ترجمة وتقديم محمد الحموي

خلفَ أربعة أبواب موصدة بإحكام في وجه الملل، تترادفُ قصائد كتّاب جائزة «فورورد» للشعر لهذا العام. باب أول يضم قصائد من خمس مجموعات شعرية ترشحت للائحة القصيرة وصدرت كلها عام 2014. باب ثان يضم قصائد أفضل المجموعات الشعرية الأولى وعددها ست لشعراء جدد. باب ثالث يضم أفضل خمس قصائد مفردة، وباب رابع يضم اثنتين وخمسين قصيدة محتفى بها.

الجائزة البريطانية العريقة التي أسسها الناشر والكاتب ويليام سيهارت (1960)، لها من السنين أربع وعشرون زهرةً تتفتح في الأجواء الرطبة الباردة هنا، وقد تفانت في تحمل ثقل تحكيمها في العقدين ونيف المنصرمين كوكبة من الشخصيات الأدبية والإعلامية والعامة، ربما من أشهرها في الأوساط المعنية: جون والش، شون أوبرين، سايمن آرمتج، كريستينا باترسن، كارول آن دفي وآلان جنكينز. هذا العام، يتنطح الإعلامي والكاتب المخضرم جيريمي باكسمن المعروف محلياً بـ»باكسو» لترؤس اللجنة لتحكيم المجموعات والقصائد التي نشرت العام المنصرم، والتي سيتم الإعلان عن أسماء الفائزين بجوائزها الثلاث في الثامن والعشرين من أيلول (سبتمبر) لهذا العام. لا تزرع قصائد هذا الكتاب نخلاً وارفاً في صحراء تتمدد بالتزامن مع امتداد النثر الملاري فحسب، بل تتابع فتح شبابيك واطئة للنهار الشعري الجديد الذي يتراخى في مقاهيه مشاهير من أمثال دافيد هارسنت (1942) الذي فاز أخيراً بـ»جائزة تي اس إليوت للشعر» عن مجموعته الشعرية الحادية عشرة «أناشيد النار»، ولويز غلك (1942) وهوغو وليامز (1942)، إلى جانب أسماء مثابرة مثل: هانا لو (1976)، مير محفوظ علي (1958)، نيال كامبل (1984) وأسماء أخرى يتم حتّ وتعرية أصواتها في فضاء ساحق لا يتوقف عن التجدد والتدفق.
يطل ملحق «كلمات» هنا على عشر قصائد منتخبة من الكتاب:

ند

(جون بيرنسايد - 1955)
أحياناً، عندما أراقبكِ عبرَ الزجاجِ،
تصلحينَ ماكياجكِ، أو تعقصينَ شَعْركِ إلى الخلف،
ألمحُ خيالاً عابراً لشخصٍ جديدٍ،
شخص ربما أحببتهُ لو لحدثَ والتقينا
والآن، بما أننا وصلنا إلى هنا، لا بدَّ أن اعترفَ
أنه، لو كانت الفرصةُ متاحة، لفضلتها عليكِ:
هذه الذاتُ المنطوية التي قد تسرقها كاميرا،
الروحُ التي تتشظى إن انكسرتْ مرآةٌ
و، حسب ما يقولون، تستغرقُ سبع سنواتٍ لتتعافى.
أحياناً أفكرُ لو كنتُ أنا وهي حرَّين،
ستبوحُ لي بأسرارٍ لم تشاركيني إياها؛
مع هذا، بما أني أفكرُ بالموضوعِ الآن، أقسمُ
إني رأيتها متلبسةً ترمقكِ بتلكَ النظراتِ الحميمةِ
كتلك التي يتبادلها العشاقُ، عندما لا يستطيعُ أحدٌ أن يرى
وحيثُ استدرتُ مبتعداً، لمصلحتنا كلنا،
لأنه واضح أنها تفضلكِ عليَّ.

قصيدةُ حبٍّ

(هوغو ويليامز - 1942)
أعتقدُ أنكِ على حق وأن الانفصالَ
سيكون شيئاً جيداً،
لكن بقاءنا مع بعضنا البعض
سيكون أيضاً شيئاً جيداً بدورهِ،
لهذا فأياً يكون قرارنا
سنكون على ما يرام. في ميزانِ الأشياءِ،
أميلُ نحو ألا أفعلَ شيئاً،
لكن مهما حدث فإننا سنتابعُ
رؤيةَ بعضنا البعض، أليسَ كذلك؟
لا أعتقد أن الأمر سيكون بذلكَ السوء،
وأعني أن نواعد أشخاصاً آخرين لمجرد التجديد،
وحتى قد نتعرف إلى شخصٍ
نطيق أن نكون معه لأكثر من نصف ساعةٍ،
على الرغم من أني أشك بالأمر بشكل ما.
تقترحُ علينا التجربة أن نتابعَ
شعورنا بنفس الشيء حيال كل الأشياء
بغض النظر عما يحدث. أنا أفعل هذا بطبيعة الحال.

