بعقوبة | على غرار زميله ضابط الأمن في المطار، فإن ضابط أمن آخر في بعقوبة يؤكد أن ما تسمعه في الإعلام كذب، لكن على نقيض ما قاله رجل الأمن لحظة استقبالنا، فإن زميله في بعقوبة يقول إن أرقام الضحايا نتيجة أعمال العنف مبالغ بها جداً، ومن اليوم التالي لوصولك الى العراق يمكنك استنتاج قاعدتين ذهبيتين: كل ما تسمعه غير دقيق حتى لا نقول كذب. وسيكون هناك روايتان لكل حادثة أو تفصيل. روايتان على الأقل، ويمكن أن تسمع روايات متعددة لأحداث بسيطة.


بعقوبة في النهار، مثل بغداد في الليل، يمكن أن تكون مكتظة بحركة السيارات، وتتحول الشوارع الى ازدحام فعلي قبل عشرات الأمتار من السيطرات (الحواجز الأمنية)، ومن خلال السيارات المتراكمة أمام الحواجز ستمر سيارات كبيرة رباعية الدفع تحمل أمنيين أو موظفين حكوميين، وتتجاوز السيارات المسكينة المنتظرة في لظى حرارة الشمس النهارية.
أغلب السيارات الصغيرة قديمة، وخاصة في المحافظات، كديالى، التي تمثّل بعقوبة عاصمتها، وهي سيارات دخلت الى العراق قبل الحصار الأميركي عقب غزو العراق للكويت عام 1991. ويفتح السائقون شبابيك سياراتهم ليلفحهم الهواء المشتعل، وينتظرون بصبر وصول دورهم لعبور الحواجز الأمنية التي يقف عليها اليوم جنود عراقيون، يحملون أجهزة الكشف عن المتفجرات بهوائياتها، ويتركون السيارات تمر ويراقبون الهوائي ليعلموا أيّ منها تحمل مواد مشبوهة. هنا في مناطق ذات أكثرية سنية لن تنتشر السيارات الإيرانية الصنع الرخيصة.
الشوارع الرئيسية ممسوكة بالكامل من قوات الجيش، وبعضها من الشرطة، وفي الشوارع الداخلية والأحياء والقرى السنية تمسك الصحوات بالنقاط الأمنية، وللصحوات قصة طويلة يرويها العراقيون أيضاً كل حسب طريقته.
الطريق الواصل ما بين بغداد ومحافظة ديالى لا يتجاوز الأربعين كيلومتراً، وبعدها بنحو العشرين كيلومتراً ستصل الى بعقوبة، «عاصمة الدولة الإسلامية في العراق»، وفي ضاحيتها، إحدى نواحي هبهب قُتل أبو مصعب الزرقاوي، وفي كل شارع منها رواية لعمليات كبيرة واشتباكات، وذكريات يرويها من عاش في المنطقة في ظل انتشار تنظيم «القاعدة» في العراق وخاصة ما بين أعوام 2005 و2008.
وعلى الطريق الواصل ما بين العاصمتين، عاصمة الرشيد بغداد، وعاصمة الزرقاوي بعقوبة، تنتشر الرايات الخضراء والسوداء، بانتظار بدء موسم الزيارة للعتبات المقدسة مع بداية شهر رمضان، حيث سيسير عشرات آلاف العراقيين الشيعة باتجاه المناطق الشيعية المقدسة، مارين بعشرات المراقد لأئمة وعلماء دين وأحفاد للأمام علي، أغلبها فجرها تنظيم القاعدة أيام سطوته (2004ـــــ 2008). وتنتشر أيضاً المرافق الصحية على جوانب الطريق لتسهيل مهمة السائرين للزيارة المقدسة. وكذلك تنتشر نقاط الشرطة والجيش، فكل كيلومتر أو اثنين سيوقفك حاجز للجيش العراقي أو الشرطة، أو ستجد عربة للشرطة تقف الى جانب الطريق، أو هامفي للجيش متوقفة ايضاً، وحولها جنديان أو اكثر يراقبان السيارات العابرة.
صور الأئمة و«السياد» مرفوعة على طول الطريق الفاصل ما بين بغداد ومدخل بعقوبة، هي مناطق انتشر فيها جيش المهدي، وسيطر عليها. البعض يقول إنه أتى ردّ فعل على انتشار تنظيم القاعدة وتصفيته للشيعة في النواحي، بينما يقول آخرون إن تسلح الشيعة وتسلح السنة أتيا نتيجة صراعات سياسية عراقية وصراعات حزبية خاصة، وطبعاً مثّل كل ذلك «بيئة حاضنة» لتنظيم القاعدة ولقوات أخرى.
