جمال الدين بن شيخ... المقيم بين ضفتين | ما كنت أحسب الكتابة عنك شبه مستحيلة. اعتقدتُ بسذاجة أن عشر سنوات على رحيلك تكفي وأن النعش واراك إلى الأبد. غير أن الإجلال لك هو هو. أتراوح ما زلتُ بين الرغبة والرهبة. بين الثقة أن كلامي لائق بمقامك والخوف من النقص والعجز في الحديث عنك لأنك كنت هكذا لا تقبل البين بين، ولا العمل غير المتقن والكلام الفارغ من الروح والنبض والحياة.

أستاذي وصديقي، وأبي في كثير من الأحايين، حاضراً كنت في محطات مؤلمة من حياتي، مددت لي يدك حين تغلقت الأبواب أمامي. أريد أن أحدثك أولاً عن الإنسان فيك، والذي ربما لا يعرفه الآخرون بقدر معرفتهم بقيمتك ووزنك العلمي الأكاديمي.

حين التقيتك أو وقفت ببابك، كنت تلك الشابة التي لم تتجاوز العشرين ملتحفة خماراً جرّ عليها الرفض من لدن أساتذة آخرين.
نظرت إلي فقط أنت الذي كنت تقول عن نفسك إنك مسلم ملحدـ ودعوتني للدخول إلى فصلك بيد كريمة وحانية. فردت لي جناحك وأنا لقيطة هذه الحضارة العربية، تائهة عن دروب اللغة ولا أفهم حتى لِمَ واريت رأسي بخمار. كنت تقول لي إن الرحيل عن الوطن هو فقط موعد نضربه معه لاحقاً والحنين له ليس إلا وعداً بتحقق اللقاء.
ذهبت في الثامن من آب 2005. غادرت في نومك بعد مرض كان مستعجلاً استعجال البرق في أخذك. ذهبت من دون أن تسأل الله سؤالاً آخر أو أخيراً لأنك لطالما حاورته.
غادرت في صمت وهل يا ترى سمعت الملائكة ترتل كتابك «الإسراء والمعراج»، أو «لياليك» أو «الكلمة الأسيرة لشهرزاد»؟ هل رأيت عيون الأعمى تتفتح ويسقط منها البرد، وأنت تمر في نعشك ومن دون انقطاع يسقي طريقك بماء من نور؟
لقد ارتشفت الحرية من كفك وتحررت كلماتي في كلماتك ونضجت ذاتي في كتاباتك. كنت أنت الكيميائي وكنت أنا الحجر الذي خدرت معدنه.
رسمت يداك حروف الحياة في أركان الروح مني ونقشت أصابعك وجه قلبي وألقت في جبّه القصيدة. لم تعلمني حب إرم وعطورها فحسب والبحث عن الأحجار الكريمة والحرير والوشي وأسرار الاستبرق، ولم ترشدني فحسب إلى زمرد اللغة ولازوردها ولم تحك لي فقط قصة امرؤ القيس وموته مسموماً في زي حرير. عن ماذا سأحكي؟ هل عن ديك الجن الذي قتل زوجته معتقداً أنها خانته وبكائه إياها بعد ذلك بأجمل أبيات الحب العربية؟
لماذا أحكيك قل لي أستاذي؟ هل لكي تنبثق للحياة حباتٌ زرعها القدر في صحراء ضارية وراح لكي تشرق الحياة هنا وهناك في أرض روحي؟ كنت تقول لي اذهبي لبائع الألوان بشارع سوفلوه قرب البونتيون لكي تعايني اللون المعصفر وتَري أخضر الزمرد الذي كانوا يصنعون منه الملاعق، واذهبي إلى المعرض الفلاني حتى تعرفي ماهي الكأس فعلاً وما شكلها. افتحي خيالك. ارفعي رأسك وانظري نحو الأفق. سافري واخترقي الآفاق لمعرفة الأشياء.
نظرتك الحادة كانت تعلمني الغضب، والألغاز كنت تفجر الكلمات وتلقيها في وجه القدر، تراود الحياة من حلم لحلم، وتسقيها بطيب إرم ذات العماد تلك المدينة من مسك وعنبر وذهب وفضة التي بناها عاد لتكون لقومه جنة على الأرض. فتحت لي جريد القدامى لتُريني الماضي والمستقبل وتزيح الحجاب عن الألف أديم للجمال.
قلت لي: اقتلي الأب الآن.
ورفضت بقوة لأنك من هؤلاء الآباء الذين لا يموتون.
جعلت التاريخ والحضارة واللغة العربية ساحة تصرخ تغني ترقص تحب تحلم تأمل تعيش. أريتني حضارتي كفيلم فيلّيني عظيم. ألقيت عليّ حب اللغة والولع بالتراث، وها أنا أمشي على خطاك وأرى يدك التي كانت تهددني حين أخطئ، اليد نفسها التي تشجعني، وما زلت إلى اليوم أسألك وتجيبني. أغمض عيني ملياً حين لا أجد حلاً لترجمة كلمة أو لصياغة عبارة، وأفكر ماذا كنت ستقول لي. ماذا كنت ستفعل. لقد أنقذتني من أكثر من ورطة لأن ما لقنتنيه كنزٌ لا ينتهي ولا يقدر بثمن.
الآن أصبحتِ متفنّنة في عملك، «حرايفيّة» هذا جميل جداً، ولكن انتبهي لو اخترت هذه اللفظة عوض الأخرى لأصبت المعنى بالضبط، ولو صغت جملتك على هذا النحو لكان أحسن. هي أشياء صغيرة ولكن لا ينفع أن تنظفي بيتك دون أن تكنسي عتبتك. هكذا كنت تعلمني أسرار المهنة والحياة. اشتغلنا كثيراً في صالون بيتك في ساحة ليتيرن، بينما حبيبتك الرائعة وزوجتك كلودين تستقبل مرضاها في الغرفة المجاورة، وكنت بين الفينة والأخرى تتوقف وتحكي قصة زبيدة ومحمد والديكَ الكريمين. حينها كانت السكينة تعتري وجهك الذي يكون مثل الصقرعند العمل عادة. ويصبح صوتك كأنه نابع من بئر من الحزن، ويدك تلوح: هلمَّ معي إلى هذا الحلم.
«إذا ذهبت إلى الدار البيضاء... زوري سيدي عبد الرحمن وسيدي بليوط، زبيدة كانت تحبهما».
تنتهي الحكاية وتذهب لتنام في كنه الروح، ونعود للعمل. نشد الرحال من «ألف ليلة وليلة» إلى الجاحظ وأبو حيان التوحيدي، ومن المقدسي إلى ابن حوقل وصورة الأرض إلى ابن رسته و«الأعلاق النفيسة»، من «مصارع العشاق» إلى «طوق الحمامة» مروراً بكتاب الزهرة والهدايا للخالدين.
لم أقتلك يا أبي وأستاذي الشامخ، يا منْ علمتني أن أكون من أنا الآن الإنسانة الباحثة الشاعرة. يا من لقنتني كيف أبحث عن الحرية، كيف أحصل عليها وكيف أفهمها. يا من علمتني كيف أنير طريقي دون أن أبث الظلام في طريق غيري.
مدينةٌ لك أنا بالحياة والشعر والأدب والحب وكل ما هو جميل.
«اقتلي الأب»، قلتَ لي.
«لا... لأنك من الذين يحيون دائماً».
* شاعرة وباحثة مغربية مقيمة في باريس