السيدة والثعلب

(بياترس غارلاند - 1938)
أنتَ، أيها الثعلبُ، أنتَ الراقصُ في العتمةِ،
الملتقط خلسةً التوافه المتروكة جانباً،
لا تنظر إليَّ هكذا.
تضمُ شفتيكَ أمامي، قناص القمر،
منسحباً كإبرةٍ من بين الأسنانِ،
بأذنينِ كالأجنحةِ تنفردُ فوقَ العظْمةِ.
توقف عن قلقلةِ تلكَ الحماماتِ الغافيةِ
وأمسك بتحديقتي. أنتَ وحشٌ أكثرُ وسامةً
من أن تقيمَ في مدينة. باستطاعتكَ أن تحول امرأةً إلى ثعلب.
أريدُ أن أمسككَ، لاقط الفئران،
في معطفكَ الخلابِ المشبوكِ من الأحلام
أريد أن أدسَّ أصابعي في ثنياتكَ الفروية
وأن أتشبث جيداً عندما نذهب في جولةٍ صاخبةٍ.
وباستطاعتنا أن نوحد القوى، كاسر العظام:
سأطهو تلكَ الدجاجات لنا نحن الاثنين.
لهذا أرني رقصةَ الفوكستروت، معذب الفئران،
وسأعلمكَ رقصةَ الفالس البطيئةِ.
قبل أن تغيبَ في العتمةِ
دعنا نمضي في لعبةٍ مدوخةٍ ـ
أنت تضع قناعكَ الكرنفالي
أنا أضع فرو الثعلبِ الأحمر.

أم النجمِ الأزرق

(كيفن باورز - 1980)
قارنْ آثامي بهذا، على سبيلِ المثالِ،
أمي ترفضُ أن ألتقطَ لها صورةً،
دائماً ترفعُ يديها في اللحظةِ التي
تطقطقُ فيها العدسة، ما يجعلُ النظرَ خلفاً
إلى دليلِ حياتي الفوتوغرافي
قد يقْنعُ المرءُ بسهولةٍ
أني تربيتُ على يدٍ امرأةٍ
كان وجهها راحةَ يد.
الوضعُ ليس هكذا. أعرفُ أنها
في السبعينيات وضعتْ
نظارات كبيرة، جلستْ على ما يبدو غالباً
على أرائك ساج مقلدة رخيصة
لتُلتقط لها صور لأكثر من مرة واحدة، أحياناً
ترتبُ شعرها
على شكل أي موضة
كما كانت تفعل نساء عمال المصانع
في رتشمند
وكانت جميلة.
لكن بعدما علَّقت نجمها الأزرق قامت بتغطيتهِ
بالستائرِ. توقفت عن
الذهابِ إلى مصففِ الشعر
وصارت تعتني بالحديقةِ بدلَ ذلك.
وهو ما أعني به، أنها عندما كانت تستيقظُ
في منتصفِ الليلِ
كانت تقفُ في باحةِ البيت بثوبِ نومها
تحدقُ في كومة نباتات أزالية ميتة
تنتشرُ قربَ المنزلِ.
فيما بعد، توقفتْ عن النومِ.
فيما بعد أيضاً، شابَ شعرها.
كان لديّ صورة لها
داخل خوذتي، محشورة
إلى جانب صور أخرى.
أعتقد أنها مزيج
من قصاصات صور من
مجلة مكسيم
وقطعة بلاستيك عاكسة عليها صورة ثديي حبيبتي
وعليها ملاحظة تقول،
آسفة، للمرة الأخيرة، كن بأمان، قبلات.
حكتْ لي أمي
عن حلمٍ أتاها
قبل أن يهجرها النومُ. متُّ
وأيقظتها على جانبِ سريرها
لأقولَ لها إني متُّ، بالرغم من أنه لم يكن
عليّ أن أقول لها لأني
قد سبقَ ونزفتُ فوقَ سجادتها المزهرة المفضلة
وقد فقدتُ نصفَ حنكي.
لا أعرفُ ماذا أستخلصُ من ذلك.
أود أن أفكر أنها حلمت
بحلم أمٍ أخرى،
لأنها قد تستغرقُ
كل قساوة الانتظارِ الذي كانَ،
وأن تتدربَ ما شاءتْ
على رفعِ يديها.

تيمناً بـ روتشيفكالد

(دينيس رايلي - 1948)
«من العيب ألا تثقَ بأصدقائكَ
أكثر مما هو عيب أن يخدعوكَ»: الأشياء بحد ذاتها
تتماسكُ، إناءٌ، قِدْرٌ، برطمان، عظام ساق لحم
من ماركة سويت ويليامز – لهذا انسلت عيناكَ
من الفكرةِ الحديديةِ بسبب الثبات الخفيفِ
للأشياءِ، التي تسترخي هناكَ قربكَ. أو من دونكَ.
البهاءُ الجافُ الفرحُ يستدرجكَ -
إرادتكَ للأملِ تنهضُ من بينِ صمتهم.

