عندما كان المطران بشارة الراعي يخرج يومياً، طوال أيام السينودس من أجل الشرق الأوسط الذي عُقد في تشرين الأول 2010، ليوجز للحاضرين المواضيع التي طرحت للنقاش في المجمع، كان على المتابعين أن يراقبوا ملخصات النقاشات التي احتضنها الفاتيكان حيال حال المسيحيين المشرقيين ومآلهم، وكان عليهم استكناه أن المطران الراعي سيكون صاحب الغبطة على الجغرافيا المارونية المشرقية، ليس جراء اقترابه العميق من الكاردينال ليوناردو ساندري، رئيس مجمع الكنائس الشرقيّة، العالم بأحوال أهل المشرق والمغرم بقداسة المنطقة، أو الكاردينال الموفد إلى لبنان والخبير المتألم من سوء أحوال مسيحيي العراق وفلسطين، والعارف ببواطن الحضور المسيحي في سورية، والمؤتمن بابوياً على تدبير الانتقال السلس والهادئ في الكرسي الأنطاكي الماروني، بل لأن الراعي، أيضاً، كان الأقرب إلى قراءة الحال جراء تمرّسه بالإعلام عبر مواعظه التلفزيونية، ومن خلال ترؤسه اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، ولذلك كان المؤتمن على إذاعة فحوى نقاشات السينودوس على الملأ. أما ما لم يُذع، فهو طيّ جبة بطريرك الموارنة وريث مار يوحنا مارون الآتي من بلدة سرمانية قرب جسر الشغور في سورية قبل غروب القرن السابع، التي عانت من فلتان مسلح خلال الأحداث الأخيرة، ومار مارون شفيع الكنيسة المارونية الذي لم تزحزح الزلازل والحروب ناووسه من براد، غربي حلب، منذ غرّة القرن الخامس.
ومنذ اليوم الأول لانتخابه بطريركاً، أفصح الراعي عن سَمْته العملاني باختيار مصطلح «شركة ومحبة» لسيرورته البطريركية. وفي الكلمتين، انطلق من العظة التي ألقاها البابا بنديكتوس السادس عشر في القداس الاحتفالي الذي افتتح فيه أعمال السينودس (الكنيسة في الشرق الأوسط: شركة وشهادة)، وفيه قال البابا «إنّ النظر إلى تلك البُقعة من العالم من منظور الله يعني أن نرى فيها مهدَ مشروعٍ شاملٍ للخلاص في الحب، سرّ شركةٍ يتحقق في الحريّة ولذلك يتطلب تجاوباً من البشر»، ومنها انتقى الراعي كلمتيه ـــــ الشعار ليبدأ كرازته.
لكن صِبية من ساسة المسيحيين اللبنانيين، الذين لم يقرأوا في حياتهم «التاريخ الرهباني» لتيودوريطس أسقف قورش، أو حتى تاريخ الدويهي والمطران الدبس، فانطبق عليهم قول خطيب روما الشهير شيشرون: «من لا يقرأ التاريخ يبقَ أبد الدهر طفلاً صغيراً»، مستعيضين عن المعرفة بتصفح فحوى رسائل القناصل، فكيف لهم أن يطلعوا على أعمال السينودوس وتوصياته، أو يجهدوا أدمغتهم الصغيرة بالتمعن في سؤال عن سبب إفراد الفاتيكان أعواماً للإعداد لمجمع فريد واستثنائي عن المشرق، لو لم يكن هناك تحسس من مخاطر على الحرية والتنوع، وتخوف من ارتفاع وتيرة هجرة الجماعة المسيحية.
لم يسمع هؤلاء قول الراعي في إحدى ملخصاته إنه «لا تزال قيمة اللبنانيين كبيرة، ومطلوب من لبنان أن يلعب دوراً كبيراً في العالم العربي، كما لعبه في الماضي على مستوى النهضة العربية والثقافية والسياسية والعروبة، إذ إنه ينعم بنهضة روحية كبيرة»؛ لأن قيم هؤلاء الساسة غير المضافة تترسخ في تحالفات سياسية ــــ مالية جعلتهم طوال السنوات الست الماضية، على الأقل، يلعبون بمصير جماعاتهم الصغيرة، ويربطونها ضمن محور عربي مقطور بالإدارات الغربية في لعبة كبيرة يحرص على قراءة كتابها حليفهم، الواضح حيناً والممارس للتقية السياسية المرتجّة حيناً آخر، وليد جنبلاط، وأقصد «لعبة الأمم».
