فتحت المبادرة الروسية الأبواب واسعة أمام التواصل بين الأطراف المعنية بالأزمة السورية. فقد علمت «الأخبار» أن لقاء أمنياً سعودياً ــــ سورياً عُقد في اليومين الماضيين في موسكو. فيما تردّد أن رئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك وصل الى الرياض أمس، برفقة ضابط روسي رفيع، لحضور لقاء أمني سعودي ــــ روسي ــــ سوري. والزيارة، إن صحّت، هي الثانية لمملوك بعد أولى في تموز الماضي التقى خلالها ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.


والى اللقاءات السرية والزوار الخليجيين الذين يصلون الى مطار دمشق بعيداً عن الأضواء، يتواصل الحراك الدبلوماسي العلني. فقد شهدت عُمان، أمس، أول زيارة رسمية لوفد سوري (برئاسة وزير الخارجية وليد المعلم) الى دولة خليجية منذ بدء الحرب. في السلطنة ــــ مدخل التفاهمات وباب الجميع ــــ سيجلس على الكرسي ذاته السوري والسعودي والايراني واليمني، بمختلف أطيافه.
ولكن، فيما يبدو الروس والأميركيون معنيين باستمرار التواصل وحمايته، على قاعدة التزام كل الأطراف بأولوية الحل السياسي، فإن الخلافات العميقة بين الأطراف المعنية تجعل الحديث عن تسويات قريبة أمراً مبكراً جداً.
مصادر متطابقة من دمشق ومسقط وطهران أكّدت لـ «الأخبار» أن «لا تسوية قريبة رغم زحمة المبادرات التي أوحت أخيراً وكأن الأمور تقترب من خواتيم سعيدة». وأوضحت المصادر المطلعة على أجواء زيارتي المعلم الى طهران ومسقط بأن «كل ما يجري من مبادرات وتبادل أفكار وزيارات مكوكية، ليست إلا قصفاً خلّبياً، بمعنى أن لا إصابات محققة ولا نتائج لها بعد». ولفتت الى أن «المواقف لا تزال متباعدة الى حد كبير، وموازين القوى في الاقليم متكافئة ومتعادلة بما لا يسمح بوجود رابح وخاسر، ولا إرادة دولية لفرض حلّ من دون موافقة اللاعبين الاقليميين».


طهران: إصرار على
بقاء الأسد وإبقاء التواصل البري مفتوحاً من طهران الى بيروت


وأشارت المصادر الى أن «شبه التفويض» الذي أعطته واشنطن لموسكو للبدء بحراك سياسي، يقوم أساساً على مجموعة قواعد أهمها: أولاً، أولوية مكافحة الارهاب؛ ثانياً، حتمية الحل السياسي؛ وثالثاً، خروج كل الأطراف الاقليمية، وتحديداً ايران والسعودية وتركيا، بمكتسبات من مثل هذا الحل.
هذا في الخطوط العريضة، ولكن في التفاصيل يسكن الشيطان. صحيح أن حراكاً لافتاً أعقب هذا «التفويض المشروط»، بدءاً بزيارة مملوك الأولى للرياض، مروراً باللقاء الروسي ــــ الايراني ــــ السوري في طهران واللقاء الأميركي ــــ الروسي ــــ السعودي في الدوحة، وصولاً الى المبادرة الايرانية وجولة محمد جواد ظريف العربية وزيارتي المعلم الى طهران ومسقط. لكن الصحيح، أيضاً، بحسب المصادر، أن بوناً شاسعاً لا يزال يفصل بين مواقف كل الأطراف المعنية بالأزمة السورية بما «لا يبرّر كل هذا التفاؤل». وتوضح المصادر مواقف الأطراف كالآتي:
ــــ واشنطن مع حل سياسي من دون الرئيس بشار الأسد مع عدم الممانعة في مشاركته في مكافحة الارهاب.
ــــ روسيا مع حل لن يكون إلا بوجود الأسد حتى انتهاء ولايته الرئاسية على الأقل.
ــــ الرياض، خصوصاً بعد الاتفاق النووي الايراني، تصرّ على حل متزامن في اليمن وسوريا ينتهي بخروج الأسد من اللعبة وبمكتسبات للسعودية تجعلها دولة ذات نفوذ في اليمن وسوريا ولبنان، يعادل النفوذ الذي يعطيه الاتفاق لطهران في الاقليم.
ــــ أنقرة مع حل يسقط الأسد وينتهي بمكتسبات لمصلحة تركيا بما يسمح لها بإقامة منطقة آمنة في الشمال السوري وبمحاربة الأكراد مقابل تسييل استثمارها الضخم في دعم تنظيم «داعش».
ــــ طهران مع حل يقوم على ثابتة أساسية عبّر عنها المرشد الأعلى السيد علي خامنئي في خطبة عيد الفطر بالتأكيد أن ايران لن تتخلّى عن حلفائها لا قبل الاتفاق النووي ولا بعده. الترجمة الحرفية لهذا الكلام: الاصرار على بقاء الأسد وإبقاء التواصل البري مفتوحاً من طهران الى بيروت مروراً بالعراق وسوريا.
تؤكّد المصادر أن أياً من كل هؤلاء المعنيين بالأزمة ليس ضعيفاً الى الحد الذي يجبره على التراجع عن مواقفه وطموحاته، «وعليه لا ينبغي الاغراق في التفاؤل وبذل الرهانات»، مشيرة الى التصعيد العسكري السعودي في اليمن واشتداد المعارك في سوريا وايعاز السعودية لحلفائها في لبنان بالتصعيد عبر «تهريبة التمديد لقائد الجيش بما يوحي بإزالة مظلة الاستقرار الدولي التي كانت تغطي هذا البلد في السنوات القليلة الماضية». وعليه، تؤكّد المصادر أن «الأولوية تبقى لما يجري على أرض الميدان».