في مطعمٍ

(ستيفن سانتوس - 1948)
التلويحة التي استخدمها لأطلب الفاتورة،
كاتباً في الهواء
بقلمٍ متخيلٍ،
تعلمتها من كرستوفر،
الذي تعلمها من أبيه،
الذي تعلمها بدوره من مكانٍ ما.
ماتَ والدُ كرستوفر منذ زمنٍ:
يترددُ الآن صداه أقل من قبل.
غريبٌ جداً أن ما يبقى منا
هو ما لم نحزره يوماً.

أغنية حب ليثِيوم

(ليديا ماكفرسن - 1961)
عنصري، معروقاً في حجرٍ
ومشدوداً الآن بين الهيليوم
والبيرليوم، منطادٌ من ورق الألمنيوم
ينطلقُ من نهاراتكَ، تقريبكَ المرن
يمد لسانه للجاذبية الأرضية، مقبلاً الهواءَ ويتشحُ
بالسوادِ معهُ. قاسٍ ولا يمكن قصّه كضوءِ القمر،
أنتَ تسحبني كالمدِّ بعيداً
من أدراجِ السكاكينِ وحواف الجروف الصخرية،
تنثرُ شبكة أمان حول لوزتي الدماغية.
غير مجنونةٍ ومكبوتة،
أفتحُ أغلفتكَ البلاستيكية مثلما أفتحُ نبات الفوقس
أرتدي درعكَ المخدِّرِ مثل قشرياتٍ جديدةٍ.
أنت الموجةُ المهدهدةُ في نبضِ قلبي،
الأوزون في فمي المحشو بالحديد،
الرجفةُ في طرفِ إصبعي: خذني
إلى سريرِ البحرِ الناعمِ وشدّ وثاقي،
دثرني جيداً واتركني،
دعني أتعلم أن أحيا حياةً منبسطة.

مساءاتُ مغادراتهم الطويلة

(إيفان بولاند - 1944)
عقدتْ أمي زفافها قربَ الماءِ.
ارتدت معطفاً رمادياً ووضعتْ على رأسها وردةً شتائيةً.
نطقتْ وعودَ الزواجِ قربَ قطعة أرضٍ باردةٍ على الساحل الإيرلندي.
نطقت وعودَ الزواجِ قربَ الشاطىءِ حيثُ
أراحَ المهاجرون حرفَ النونِ الساكنِ:
فوق كلمة بعدَ الظهيرةِ، فوقَ نهايةِ كل شيءٍ، فوق بداية كلمة نهاية.
أتتْ أرديةٌ كهنوتيةٌ صفراء اللونِ إلى الضوء
اختفى كوبُ القداسِ تحت حجابه.
كانت يداها مليئتين بنبات الكالا والزنابقِ البرية.
أرخى طردُ البريدِ مرساتهُ.
حلَّق نورسٌ ذو رأسٍ أسودٍ عبر الميناء.
الجليدُ يعدُ بوردةٍ قرب تقاطعِ المحيطِ مع خطِ الأفق.
أنا في انتظارِ كلماتِ الحفل. في انتظارِ
«أعتني بكِ وحدكِ»، و«أنتِ كل دنياي».
كل ما أسمعهُ هو ظهيرةٌ تساوي كلمة أبداً.

طفلةٌ هولندية

(إيان بيرنت - 1986)
في متجر المعجنات، تمسكُ
ابنتي بجهاز فحص حمل
كمسدسٍ في جيبها.
يناولها العجَّان
مفتاحَ الحمَّام
ويغادرُ. في الخلفِ
ثمة نافذة صغيرة
يراقب منها
رجالاً ونساءً
وأطفالاً - لا مانع لديّ،
تعلمتُ أني لا أستطيعُ
حمايةَ أحدٍ في هذه السنِ.
فطيرةُ التوت
في خزانةِ المعجنات
هي ابنةُ العجان،
هكذا قررتُ - مرضوضة
قرمزية ومرصوصة
في حبل عجين. هذا ما أتخيلهُ
يعودُ العجانُ
من النافذةِ، يملأ
يديَّ الفارغتينِ.
تفضّل هاكَ خميرة، هاكَ طحين،
فواكه وسكر وماء -
اصنعْ فتياتٍ أخريات.

مفكَّرة العاصفة

(شون لايزات - 1957)
الريحُ من الشرقِ جنيةٌ تنوحُ
أمامَ البابِ، في الغربِ تعوي مدخنةٌ.
أسوأ الليالي، السيارةُ متوترةٌ كقطةٍ
كلانا هناكَ في مركزِ
القوى التسع نخلِّعُ البوابات
ونخلخلُ قرميدَ إصرارنا المبعثرِ على الأرضِ:
اتخذنا القرار الصائب. ساعات من مشاهدة التلفاز،
مذكرات يومية، مكالمات هاتفية من الخارجِ
نمضي وقتنا في المنارةِ مع استفسارٍ واحدٍ
(حتى عندما تتقهقرُ الأشواكُ البيضاء التي زرعتها
وتنسحبُ خجلاً من الوقوفِ منتصبةً).
كم شتاءً سيمرُ قبل أن تتبدلَ
قلوبنا؟ وتجيبُ الريحُ: عندما تعلمُ ذلك
سيكون قد فاتَ الوقتُ.