كان يجب قراءة توصيات السينودوس حيال العلاقة مع المسلمين في المشرق بدقة، من خلال فاتحة استهلالية للبابا بنديكتوس السادس عشر في لقائه مع ممثّلي المسلمين في كولونيا، في آب 2005 وقوله إنه «لا يمكن الحوار الدينيّ والثقافيّ بين المسيحيّين والمسلمين أن يقتصر على خيارٍ عابر، لأنّه في الواقع حاجة حياتيّة يرتبط بها مستقبلنا ارتباطاً كبيراً»، التي افتتحت بها التوصية رقم 42 (الإسلام)، وفيها أن المسيحيّين والمسلمين يتشاركون معاً في الشرق الأوسط في الحياة والمصير «لذلك من المهم تعزيز مفهوم المواطنة، وكرامة الشخص البشري، والمساواة في الحقوق والواجبات، والحريّة الدينيّة التي تتضمن حرية العبادة وحرية الضمير». وأصرت التوصية أيضاً على المسيحيين في الشرق الأوسط «أن يثابروا على حوار الحياة المثمر مع المسلمين. ولذلك ينظرون إليهم نظرة تقدير ومحبّة، رافضين كل أحكام سلبية مسبقة ضدّهم. وإنهم مدعوون إلى أن يكتشفوا معاً القيم الدينية عند بعضهم البعض، وهكذا يقدّمون للعالم صورة عن اللقاء الإيجابي وعن التعاون المثمر بين مؤمني هاتين الديانتين من خلال مناهضتهم المشتركة لكل أنواع الأصولية والعنف باسم الدين».
من هنا، لا يمكن النظر إلى أقوال الراعي خلال زيارته لفرنسا على أنها موجهة إلى المسلمين أو للتخويف منهم، كما حاول لاعبون صغار الإيحاء، بل للإشارة إلى حركات إسلامية بعينها لم يفصح تاريخها إلا عن تشدد وإلغائية للآخر وماضوية، رغم تنكّب بعضها عناء عقد ربطات عنق، أما في الجوهر فإن الراعي ملتزم بحوار الأديان على قاعد الاحترام و«تعالوا إلى كلمة سواء».
الإشكاليتان اللتان طرحتهما صراحة البطريرك الراعي خلال زيارته الباريسية هما سورية وحزب الله، أي المنطقتان الأكثر إثارة لحساسية فريق الرابع عشر من آذار، واللتان جرى التهديف عليهما منذ اغتيال الحريري، وبخاصة أن كلامه تجاههما جاء يناقض ما وقع تحت غربال الذاكرة الواسع الثقوب لهذه الشريحة السياسية التي اعتادت طوال ربع قرن على كلام من نوع آخر يوضع فيه بعض العسل الأصفر في دلو ماء، حتى تحولت بكركي خلاله إلى بطريركية لا يتجاوز موقعها الجغرافي ونفوذها الروحي حدود أسقفية فخرية، كطرطوس مثلاً.
كان السؤال الملحاح الذي انقض على البطريرك فور انتخابه موضوع سورية. متى ستزورها؟ موقفه منها؟ وكان رده راعوياً وكنسياً. أعلن أنه سيزور رعيته التي تعيش في نظام سياسي يكرهه الملحاحون هؤلاء، الذين ما همّهم لحظة ما حصل أو يحصل، أو يعاني أو سيعاني منه الشعب السوري، حتى إنهم لم يشتكوا مرة أو يرفعوا عقيرتهم دفاعاً عن عامل سوري واحد ضُرب أو قُتل أو طُعن أو سُرقت محفظته خلال «ثورة الأرز». لكن الأسئلة كانت نابعة من قاعدة «ليطمئن قلبي» بأن البطريرك الجديد سيتتبع خطى سلفه في الازورار عن رعيته السورية لمجرد أنهم «سوريون».
وهنا تكمن عقدة عدم الفهم التاريخي قبل السياسي، حيث اعتاد الآذاريون من مسيحيي الأكثرية السابقة بطريركاً قدّم لهم غطاءً كنسياً لمعاداة سوريا، فهو زار العالم كله ولم يترك زاوية يلطي بها ماروني من مجاهل البرازيل إلى كاتنغا ولم يزرها، أما السبعون ألف ماروني والأبرشيات الثلاث في دمشق وحلب واللاذقية، وهي على مرمى حجر من بكركي والديمان، فقد محيت عن خريطة طريقه، ومحيت معها زيارة الشفيع مار مارون نفسه الذي عاش ومات غربي حلب.