في نواحي ديالى وقريباً من بعقوبة اكتشفت السلطات العراقية مجموعة من القبور منذ أسابيع قليلة، فجرى التعامل معها بصفتها مقبرة جماعية لضحايا تنظيم القاعدة، كان يفترض بهذه المقبرة أن تكون الرقم 37 وتضم حوالى 18 قبراً، وانتشر الخبر في الإعلام، فعاد الحديث عن عشرات المقابر الجماعية التي تضم مئات من ضحايا القاعدة في كل منها، وبدأ إعداد التحقيقات التلفزيونية عن مدى إجرام تنظيم القاعدة.
لكن التدقيق في المعلومات أدى بعراقيين مختصين الى اكتشاف أن هذه المقابر هي لقتلى تنظيم القاعدة في المواجهات مع الأميركيين والسلطات العراقية، فعدا شاهد قبر وحيد وجدوه يشير الى اسم القتيل، وهو عراقي، قتل عام 2007، وكان من مقاتلي تنظيم القاعدة، وتعرض لإصابة في الرأس، اكتشف المحققون والناشطون في هذا المجال أن الحفر جرى بصورة نظامية وفقاً للشريعة الإسلامية، بعمق مترين، وفي لحد داخل الأرض، واتجاه الرأس نحو القبلة، وأن القتيل ملفوف ببطانية، لكنه لا يزال بملابسه، أي إنه شهيد لا ضرورة لغسله وتكفينه، وهي نتيجة البحث في قبرين بعد نبشهما، فعادة في المقابر العشوائية أو الجماعية يدفن تنظيم القاعدة من يقتلهم على عمق عشرين أو خمسين سنتم، ويُرمَون كيفما اتفق في القبر، وهو ما تظهره مقابر أخرى جرى اكتشافها، حيث كانت الجثث لا تتجه برؤوسها الى الكعبة، ومنثنية الأرجل، مما يشير الى إلقائها داخل الحفرة التي لم تبلغ عمق 50 سنتم.
المدفن الرقم 37 المكتشف في ديالى استحدثه تنظيم القاعدة لرفضه دفن شهدائه بين العوام من أهل السنّة، فترك مسافة كيلومتر عن مدافن أبناء المنطقة (العوام) ودفن شرعاً ونظامياً في ناحية معزولة شهداءه ورحل لاحقاً التنظيم، او للدقة اختفى، وبقي بعض المسؤولين في الصحوات، ممن كانوا في الماضي على علاقة وطيدة بتنظيم القاعدة، ليشهدوا سراً بأن من دفن هنا هم مقاتلون من القاعدة، أو من جيش محمد أو غيرهما من القوى القتالية الإسلامية.
حين يجري الحديث عن ضحايا تنظيم القاعدة، والجماعات الإسلامية السلفية او المتشددة الأخرى، يغيب في الكامل الحديث عن ضحايا عنف المجموعات الشيعية المتنوعة، الكل يقر بأن الشيعة قاموا بردّ فعل، وأنهم طردوا سكاناً من السنّة من مناطق الأغلبية الشيعية، وأنهم شنوا هجمات على مناطق سنية رداً على هجمات السنة عليهم، وأنهم بادلوا قصف تنظيم القاعدة لمناطقهم بمدفعية الهاون بقصف مضاد، لكن أين دفن ضحايا رد الفعل الشيعي وكيف؟
لن تجد على الأغلب الأجوبة عن أسئلة كهذه في مبنى المحافظة في بعقوبة، حيث يجلس الأميركيون فوق سطح المبنى، وتحتهم المحافظ السني، ونائبه الشيعي، وخليط من الموظفين، وعشرات من رجال الأمن والمرافقة والحرس الوطني منتشرون هناك وهنالك، مشددين الحراسة الأمنية والمراقبة والتفتيش، وفي داخل مقر المحافظة يقطن المحافظ، الذي تخلى عن منزله خوفاً من تعرضه لمخاطر الطريق كل يوم، ففضل البقاء تحت ظل الحماية الأمنية العراقية والأميركية. وخارج المقر الكل يقول إن المحافظ التابع للحزب الإسلامي (حركة الإخوان) وكل مجلس المحافظة ليسوا اكثر من شكل، وإن السلطة الفعلية متنازعة بين الأجهزة الأمنية والقوات الأميركية من ناحية، ومن يمسك الأرض من تنظيم القاعدة.
