جمال الدين بن شيخ... المقيم بين ضفتين | أتساءل: لو كان جمال الدين بن شيخ لا يزال على قيد الحياة، كيف كان سينظر إلى ما يحدث في العالم العربي اليوم، وخصوصاً في سوريا التي تحوّلت إلى مسلخ بشري قلّ مثيله في التاريخ؟ منذ التسعينيات من القرن الماضي، ومع تنامي الحركات الإسلامية المسلّحة في الجزائر، كان بن شيخ يخشى أن ينزلق العالم العربي نحو الهاوية. وكان يحمّل الأنظمة الحاكمة، والقوى الإقليمية والدولية التي تحميها، المسؤولية الكبرى في هذا السقوط، إذ يعتبر أنّ تلك الأنظمة هي التي أيقظت بإفلاسها واستبدادها غرائز العنف وعبّدت الطريق نحو التطرّف والإرهاب. كان يعي أيضاً أنّ المعركة طويلة وأنٌ للثقافة فيها دوراً كبيراً.

حين قُتِلَ الفيلسوف وعالم الاجتماع جيلالي اليابس عام 1993، في مرحلة الاغتيالات والتصفيات الجسدية التي عرفتها الجزائر وطاولت عدداً من الكتّاب والمثقفين، كتب بن شيخ مقالات عدّة نُشرت في الصحف والمجلاّت الفرنسية عبّر فيها عن غضبه وعن قرفه، ومنها مقال بعنوان «أن تكون عربياً وأنت في العشرين من العمر»، وقد ورد فيه: «أن تكون عربياً وأنت في العشرين من العمر ولا تقول إنه العمر الأجمل.

أن ترى بيروت مهدّمة، وبغداد محاصرة، والقاهرة والجزائر غارقَين في حروبهما الداخلية، وفلسطين التي أنكروا وجودها، ولا تأخذ أيّ أمثولة من اليأس. أن تكون في العشرين من العمر وأنت من دون تأهيل ولا مسكن، تجول في شوارع مكتظّة ولا تصدّق حرفاً مما تقوله الأنظمة العاجزة المستبدة. أن تكون عربياً وتتذكر أنّ بشار بن برد، أبا نؤاس، الحلاج، ابن خميس، ابن زيدون والسهروردي ماتوا قتلاً، وأنّ ابن مسرّة، ابن حزم وابن خلدون حكم عليهم بالنفي. أنّ كُتب طه حسين والشيخ علي عبد الرازق ونجيب محفوظ صودرت، وكذلك «ألف ليلة وليلة»، وهذا الوضع مستمرّ حتى اليوم»... الظروف التي كُتبت فيها هذه الكلمات منذ قرابة الربع قرن لا تزال قائمة وبوتيرة أكثر عنفاً.
في هذا المقال، كما في مقالات أخرى كثيرة، كشف بن شيخ عن إحساسه العميق بالفاجعة التي تضاعفت حتى اليأس في السنوات الأخيرة من حياته، خصوصاً مع تصاعد موجة التطرّف الديني، والأثر الذي تتركه في الإسلام بصورة عامة. أما علاقته بالإسلام فيختصرها بالآتي: «الإسلام الذي أنتمي إليه هو إيمان وليس سلطة، أخلاق لا سياسة. أنادي بروحانيته ضد نزعة الطغيان والتسلّط، بعيداً عن تلك الفئة التي تتحدث باسم الدين وتعمّق الهوّة بين الإسلام والغرب». من هنا جاءت دعوته إلى «إنقاذ الثقافة العربية لتحرير الإسلام» ودراسة الظروف التي نما الإسلام في كنفها والكشف عن جذور الحداثة في موروث ثقافي يستند إلى الفكر العقلاني في قراءة الواقع لا إلى التأويل الديني. ويذكر ضمن هذا الموروث أسماء عدّة عانت هي أيضاً من أحكام الفقهاء ومن الاستبداد الديني بصورة عامة. من تلك الأسماء، على سبيل المثال، أبو العلاء المعري وابن رشد وابن خلدون وعبد الرحمن الكواكبي وقاسم أمين وغيرهم من الذين دعوا إلى تَوافُق الدين مع العلم وليس العكس.