وقد شهدت شخصياً، طوال عشر سنوات منذ كشفي في نيسان 2001 عن ناووس مار مارون في براد، فعل التجاهل هذا، فلم يلتفت البطريرك نصر الله صفير إلى أهمية الكشف، وهو الذي تملّص حينها من زيارة سورية برفقة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، لا بل أسرّ إلى البعض أنه ليس الأب اليسوعي المؤرخ هنري لامانس كي يبحث في التاريخ، وقد استفدت من مراجعه في قراءة الواقع الماروني في لبنان ومقتطفاته عن مناطق المدن الميتة، واستفدت كذلك من توقيع البطريرك صفير قرار طبع كتاب الأب بطرس ضو «تاريخ الموارنة»، ولولا إصرار «ذوي الألباب» وسطوع الوثائق التاريخية، لكان الكشف وعودة الموارنة إلى الجذور قد ناما حتى يقضي الله أمراً.
لم يحتج البطريرك الآتي من المتن الشمالي كثيراً ليحزم رأيه وينفذ واجبه الكنسي في زيارة رعيته، والسوريون منها، لولا اندلاع الأحداث هناك. وهنا بيت القصيد أيضاً، حيث أغفل من هاجم مواقف البطريرك أنه يعلم بما يحصل على الأرض من رعيته أكثر من هؤلاء الذين يطربون لـ«شهود العيان»، وأن هذه الرعية المنتشرة في دمشق وحلب وحمص وطرطوس واللاذقية وحماه وصافيتا ووادي النصارى كانت تخبره بواقع الحال وبموقفها السياسي وبتخوفاتها وإرهاصاتها، وأن أساقفته هناك بقوا مع رعيتهم ولم يتركوها.
ومع ذلك لم تأت مواقف البطريرك الراعي من خلفية «أنتي سنيّة»، كما حاول بعض جهابذة 14 آذار الإيحاء، أو كما حاول مسؤول أميركي وصفته إحدى الصحف الآذارية بالبارز، من دون أن تفصح عن مدى بروزه، كي يغمز من أن الطريقة التي تحدث بها البطريرك الراعي عن السنّة تظهر عدم مبالاته باغتيال رفيق الحريري، حيث حشر موضوع الحريري حشراً، لأن مواقف البطريرك واضحة تجاه المحكمة وعدم التسييس. أما إقليمياً، فمواقفه تجاه الحوار الإسلامي ــــ المسيحي كانت ساطعة خلال السينودوس، فهو قارع أجراس التقارب والحوار والتنبيه إلى واقع الحال، وهو لم يذكر فئات بعينها في حديثه الباريسي، بل تكلم على المتشددين في الشارع، ومن يمكنه نكران وجودهم عليه أن يبحث عما بقي من مقابر الصوفيين في مصر قبل البحث عن بعض «الذبّيحة» في دير الزور وحماه. وهو، هنا، يسعى إلى تثبيت الموقف الفاتيكاني في حرية الرأي والمعتقد، لا بل الذهاب إلى الدولة المدنية والمواطنة، وهو تحدث عن فراغ في الرؤية المستقبلية يتشارك أسئلتها وقلقها مع أسئلة إمام الجامع الأموي الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الذي سأل محاوريه الطالبين منه الانضمام إلى «ثورتهم» عن مشروعهم، وعن البديل، وعن قائدهم، وعندما لم يلق جواباً غير «إسقاط النظام» أقفل الباب بوجههم.
لقد فات المنتقدين أن الراعي هو بطريرك أنطاكية وسائر المشرق. وليس نائباً عن البترون يسعى إلى الوصول بأي ثمن إلى رئاسة جمهورية أو يستبدلها بوزارة على سبيل الترضية، أو هو رئيس بلدية في الشوف مستقتل للاستنياب ولو مرة واحدة. إنه مسؤول عن تراث يمتد 1600 عام من الجماعة المارونية، أي قبل أكثر من 200 عام من وصول الرسالة المحمدية إلى بوابة بصرى الشام، ومسؤول عن 2000 عام من الرسالة المسيحية في المشرق.