لكن الإجابات عن الأسئلة موجودة في العديد من الأمكنة، ففي الأجزاء الشيعية من ديالى ستعرف أن العنف المتبادل أنتج مئات من القتلى من طرفي النزاع، وأن الفكر السلفي الجهادي كان يستخدم «عقوبة الإعدام بقطع الرأس أو حز العنق» ويصورها لينشرها في وقت لاحق عبر الإنترنت كجزء من التعبئة السياسية أو «البروباغندا» للتحريض على المزيد من القتال.
في المقابل، فإن العنف الشيعي كان يتغطى بأنه رد فعل على العنف القاعدي، وفيما يقتل القاعدة السنة «المرتدين أو المتعاونين مع السلطة و الاحتلال»، فقد كان القتل الشيعي عشوائياً، حتى إنه طاول العديد من أبناء الطائفة الشيعية لمجرد أن اسمهم عمر، او أنهم لا يحفظون الائمة الشيعة الاثني عشر بالترتيب الصحيح، وكان الجمهور المَقود من مقاتلين شيعة شبه أميين يقتل سنّة عقب تفجيرات لمنازل أو انتقاماً لضحاياهم، او لإجلاء سنة من مناطق ذات أغلبية شيعية، فكرس تنظيم القاعدة نفسه عبر سكاكين الشيعة ايضاً، وأصبح من السهل عليه استقطاب المزيد من السنة الخائفين من ردود فعل الشيعة في مرحلة ممتدة من عام 2005 الى عام 2008.
وحين اكتشاف مدافن جماعية في مناطق شيعية كان يقال إنها من مقابر النظام السابق، او إنها من أعمال القاعدة.
لكن بالعودة الى بعقوبة التي لا تقدم كل الأجوبة، فإنها اليوم تعيش حالة مربكة وملتبسة، بعدما كان أبو مصعب الزرقاوي يأتيها ويغادرها كلما أراد او شاء أو احتاج، وبعدما كانت القاعدة ودولة العراق الإسلامية يسيطران على كل المدينة، ويتركان للقوات النظامية الأميركية شارعاً واحداً يمكنها سلوكه، دون أن يعترض أي من الطرفين على وجود الآخر، وتحول شباب بعقوبة الى العمل لمصلحة الصحوات بعدما كانوا هم أنفسهم يعملون لتنظيم القاعدة.
اليوم الحديث يدور عن خلايا نائمة لتنظيم القاعدة في محافظة ديالى، والكل يؤكد لك أن هذه الخلايا فقدت القدرة على استقطاب حشد من الجمهور كما كانت تفعل من قبل، وأنها اليوم عراقية بالكامل، وما من مهاجرين (أو مقاتلين) عرباً ومسلمين من ماليزيا أو باكستان أو غيرها، بعد ما كان هؤلاء المهاجرون يديرون دفة العمليات العسكرية في المناطق المنتشرين فيها، ويؤكد لك كل من تلتقيه من سياسيين وأمنيين وسكان واختصاصيين أن الناس الذين مثّلوا حاضنة للقاعدة في الماضي، وخاصة بعض العشائر السنية (التي يرفض الجميع تحديدها بالاسم)، قد عدلوا عن رأيهم بالكامل عام 2008 ونفضوا أيديهم ممن لا يزالون يحملون السلاح ضد الدولة العراقية لأسباب وأسباب. وأن الماضي الذي يثير الرعب في أنفس من أسهموا في خلقه قد انتهى حالياً.
إلا أن كل الماضي لا يثير الرعب في النفس بالقدر الكافي، فقد مضى ما مضى، ولا حتى الخشية من الانفصال ما بين السنة والشيعة تثير الكثير من القلق، وخاصة أن الشيعة عادوا الى منازلهم في العديد من المناطق التي هجروا منها، مثل مدينة بعقوبة، لكن ما يثير الرعب فعلاً هو الجواب الذي يأتيك من كل من تسأله عن إمكان العودة الى المرحلة السابقة، واستعادة القاعدة لزمام المبادرة، إذ إن أحداً لا يستبعد هذا الأمر في المدى المنظور.
