«جئت لأشهد». كلمتان تلخصان «الإرشاد الرسولي، رجاء خاص للبنان»، الذي توّج مسيرة سينودوس عُقد للمرة الأولى في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، من أجل وطن، هو لبنان، لا من أجل قارة، على ما جرت العادة.

لماذا من أجل لبنان؟ هل هو بمثابة قارة، حجماً وإمكانات وتأثيراً وثروات، ليخصصه الكرسي الرسولي بمجمع يشغل كل أركانه ومؤسساته، من رأس الكنيسة، البابا، إلى أي كاهن في أي قرية نائية؟
ببساطة، ليس لبنان إلا رسالة أكثر مما هو وطن، بحسب وصف البابا يوحنا بولس الثاني. رسالة عملية مبنية على تجربة وتراث وتاريخ، لا مجرد وصف عاطفي يدخل في إطار اللياقات، وقد لخصتها وثيقة الإرشاد الرسولي في الفقرتين الـ90 والـ91، بالقول: «عاش المسلمون والمسيحيون في لبنان جنباً إلى جنب، طوال قرون مديدة، حيناً في سلم وتعاون، وحيناً في صراع ونزاع. فعليهم أن يجدوا في حوارٍ يراعي مشاعر الأفراد والجماعات المختلفة سبيلاً لا بدَّ منه للعيش المشترك، وبناء المجتمع. وعلى اللبنانيّين ألَّا ينسوا تلك الخبرة الطويلة في العلاقات التي هم مدعوُّون إلى استعادتها، بلا كلال، من أجل مصلحة الأشخاص والأمَّة برمّتها. ولا يُعقل، في نظر أصحاب الإرادات الطيبّة، أن يعيش أبناء مجتمعٍ بشري واحد، على أرضٍ واحدة، ويفضي بهم الأمر إلى عدم ثقة بعضهم ببعض والتخاصم والتنابذ باسم الدين (...) هذا الحوار يجب أن يتواصل على مستويات عدّة (...) والخبرات العمليّة في ممارسة التضامن، هي ثروة لجميع الشعوب، وخطوة واسعة مهمة على طريق مصالحة الأفكار والقلوب، من دونها لا يمكن القيام بعمل مشترك طويل الأمد. والحكمة الطبيعيّة تقود الأفرقاء، إذاً، إلى تواصلٍ بشري غنيّ، وإلى تعاضد يُمتّن النسيج الاجتماعي».
أي ما يمكن تفسيره بأن لبنان نموذج ربما سبق عصره، والمطلوب تعميمه، حيث يعيش أفراد وجماعات متنوِّعون دينيّاً وثقافياً وإثنياً وحضارياً واجتماعياً، فيعالجون قضاياهم، مهما تعقدت، بالانفتاح والصراحة والحوار، بعيداً من أي عنف أو إكراه.
ولا تقتصر وصايا الإرشاد الرسولي للمسيحيين في لبنان على وطنهم، بل تتعداه إلى العالم العربي، برسمه مساراً يفضي إلى الخلاص، في ضوء التجارب المريرة التي مر بها هذا العالم، طوال سنوات، فجاءت الفقرة الـ 93 من الإرشاد الرسولي لتحمل «تشديد» البابا على «ضرورة المحافظة على علاقاتهم (أي المسيحيين اللبنانيين) التضامنيّة مع العالم العربي وتوطيدها، وعدِّ انضوائهم تحت لواء الثقافة العربية التي أسهموا فيها إسهاماً كبيراً، موقعاً مميّزاً، لكي يُقيموا، هم وسائر مسيحيّي البلدان العربية، حواراً صادقاً وعميقاً مع المسلمين. إن مسيحيّي الشرق الأوسط ومسلميه، وهم يعيشون في المنطقة نفسها، وقد عرفوا في تاريخهم أيام عزّ وأيام بؤس، مدعوّون إلى أن يبنوا معاً مستقبل عيش مشترك وتعاون، يهدف إلى تطوير شعوبهم تطويراً إنسانيّاً وأخلاقيّاً. علاوة على ذلك، قد يساعد الحوار والتعاون بين مسيحيّي لبنان ومسلميه على تحقيق الخطوة نفسها في بلدان أخرى».
من أجل هذه المهمة النبيلة الخلاصية، اختير بشارة الراعي بطريركاً على أنطاكيا وسائر المشرق، هو الذي يعرف عميق المعرفة الفاتيكان، حيث عمل سنوات، وفَقِه توصيات المجمع الفاتيكاني الثاني التي استلهمها السينودوس من أجل لبنان، وهو مذ انتخب مطرانًا عام 1986، عمل بهذه الروحية، مرتكزاً على مشروع إصلاحي للكنيسة المارونية، شرع في تطبيقه لحظة أعطي مجد لبنان. وحين أراد البابا يوحنا بولس الثاني إنقاذ لبنان الرسالة، استند إلى كثر، روحيين وعلمانيين، لكن الركن الأساس بينهم كان بشارة الراعي، وقد ولاه عصا المايسترو لقيادة تلك المسيرة.
خمس عشرة سنة تفصل بين إعلان الإرشاد الرسولي وإيداعه مسيحيي لبنان ليطبقوه، وتولي الراعي البطريركية المارونية، وقد ضاع منها وقت كثير وثمين من دون أن يُبذل جهد بارز وحقيقي لتنفيذ توصيات السينودوس، فبقي كثير منها حبراً على ورق، الأمر الذي لن يقبله من رافق تلك المسيرة المجمعية لحظة لحظة، وفكرة فكرة، ومحطة محطة، ويعرف تفاصيلها وجوهرها ويحفظها عن ظهر قلب، ويؤمن بها خلاصاً، وقد جاء ليشهد. وفي المسيحية، خصوصاً، لا شهادة إلا للحق.
بناءً على ذلك، كلام البطريرك الراعي، من باريس، كلام حق منزَّه عن أي غاية أو مصلحة شخصية، شهد له من عاصمة قرار، وأسمع دول القرار صوتاً صارخاً، ليس في برية، بل في الضمائر المشغولة عن الحق بـ«الفوضى الخلاقة» والمصالح ليس إلَّا.
وهو هو الثوابت المرتكزة على تاريخ البطريركية المارونية وأدبياتها ونظرتها الوطنية والإنسانية، وعلى رؤيتها الثاقبة إلى التطورات، في ضوء سياسات وتجارب لم تجر على لبنان ومحيطه سوى الويلات، وليست مستندة إلى ما كان يَعدُّه ثوابت من اتخذوا من منبرها متراساً، لمواجهة خصومهم والرد عليهم، وحاولوا إدخالها في زواريبهم ومصالحهم ورهاناتهم، وآخر تلك الرهانات الضرب على وتري حزب الله والوضع في سوريا، للحفاظ على «عدة الشغل» السياسية، لعلها تحفظ لهم بعض جمهور يعيدهم، يوماً ما، إلى سلطة فقدوها بسوء أدائهم وارتهاناتهم ومراهناتهم وكثير أموالهم.
ومن غير بكركي أدرى بثوابتها؟ ومَن مِن الذين انتقدوا كلام البطريرك الراعي، وجلهم يعيشون في قصور، وسط خدم وحشم ومواكبات أمنية، ويمضون معظم أوقاتهم سواء في الوطن أو في دول العالم، سائحين مترفين، ما زال، مثلًا، يغسل جواربه وصحن الطعام بيديه، كما يفعل البطريرك الراعي حتى اليوم؟
بشارة الراعي يحمل عصاه ويقول كلمته شهادة للحق... ويمشي.