وقد تغافل من تغافل أن الراعي طالب بإصلاحات عميقة في سورية وبالحريات، لكنهم لم يسمعوا إلّا بطلبه إعطاء فرصة للرئيس السوري لتنفيذها، وهنا يخالفهم ويخالف باريس نفسها وواشنطن أيضاً، لأنه يعرف أن الديموقراطية لا تجلبها مجنزرات الناتو أو طائراته، بل تصنعها الشعوب، فلماذا لا يترك للسوريين اختيار طريقة بناء حياتهم المدنية والوطنية بعيداً عن نصائح من هنا وتهديد وتدخل من هناك؟! أمّا الذين كتبوا من معارضين سوريين عن موقف المسيحيين فيها، فقد تغاضوا عن أن الفساد طاول مجموع السوريين، والرشوة أنهكتهم جميعاً من دون تفرقة دينية، وأن الدمقرطة والحريات هي مطلب الجميع، لكنهم وقعوا في المأزق الإلغائي، فإذا كان المسيحيون السوريون مع النظام، مع التشديد على وجود معارضين بينهم، فهذا خيارهم الحر من دون توصيفات تخوينية لهم بعيدة عن هاجس احتكار الديموقراطية لدى بعض المعارضين. لا بل تجب قراءة هذا الموقف من المسيحيين السوريين بناءً على الواقع الاجتماعي واحترام خياراتهم والبحث في مسبباتها بعيداً عن استغراب ذلك والامتعاض منه والسعي إلى الوصاية الفكرية عليهم، لأنهم نحو 10% من السكان، ولديهم أعلى نسبة تعليم، فهم جديرون باتخاذ خياراتهم بعيداً عن القسر والأستذة والبحث عن أمراض التخويف التاريخية، وبخاصة أن السينودوس الأخير لم يبحث في أوضاعهم البتة، حيث لم يجد المجتمعون أخطاراً تتهدد مسيحيي سورية كالحروب والاضطهادات التي أثارتها الوثيقة. حيث إن سورية، كانت دائماً مثالاً للتعايش بين الأديان، وتجلّى ذلك في استقبالها نحو 200 ألف مسيحي عراقي، وقبلهم لبنانيون، ولأن المسيحيين فيها لا منطقة محددة لوجودهم المادي، فهم منتشرون من حوران إلى أقاصي الجزيرة وحلب والساحل ووسط البلاد وغربها. إنهم في دساكر وقرى وعلى تخوم البادية، يشهد السريان منهم لأصولهم التاريخية ولم يقربهم أحد باضطهاد، وعلاقاتهم مع مكونات المجتمع الأخرى على درجة عالية من المواطنة، ولذلك فهم في حال تفتيت المفتت لا جغرافية صلبة لهم، فلماذا يجب التشكيك في خياراتهم وحرية تعبيرهم عن مواقفهم السياسية؟!
أما الموقف من حزب الله والسلاح وما بقي من أراض لبنانية محتلة والصراع مع إسرائيل، فإن مواقف البطريرك، طبعاً، غير مستساغة من قبل هذا الفريق السياسي الذي اعتاد مواقف مسبقة مواربة، أحياناً لا طعم ولا لون ولا رائحة لها، تسير بين النقاط محاولة عدم التعرض للبلل السياسي، وأحياناً تفصح عن منحى تفريقي رافضة السلاح بالمطلق من دون إيجاد بدائل للمقاومة، فتستعدي جزءاً من مكونات المجتمع اللبناني من غير أن تهتم بقراءة متعمقة لبنيان هذا المجتمع وعمارته، فالمطلوب مسيحياً ليس استعداء أحد، بل تنفيذ مفهوم «الشركة» مع الجميع و«المحبة» في ما بينهم، ولذلك قارب الراعي موضوع سلاح حزب الله من منطلق أن تنفذ إسرائيل انسحابها من الأراضي اللبنانية تحت ضغط من المجتمع الدولي، إن كان يستطيع، وهو المجتمع نفسه الذي لم يستطع أوباما وساركوزي وبرلوسكوني أن يمونوا على بنيامين نتنياهو بالاعتذار، مجرد الاعتذار لتركيا، لتجنيب صديقهم رجب طيب أردوغان قرارات مؤلمة. وبعد ذلك يمكن اللبنانيين في ما بينهم تدبر موضوع السلاح...
وماذا في قوله للفرنسيين إن السلاح مرتبط بشؤون عديدة، وإنه أجاب عن تساؤلات الجميع عن سبب حمل حزب الله له بأن الأسرة الدولية لم تضغط على إسرائيل للخروج من لبنان «وطالما هناك أراضٍ لبنانية محتلة فحزب الله سيستمر في القول إنَّه يريد أن يحمل السلاح دفاعاً عن أرضه، فماذا نقول له حينذاك؟ ليس معك حق؟». فأين أخطأ البطريرك في هذه المقاربة؟ أوليس هذا فحوى القرارات الدولية أو «المجتمع الدولي» الذي يحبه منتقدو البطريرك؟! وأين الخطأ في قوله: «هناك فلسطينيون على الأراضي اللبنانية يملكون سلاحاً ويريدون حق العودة، وحزب الله يريد أن يساعدهم على العودة إلى أراضيهم، ويجب أن يضغط المجتمع الدولي على إسرائيل لإعادتهم إلى أراضيهم وعندها نقول لحزب الله سلم سلاحك فلا حاجة لك به منذ الآن».