على أرض الواقع لا يزال الافتراق المذهبي ضارباً في عمق المحافظة ذات الأغلبية السنية، فالشيعة العائدون لا يزالون يشعرون بالرعب مما مضى، ولا يجرؤ أحد كبار السن الواقف على باب مرقد مقدس على ذكر الناحية التي أتى منها مقاتلو القاعدة حين فجروا الضريح، بينما يشير بعض أبناء بعقوبة الى لوحة جدارية لصدام حسين ما زالت صامدة في المنطقة وهم يقولون «لولا تحالف القاعدة والبعث لما بقيت هذه اللوحة هنا بعد تدمير كل اللوحات في البلاد».
وفي الشارع تنفجر عدة عبوات كل يوم، على الطرق الرئيسية، وتلك الفرعية، إذ درجت في العامين الأخيرين العبوات المُلصقة بالسيارات والدراجات الهوائية المفخخة، كما يجري اغتيال اشخاص كل يوم تقريباً، باستخدام كواتم للصوت مصنعة محلياً في العراق، في مصانع تابعة لتنظيم القاعدة.
لم تتفكك البنى التحتية القتالية للتنظيم، بل تحولت من الشكل المنتشر وشبه العلني الى اكثر الأشكال سرية، صار التنظيم موجوداً، لكن تحت الأرض بالكامل، وأصبح ضربه أصعب، وفي المواجهة اليومية فإن التنظيم يربح في عدد القتلى والجرحى الذين يخلفهم وراءه، فهو يقتل ويهرب، ولم يعد يعتمد على العمليات الاستشهادية بالكثافة السابقة، فأولاً خسر الجسم الاستشهادي، وقد تراجعت قدرته على استقطاب أبناء ديالى، وخاض حرباً ضد الصحوات وتخلت عنه العشائر الرئيسية، وبقي معه مقاتلون دائمون، هم الجيل الجديد من القاعدة، او جيل ما بعد الصحوات، وإن كانت الصحوات قد ضربت التنظيم، فإن التنظيم اخترقها منذ لحظة ولادتها، وصارت جزءاً من ادوات عمله أيضاً.
لم يبق الكثير من الاستشهاديين، لكن كل بضعة أشهر ينفذ التنظيم اللامركزي عمليات نوعية في ناحية يختارها جيداً، وفي 22 من شهر تموز فجر التنظيم سيارة مفخخة استهدفت معاون مدير الشرطة، وقبلها باكثر من شهر حاول التنظيم اختراق مركز المحافظة في المدينة، عبر دخول استشهاديين متنكرين بزي شيوخ عشائر خلال اجتماع لشيوخ العشائر مع مجلس المحافظة، وفي كل حين يثبت التنظيم أن غيابه ليس اكثر من تحول في التكتيكات المستخدمة، وتراجع مؤقت في انتظار تبدل الأحوال.
حين تمر بجوار هبهب، حيث قُتل أبو مصعب الزرقاوي، تسأل عما اذا كان قتل رجل واحد كاف لإنهاء النزاع، لكن لا يأتيك أي جواب.

غداً: «الزرقاوي: الموت بنيران صديقة»




ضحايا وخسائر

يمكن أي زائر للمناطق العراقية أن يلاحظ حجم الخسائر وآثار الاشتباكات، فمن آثار إطلاق النار على المنازل وعلى الجدران، الى المنازل المدمرة، وصولاً الى بقايا سيارات قضى أصحابها في عبوات، أو جرى إيقافهم وتفجيرهم داخل سياراتهم على حواجز السيطرات الوهمية التي كان يقيمها تنظيم القاعدة، ومن بعده «دولة العراق الإسلامية».
خفتت الأعمال الأمنية بدرجة كبيرة ما بين عامي 2008 و2010، ثم تصاعدت في نهاية عام 2010، لتسجل ارتفاعاً ملحوظاً في العام الحالي.
وتختلف التقديرات والأرقام بشأن الضحايا بين جهة وأخرى، ويقول وزراء داخلية سابقون إنه لا أرقام دقيقة في المرحلة ما بين عام 2003 و2006، لكن في الأرقام المتوافرة فإن الولايات المتحدة تقول بسقوط 77 الف قتيل لغاية 2010، أما وزارة حقوق الإنسان، فقالت إنهم 85 ألفاً، ورأت جماعة «إحصاء القتلى العراقيين» أنهم 98 الفاً، أما منظمة الصحة العالمية، فقالت إنهم 151 الفاً حتى عام 2008.