منذ لجوئهم إلى جبال لبنان الوعرة والحصينة هرباً من الاضطهاد في القرن السابع ميلادي، يرتبط الموارنة بأرض لبنان ارتباطاً مصيرياً، ويتركز جلُّ اهتمامهم بديمومة الكيان وبقائه، وصولاً إلى قيادة مشروع لبنان الكبير وطناً للمساواة وحفظ التعددية والتنوع والحرية في المشرق العربي في أوائل القرن العشرين. وفي كل مراحل تاريخهم، كانت البطريركية المارونية تقود المشاريع السياسية للموارنة، وفيها تنمو الأفكار الاستقلالية والوطنية، وفي كل مرحلة ومحطة من محطات لبنان كان لها موقف من التطورات، ولم تتردد في اتخاذ مواقف حازمة حين يلزم الأمر، بحسب ما تراه ضرورياً لمصلحة الموارنة وحماية لبنان بلداً تعددياً. 

وعلى مرِّ عقود القرن العشرين ومطلع القرن الحالي، تركّز اهتمام بكركي على الحفاظ على كيانية لبنان وعلى دور الموارنة ووجودهم السياسي في مفاصل الدولة، متمسكةً بقيم الحرية والتنوع وقبول الآخر المختلف في لبنان سيّد مستقل، مع الحفاظ على علاقة وثيقة بالدول العربية والغربية. وبقيت بكركي، في كل المراحل، صاحبة ديناميكية ومبادرة، وخصوصاً في الأزمات الحادّة والمفترقات المصيرية.
وحتى انتخاب البطريرك بشارة الراعي، بقي اهتمام بكركي متركّزاً على مسيحيي لبنان وموارنته، مع تأكيد العلاقات الوثيقة مع الجوار العربي، لكن من دون تفعيل هذه العلاقة وترجمتها عملياً. أما حالياً، فتشير تحركات البطريرك الراعي ومواقفه إلى شمولية رؤية بكركي للمسيحيين في المشرق العربي عموماً، والتزامها مهمة صعبة في الدفاع عن وجود المسيحية المشرقية ورسالتها التاريخية في هذه المنطقة وإحياء دورها، وخصوصاً في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها المسيحيون من العراق إلى مصر، والهواجس التي تُثار حول دورهم الفاعل ومصيرهم.
وهذه المعضلة كانت في صلب اهتمامات «مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية» الذي خصص لها مؤتمره السادس (أيلول 2010) تحت عنوان «إحياء الدور المسيحي في المشرق العربي»، وافتتحه غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، والذي صدرت توصياته ومقترحات المشاركين فيه ومداخلاتهم في كتاب «لا عروبة من دون المسيحيين». ومواقف البطريرك الراعي هي، بطبيعة الحال، نتيجة وترجمة لسياسة الفاتيكان الذي كرّس جهوداً كبيرة، واهتمّ، منذ عقود، بالسعي إلى حماية مسيحيي الشرق وتجذيرهم في أرض المسيح والمسيحيين الأوائل، وكان «الإرشاد الرسولي» أبرز تجليات السياسة الفاتيكانية التي تعاطت من لبنان مع الملف المسيحي في لبنان والمشرق انطلاقاً من نظرة شاملة للمنطقة وأحوال دولها ومجتمعاتها وطبيعتها وتغيراتها الكثيرة.
من هنا يمكن فهم المواقف الأخيرة للبطريرك الراعي التي عكست القلق الكبير في البطريركية المارونية تجاه التغيرات التي تعصف بالعالم العربي ولم تتبلور آفاقها بعد، وخصوصاً في دولٍ متعددة الطوائف والإثنيات كسوريا التي لها تأثير محوري واستراتيجي على مسيحيي المشرق ولبنان؛ إذ لا تملك بكركي ترف التفرج على النزف المتنامي في الوجود المسيحي التاريخي في أرض انطلاقة رسالة السيد المسيح، ويبقى اهتمامها محصوراً بحدود لبنان فحسب، في وقتٍ يسود فيه التوتر والانقلابات والانتفاضات في العالم العربي، ويتنامى الصراع المذهبي بين مراكز القوى السنية والشيعية وينعكس سلباً على لبنان ومسيحيي الشرق ولبنان.
غير أن طبيعة الديناميكيات السياسية في الطائفة المارونية، التي كانت تاريخياً متعددة الأطياف والخيارات، تدفع في اتجاه تأكيد أهمية التلاقي الماروني في دفع مواقف البطريركية ومنحها الزخم الكافي للتأثير والتجذر، وخصوصاً في هذه المرحلة. ولا بد للبطريرك الراعي من أن يبقى فوق الصراعات الداخلية في الطائفة، كي يتمكن من قيادة السفينة المارونية والمسيحية واللبنانية عموماً إلى بر الأمان والاستقرار والسلام، وحفظ القيم التي لطالما حملها الموارنة على مر تاريخهم المجبول بالمعاناة والتضحية والتمسك بالحرية وهويتهم اللبنانية والمشرقية.




فرنسا حائرة

بعد زيارته رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، الاثنين الماضي، أعلن السفير الفرنسي في لبنان، دوني بييتون، أن زيارة البطريرك بشارة الراعي لباريس «كانت ناجحة جداً». لكن بييتون نفسه عاد، خلال أقل من 48 ساعة، ليؤكد أن حكومة بلاده «قد خاب أملها» من مواقف الراعي. وأشار السفير الفرنسي إلى نيته زيارة الراعي، بطلب من الحكومة الفرنسية، لاستيضاح حقيقة مواقفه. وكان البطريرك الماروني قد أشار، فور وصوله إلى لبنان، إلى معرفة الفرنسيين بأمانة البطريركية على تراثها وثوابتها، ومعرفتهم بأنه يتكلم بموضوعية وتجرّد.