منذ انتهاء المجمع الخاص بمسيحيي الشرق الأوسط، الذي عُقد في حاضرة الفاتيكان في روما، يركز المسؤولون عن الكنائس في الشرق على وجوب معالجة هواجس أتباعهم. ويشار، هنا، إلى الصرخة المدوّية الأولى التي أطلقها بطاركة وأساقفة العراق بعد الحرب المدمرة التي قادها الرئيس الأميركي جورج بوش، وشريكه البريطاني رئيس الوزراء طوني بلير. تلك الحرب عرّضت مسيحيي العراق لأبشع صنوف الإرهاب والقهر والتخويف لدفعهم الى الهجرة والبحث عن أوطان أخرى، بدلاً من وطنهم الأم، الذي ولدوا فيه وترعرعوا وأسهموا في بناء حضارته واقتصاده، وإنماء موارده الثقافية والاقتصادية والصناعية، مع الأخذ في الحسبان أن الكنيسة العراقية، سواء الكلدانية منها أو الأشورية الكاثوليكية والأرثوذوكسية، تعدّ بتاريخها وبعظمة دورها المشرقي في صلب المجتمع الوطني التاريخي، وفي صلب الكنيسة الجامعة.

تألمت كنيسة العراق كثيراً وغرقت، ولا تزال، مع كنائسها المختلفة بفعل تفجير الكنائس وهدم بعضها فوق رؤوس المؤمنين، والشهادات التي تُسمع أسبوعياً في بعض المناطق اللبنانية تفيد بتعرض مسيحيي العراق لأقسى أنواع الترهيب لحملهم على ترك قراهم ومدنهم وممتلكاتهم. كل ما سبق هو جزء من ضريبة الدم التي دفعها كل الشعب العراقي نتيجة الغزو والحرب والتدمير، لكن، في النتيجة، غادر الآلاف من العراقيين المسيحيين وطنهم الأم غصباً عنهم، وأصبحوا لاجئين في لبنان وسوريا والأردن وغير هذه الدول، واستشهد منهم بطاركة ومطارنة وكهنة ومواطنون. اكتشف هؤلاء أن أحداً لن يلتفت إليهم، لا الدول الغربية ولا الشرقية، لا الدول الأجنبية ولا العربية. لا حياة لمن تنادي، والصرخة التي أطلقها مسيحيو العراق لم تجد لها سامعين. بات العراقي المسيحي، كعراقيين كثر، لاجئاً في دول الجوار ينتظر تأشيرة سفر، مع فارق وحيد أن عدد المسيحيين الضئيل، مقارنةً بأبناء الطوائف العراقية الأخرى، يجعلهم على شفير الانقراض.
أركان الكنيسة العالمية كانوا يراقبون الوضع العراقي وتداعياته، ويضخّون مع سفراء الفاتيكان المعلومات عما جرى ويجري في هذا المجال. معظم المراقبين كانوا على ثقة بأن المواطنين العراقيين المسيحيين الذين هُجّروا قسراً من وطنهم الأم، لن يتاح أمامهم مجال العودة، وأنهم دفعوا الثمن الأكبر للحرب التي شنها بوش والحلفاء. وبعض المراجع الكنسية يتعامل بجدّية مع ما يروج عن تسلل الاستخبارات الإسرائيلية الى صفوف الحلفاء ودخول العراق لمحاولة تقسيمه وتهجير المسيحيين منه. ويفيد التذكير هنا بأن الفاتيكان عارض، بجدّية، الحرب على العراق، لمعرفته المسبقة بنتائجها.
اليوم، يُنتقد البطريرك بشارة الراعي لإبلاغه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي رفضه استخدام العنف من أية جهة في تغيير أنظمة الدول، ويقول بعض المنتقدين إن الراعي ضد تطوير النظام والديموقراطية والحرية. لكن، فعلياً، ليس هكذا تجري الأمور. لا البابا ولا البطريرك ضد التغيير. وفرنسا، نفسها، عارضت بشدة قبل تسع سنوات الحرب الأميركية على العراق. يومها لم يقل أحد إن فرنسا ضد ديموقراطية الشعب العراقي وحريته.
من يتردد على الفاتيكان ويلتقِ رجال الكنيسة، يعلم أن موقف البابا والفاتيكان ينسجم، بالكامل تقريباً، مع موقف الكنيسة الجامعة، وكل الكنائس المشرقية الكاثوليكية وغير الكاثوليكية التي تحمل هواجس جدّية. وما نقله البطريرك الراعي في زيارته الى باريس إلى كبار المسؤولين الفرنسيين، وفي طليعتهم الرئيس نيكولا ساركوزي، كان مخاوف وهواجس سبق أن جرى التعبير عنها في المجمع الاستثنائي الخاص، الذي عُقد أواخر العام الماضي في روما بشأن أوضاع مسيحيي الشرق الأوسط على أثر ما حل بمسيحيي العراق من مآسٍ، وما حلّ، ولا يزال يحلّ، بمسيحيي مصر على صعيد حقوقهم المبدئية في المشاركة الوطنية، وما يمكن أن يصيب مسيحيي سوريا إذا بلغت الأحداث حد الحرب الأهلية.
كلام الراعي واضح جداً: الكنيسة مع تطوّر الأنظمة نحو الأفضل، ومع حرية وديموقراطية الشعوب، وهذه مبادئ مسلّمات لا تحيد عنها الكنيسة الجامعة، لكن تحقيق ذلك يكون بالحوار وبالتعبير السلمي، لا بالتدخل الخارجي، ولا باستخدام العنف.
معلوماتنا تفيد بأن كثيرين حاولوا عرقلة الزيارة البطريركية لباريس لمعرفتهم بأنها لا تنسجم مع مواقفهم، لكن الزيارة تمّت، وسمع الفرنسيون كلاماً ما اعتادوا سماعه. والكلام البطريركي الأهم كان في شأن حق الشعب الفلسطيني في وطنه وأرضه. عبّر البطريرك أمام الفرنسيين عن غضبه من الدولة العنصرية المزمع إقامتها في الشرق الأوسط في القرن الـ 21 ليهود العالم. إسرائيل على مرأى ومسمع العالم الذي يرفع شعارات الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان.
لبطريرك الموارنة دور روحي وطني في لبنان، هذا بديهي قام به وأدّاه بجرأة وفاعلية، ومسؤولية، البطاركة الذين تعاقبوا على سدة بكركي. جديد البطريرك الراعي أنه يؤدي دوراً أكبر على مستوى المنطقة كلها، دور تفرضه هواجس مسيحيي الشرق ومخاوفهم، التي لا تجد من يراعيها، لا في الشرق ولا في الغرب.