1


الضوءُ الآتي من بعيد
يلْتمعُ فوق الجدران المطفأة
بهدوء...
ولكن، مَن يدري
قد تكفي أغنيةُ الضوء الشاحب
كي توقظَ الأغنيةَ المصلوبَةَ
فوق الجدران
قد تكفي
كي أُمسِكَ ذيلَ الزمن الهارب
أُجلِسهُ على الطاولة المتبقّية
وأُحدِّقُ في سُلَّمهِ المنهوبِ
فقدْ أرى شُموعاً
تفْتحُ لي كُوّةً
في جدار وجودي المبهم
أو باباً سماويّاً
في جدارٍ
ينتظرُ الضوءَ الآتي من بعيد
كي يُضيء
بشُحوب.

2

تتركُ لي كلماتك وتذهب
لا أريد أن أمحوها
أريد أن أعلّقها في الريح
في كلّ مرّة حين تعود الريح
أقفُ لأشاهدَ الحياة
التي تجعل الأشجار تنحني.

3

حتّى بعد أن هدأتْ الريح
ظلّتْ يداي باردتين
ظلّت الأشجارُ تهتزّ
والأوراق الجافّة تتساقط
وكانت كثيرةً، وتدورُ حولي
أو ربما لم تكن الأشجار تهتزّ
ولم تكن الأوراقُ تتساقط
لكنّ يديّ ظلّتا باردتين
هذا ما أعرفه
هذا ما يجعلني غير متأكّدة
من شيءٍ آخر.

4

بيتي الذي لم يركَ
يعرفكَ
صامتٌ هو، هذا اليوم
قديمٌ...
وشاحبٌ كالمرضى
بيتي الذي لم يركَ
يعرف أنّكَ ذهبتَ...

5

هذا الذي يذهب
ممحواً بالغروب
ليس حديثي القديم مع الأفق
ربما الأيام التي تحمل ثقل الترقّب
أُنظرْ إلى الشمس الخفيفة:
مساءُ حياةٍ فارغة،
ينتهي دون سبب...

6

الأوراق تساقطتْ عن الأشجار
بالكادِ أُلاحِظ...
الأشجار تخضرّ
بالكاد أنتبهْ
أنا التفاصيل المهدورةُ
في كلّ ذلك
أنا الزمن الذي لم تلتقطه عينايَ
من الكون
ومن قلبي
أنا النقصانُ
السائرُ في طريقهِ...

7

هل الباب الذي دخلتَ منه
يكون هو ذاتُه
حين تخرج...؟
الآن أعرف أنّ المكان
يتذكّر الألم
أنّ المكان هو الألم...

8

بيتي فوق تلّة مرتفعة
طيلةَ أعوامٍ
كان بيتي فوق تلّة مرتفعة
وها أنا أفتح قلبي على اتّساعهِ
لا أشاهد سلاماً مختلفاً
ألْقَتهُ التلّةُ في صوتي
لا أكثرَ من الحديث
الذي يَحكيهِ الغبارُ عادةَ
للبيوت...

9

خطواتك في طريقها
وصوتها في قلبي
الليل يصغي
من بعيد...
الليلُ يصغي لخطواتكَ
منذ أوّل الحياة...

10

أردتُ أن أقول كلاماً كثيراً
قبل أن يحلّ الجزء المريض من النهار
كلّ يوم يعود الجزء المريض من النهار
كل يوم، كان لديّ كلام كثير، لم أقله
الجمادات من حولي تبتلعه وتثقل
الجمادات تحمله في دواخلها وألوانها، وتتقادم
وأنا لا أستطيع المرور خلال كلمةٍ واحدة
أستطيع فقط أن أسمع أنفاسي
وهي تصعد من الجماد
وبلا جهد، تعود إليه.

11

كم مرّة
انتهى هذا الشارع
عند هذا الباب
الشارع الممدود من أجل مجيئك
والباب الذي من مسافة ألف مساء يمكن رؤية انتظاره
ثمّ في ما بعد
كم مرّة سينتهي هذا الشارع
عند هذا الباب
وفي جوف الباب
كم مرة سيقف الفراغ
مثل جوابٍ مطلق...

12

الأوراقُ التي تتبعثرُ حول الشجرةِ
صفراء... واهنة
لا تحملُ عبء الصُّفرةِ
لا ترى السماء الملبّدة
والريحَ الباردة
أنت الذي يجْفل قلبك
من هذا المشهد
أنت الحزين أنا مثلك
تماماً.

13

إذا نبتت من هذه الكلمات شجرة
فلكثرة ما تكلمنا عن الأرض المهجورة ولكن لا أشجار هناك
وكلّ ما قلناه
لم يشيّد إلّا ظلالاً متأرجحة
بالكاد نتذكّر
أنها من صنع شجرة
بالكاد نتذكّر أنّ الشجرة كانت تميل نحونا مثل أمّ
وأننا ببساطة
لسنا أكثر من غريبين
لا يريد واحدنا أكثر من كلمة
يحزن بطلاقة
في ظلّها العابر.

14

ربما كانت هذه هي الغربة
أن تتذكّر
أن تجد تفاصيل غائبةً
ورطبة، كثَنيةٍ في ثوبٍ قديم
أن تُغمَرَ بذلك الشعور الكامل
أن تموت في كلّ مرّة
وأنت تفطن أنّ طريقك انتهت
وأنك في هذه اللحظة
خارج الأبواب
لست بعيداً بما يكفي
ولستَ القريب.

15

كنتُ أمسك حبّات المطر
نقاءٌ حزين مثل ابتسامتك
ومثلها يهطل من سماءٍ بعيدة
غيم من طمأنينة
يجتاز البنايات المرتفعة وقيعان الليل
ويهبط في البحر نقياً وخفيفاً
كما لو أنه محا العذاب العالق
أو رماهُ في القاع
مطرٌ خلف النافذة والباب
وأنت تقفُ وتنام وتصحو خلف ابتسامتك
الشجرة التي تهتز
تحت نافذتي هي ابتسامتك
يُخيّل لي أحياناً
أن صوتك هو الظلُّ في كلّ طريق
وأنّ الهواء يحوم حوله،
زرقةٌ خافتة، غيمٌ مثل نثار طمأنينة
يخيل لي أيضاً
أنّ الوجود هكذا:
الهواء يحوم خلال الأرض
وشجرةُ ابتسامتكَ تحت النافذة.
* شاعرة فلسطينية