أما الموضوع الإسرائيلي، فمن حق الراعي الخوف على الأرض المقدسة في ظل الهجوم المغطى بالشوكولا الدولية لتهويد فلسطين، ما يعني خروج المسيحية نهائياً من بيت لحم والناصرة والقدس. وإذا كانت هذه المواقف تخيف هؤلاء المنتفضين لفظياً على البطريرك الراعي بعدما كالوا له المدائح التي لم يقلها مالك في الخمر بعد انتخابه، فلماذا لا يصف ردودهم بالسطحية فور عودته من زيارة «أمهم الحنون» الغارقة في النفط الليبي، والساعية إلى الغاز الجزائري، والمصرّة على إسقاط النظام في دمشق.
... «وكانت جماعة المؤمنين قلباً واحداً». هذا كان موضوع السينودوس، وهذا ما حاول البطريرك الراعي تنفيذه عبرَ جمع المسيحيين في لبنان ومقاربة مفهوم الشراكة الكاملة مع مكونات المجتمع المشرقي لحماية الشهادة المستمرة منذ 2000 عام على هذه الجغرافيا، تردداً لصدى جواب عابر للقرون قاله قس بن ساعدة، أسقف نجران وحكيم العرب وبليغها المتوفى عام 600 للميلاد، في رده على سؤال إمبراطور بيزنطي: ما أفضل العقل؟ فكان جوابه: معرفة المرء بنفسه.
هكذا عرف البطريرك الراعي، وهو «مار» وتعني «السيد» أن الرسالات لا تبنى إلّا على الحق، وليس على تحوير وجهة طارق بن زياد «العدو من ورائكم والبحر من أمامكم»، فليس لكم والله في طريقهم هذا إلّا الانتحار، أو سفن ريتشارد مورفي. فعبَرَ بوابة البانثيون إلى مطل بكركي وسيدة لبنان باتجاه أنطاكية وسائر المشرق، تاركاً «التمعيز» السياسي يغلي في مرقه.




«استيعاب مسيحيين سوريين»

بعيداً عن بطريرك الموارنة، كان بطاركة المشرق الآخرون، ومقرهم دمشق منذ الثلث الأول من القرن الرابع عشر الميلادي بعد انتقالهم من أنطاكية إليها، على بيّنة مما يحصل في سورية. لا بل إن بطريركاً مشرقياً قابل في نيسان الماضي رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الجمهورية عبد الله غول في مسعى إلى استعادة أديرة في منطقة الرها، شمال شرق سورية سابقاً، جنوب شرق تركيا حالياً (الأوسران تاريخياً) وخرجوا منها بعد مذابح الأرمن التي طاولتهم أيضاً، سمع من أردوغان كلاماً ليس عابراً عن ترك سورية، وكأن هذه الجماعة التاريخية لم تكفها هجرة الغالبية العظمى من الجزيرة السورية. وتردد على مسمع البطريرك بشارة الراعي أيضاً كلام للسفيرة الأميركية مورا كونيلي في أحد الأديرة اللبنانية «عن إمكانية استيعاب مسيحيين سوريين».



نقص في الاطلاع

لم يطّلع من ينتقدون البطريرك بشارة الراعي على التقرير الذي قدمه المقرر العام للسينودوس البطريرك أنطونيوس نجيب، بطريرك الإسكندرية للأقباط، وورد فيه: «أدركنا اليوم أكثر فأكثر التحديات التي تنتظرنا في الشرق الأوسط، الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حرب العراق، الصراعات بين السنّة والشيعة في المنطقة، الهجرة، العلاقة مع الإسلام المتعصب». ولم يسمعوا بما تحدث به بطريرك القدس للاتين فؤاد طوال عن مسيحيي «الكنيسة الأم في الأراضي المقدسة» التي أضحت تمثّل 2% فقط من عدد السكان». ولم يتوقفوا عند العوامل التي تضعف الحضور المسيحي التي طرحها باسيليوس جرجس القسّ موسى رئيس أساقفة الموصل للسريان وهي الهجرة والإرهاب الذي يستوحي الإيديولوجيات الدينية وانخفاض الولادات المقلق عند المسيحيين، مشيراً إلى «انتشار مفهوم خاطئ يتهم المسيحيين جوراً بموالاة الغرب الذي يُظنّ أنه ما زال مسيحياً».