جمال بن شيخ شاعر وباحث وأكاديمي ومترجم، بنى مسكناً ثقافياً له بين ضفتي المتوسط، أي على مفترق الثقافات. وهذا ما تجلّى في نتاجه بكامله وفي مساره الأكاديمي بصفته أستاذاً في جامعة «السوربون» وفي «كوليج دو فرانس». في هذا السياق، ساهم في التعريف ببعض أوجه الثقافة العربية القديمة والحديثة، منذ كتابه «الشعرية العربية» الصادر عن دار «غاليمار» والذي يتمحور حول الشعر العربي ويقترح أسساً منهجية جديدة لقراءة الشعر، القديم والحديث على السواء، إلى ترجمة نماذج كثيرة من الشعر المعاصر لعدد من الشعراء العرب ومنهم أدونيس ومحمود درويش. أما الموضوع الذي كرّس له جزءاً مهماً من حياته فهو حكايات «ألف ليلة وليلة» التي ترجمها بالاشتراك مع المستعرب الفرنسي أندريه ميكيل، الكاتب والمتخصص في الحضارة العربية والإسلامية. وطالما كان يردد أمامنا أثناء انكبابه على إنجازها أنّ هذه الترجمة ستكون «ترجمة القرن الحادي والعشرين». وكانت هكذا بالفعل (صدرت عام ٢٠٠٥ عن دار «غاليمار»)، فيما ترجمة المستشرق الفرنسي أنطوان غالان كانت تراعي ذهنية القرن الثامن عشر ومفرداته واعتباراته الأخلاقية. أما ترجمة ماردروس في القرن التاسع عشر والتي استندت إلى طبعة بولاق فخضغت لمزاج المترجم الذي خرج عن النصوص الأصلية وعمل على إضفاء المزيد من المواقف الغرائبية والإباحية. ما يميّز ترجمة بن شيخ وميكيل أنها تراعي زمانها وتفيد من مكتسباته العلمية لا سيّما على مستوى الفكر النقدي والدراسات الألسنية، ولغتها هي لغة العصر الذي نعيش فيه، كما أنها تأخذ في الاعتبار العلاقة المتشابكة بين المحكيّ والمكتوب. وما كان ذلك ليتمّ لولا المعرفة العلمية الموسوعية التي يتميّز بها كلّ من بن شيخ وميكيل، ولولا تعمّقهما في الحضارة العربية والإسلامية وآدابها. هذه الترجمة هي أيضاً محصّلة عقود من العمل جمعت بين بحاثة وأساتذة جامعيين من جامعة «السوربون» و«كوليج دو فرانس»، وكان بين هؤلاء المتخصص في فن القصّ كلود برومون الذي تمثّل كتبه مرجعيات أساسية حول الموضوع. ولقد فرضت هذه الجماعة نفسها على المستوى الأوروبي بين الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وباتت تُعرف بِـ «مدرسة ألف ليلة وليلة الباريسية»، على غرار المدرستين الألمانية والإنكليزية.
في لقاء جرى في متحف «اللوفر» إثر صدور الترجمة، كان بن شيخ مريضاً ومتعباً، لكنه كان كعادته صافياً متّقد الحضور. كانت نظراته تسابق ابتسامته إلى من أحاط به من المقرّبين والأصدقاء الذين جاؤوا، تلك الظهيرة، ليحتفلوا به وبعمله. وكان فرحاً لرؤيته هذا العمل وقد رأى النور بالصورة اللائقة التي كان يترقبها دائماً. أذكر أنه عاد حينها إلى ما سبق أن ذكره في كتابه «ألف ليلة وليلة أو الكلمة الأسيرة» (دار «غاليمار»، 1988)، فقال إنّ «الليالي» هي أحد كنوز الثقافة العالمية وهي موسوعة عصرها، وما تشي به في الظاهر لا يكفي لاستيعاب تكوينها العميق والمركَّب. وهذا صحيح لأنها لا تنحصر فقط في بُعدها التعليميّ، بل تذهب أبعد من ذلك في سعيها إلى محاربة السأم الذي هو من أشدّ أعداء الإنسان...
في تصديره للترجمة التي وضعها لجزء من كتابي «عزلة الذهب» كتبَ يقول: «ستحتفظ أيدينا بعطور الحب التي هي الرسالة الوحيدة لأجسادنا المهدّدة». ألا تختصر كلماته هذه شيئاً من روحه وجمال صداقته؟ كان مشروعه الثقافي تجسيداً لرؤيته العلمية ولمزاياه الشخصية نفسها، أستحضرها الآن ويلمع في عينيّ بريق عينيه، هو النزِق، الحارّ، المتوتّر، الحنون، السريع الغضب، لكنه الغضب الذي يجلو الغموض ويكسر الأبواب المغلقة.
* شاعر وكاتب لبناني