تشابهت الأوراق التي تكدست على طاولة المدرسة، في تدويرة الشمس وانحدار الهضاب وسكينة البيوت وضحكة الأطفال الراكضين خلف طائرات الورق... إلا ورقتي، غمرها السواد!

رفعت مدرّسة الرسم الورقة، فأجبت: هذا منزل الطفلة إيمان حجو التي مزقت القذيفة أحشاءها، ثم انهمرت ببكاء محرق، وتوقفت عن الكلام.
بقيت الصورة الأخيرة لأحشاء إيمان حجو الممزقة تدق جدران قلبي كبندول ساعة ملح لا يهدأ. قضمة الخبز التي كانت في فمي سقطت في حنجرتي فخلفت جرحاً عميقاً لا يلتئم. وعاد جرح الخبزة حين رأيت صورة علي المحترق يئن كآلام الأضراس.

ليلة النار

انسحب الوالدان إلى غرفتيهما بعدما ألقيا النظرة الأخيرة على طفليهما واطمئنا إلى أن الله والملائكة يصونهما من الشرور. وقبل أن يطفئا النور ويناما، أخبرت ريهام، سعد، بما فعله علي في الصباح:
احزر يا سعد شو قال علي اليوم؟
ــ شو؟
قال بدي بثكوته وحليب... ووقف حد الشباك واشر ع الدجاجات، وقال ماما عم يقولو كوكو ريكو.
غمرت السعادة قلب سعد، فطفله الصغير ينمو ويكبر أمام عينيه مثل وردة، ثم أرخيا جفونهما وناما.

صلاة النار


«مجد أرض إسرائيل يا يهوى، أبناؤها ورجالها، تقبل قرباننا انتقاماً لموسى وأرضنا أرض الميعاد، وامنحنا السلام كي نكون سعداء... أيها الرب المجيد».
أفرغوا تنكة مازوت كاملة بزجاجات وضعوها في صندوق، ثم ساروا بهدوء. على خصر كل منهم بندقية ومطرقة. وصلوا إلى البيت. حطموا نوافذه ثم رموا داخله المازوت وأضرموا النار قبل أن يهربوا.
تهاوت الخزائن على الأرض واحدة تلو الأخرى، بعدما التهمتها ألسنة اللهب، التي امتدت فقضمت البومات الصور كالفئران.
يا علي! مزقت صرخة الأم الدخان، فركضت تطفئ جسد علي الصغير بيديها المشتعلتين ثم تهاوت على الأرض نصف جثة هامدة.

علي بجوار إيمان


كان عنا شجرة قدام البيت... نلعب في فياتها ونعمر بيت، ينشد علي لإيمان، أغنية كان ينام وأمه تنشدها. تربّت إيمان فوق روحه: «لا تحزن يا علي، فإن المقاومة معنا».