التصالح مع عائلته التي تحاول أن تتجاوز الحادثة، يهجر بوكر والديه وأشقاءه، وسيهجر برايد أيضاً مُحطِماً إيمانها بسطوة جمالها وقوة إرادتها، لتعود «الفتاة السوداء الصغيرة الخائفة» يحاصرها تقريع أمها «لتبقي رأسها منخفضاً ولا تتشاقى»، و«لتعرف أن لونها وصمةٌ ستحملها دوماً».
التناغم بين الخلفية الاجتماعية للعاشقَين تحمل بعضاً من البنية الموسيقية لرواية «جاز». تتجلى الموسيقى كأغنية عن حب نستطيع استعادته وجرح نازف يرفض الالتئام، لكنه يتحدانا حتى نضع صورة لعالم أفضل. نحن أمام شخصيات تنتفض من ذكرى أو ندم وتتولى سرد حيواتها من دون مقدمات بمونولوغ فريد يلغي السياق الزمني. هذا التشتيت للحكايات الصغيرة يأتي متماهياً إلى حد كبير مع ذاكرة لا تزال آثارها متفشية كالمرض، لكن لمسات السرد السوريالية تحوّلها إلى قصص نحكيها لأنفسنا كي ننام. تبدأ برايد بفقدان شعر جسدها، ويختفي نهداها وتصبح أصغر فأصغر كأنها سقطت في حفرة الأرنب الأبيض. تتسارع وتيرة الزمن وتطوّقنا ألغاز الأخوين غريم حين تمشي برايد طفلة ذاهلة في الغابة لتلتقي حبيبها عبر طريق «يبدو مرسوماً بريشة طفل صغير، حيث البيوت الزرقاء الفاتحة، البيضاء أو الصفراء، بأبوابها الخضراء بلون الصنوبر أو الحمراء بلون الشمندر، تتناثر بسعادة على المرج الواسع»