ابرز المفاعيل الاستراتيجية لحرب تموز 2006 أنها ألقت بظلالها الثقيلة على المبادئ التي تتألف منها الاستراتيجية العليا التي حكمت الاداء العملاني لجيش العدو في مواجهة التهديدات المحدقة بالكيان الاسرائيلي. منذ ما بعد اقامة دولة اسرائيل عام 1948، أرسى مؤسسها ديفيد بن غوريون ثلاثة مبادئ كانت، ولا تزال، تعرف في اوساط الخبراء والباحثين بعنوان النظرية الامنية: «الردع، الانذار والحسم».


هذه المبادئ أدت الى حماية دولة اسرائيل وتوسعها وتطورها وانتصارها في أغلب حروبها ضد القوى والجيوش العربية. مع ذلك، فإن النصر الاخير الذي سجلته اسرائيل في ضوء هذه المبادئ كان في حرب عام 1982.
المفهوم الاسرائيلي للحسم، كما عبر عنه الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية، رئيس معهد ابحاث الامن القومي اللواء عاموس يادلين وآخرون، يعني «تدمير قدرات العدو واحتلال ارضه». وبناء عليه، ينبغي على الجيش نقل المعركة الى ارض العدو، وان يكون الحسم في أقصر فترة ممكنة، حتى لا تتحول الحرب الى عامل استنزاف لدولة اسرائيل، على المستوى البشري والاقتصادي والامني والسياسي..
أحد أبرز معالم فشل اسرائيل في الحرب التي شنتها عام 2006، ليس إخفاقها في تحقيق الحسم فحسب، بل ــــ بحسب تقرير فينوغراد ـــــ عدم تمكنها من الفوز بالنقاط. وهي لم تستطع نقل المعركة الى ارض العدو، بل تحولت جبهتها الداخلية الى ساحة تلقت فيها صواريخ حزب الله حتى اليوم الاخير من المعركة، ووصلت إلى مرحلة كادت أن تتلقى تل ابيب نفسها صليات صاروخية ثقيلة، لو لم ترتدع اسرائيل عن استهداف بيروت، لادراكها امتلاك حزب الله القدرة والارادة.
هذه الحقائق حضرت بقوة لدى صانع القرار السياسي والامني، وتحولت مادة للدراسة والبحث لدى لجان التحقيق التي ألّفها الجيش، كما تركت اثرها على المنظرين الامنيين الاسرائيليين، وظهرت مفاعيلها، ايضا، على طاولة لجنة تطوير النظرية الامنية التي كان يترأسها في حينه دان مريدور. وبعد استخلاص العبر من نتائج الفشل وأسبابه، اضافت اللجنة للمرة الاولى في تاريخ اسرائيل، على المداميك الثلاثة للنظرية الامنية، مبدأً رابعاً تمثل بـ «حماية» الجبهة الداخلية.
تحول هذا المبدأ الى عامل اساس في بلورة توجهات الحكومات الاسرائيلية والخطط العسكرية والاستراتيجيات التي ترسمها في مواجهة التهديدات والاخطار. والتزاما بهذا المبدأ، بدأت عمليات صناعة وتطوير منظومات الصواريخ الاعتراضية التي استندت الى حقيقة باتت مسلّمة لدى الجيش والقيادة السياسية بأن اسرائيل لم تعد قادرة، في ظل التكتيكات التي تتبعها المقاومة في لبنان ــــ وانتقلت لاحقا الى فلسطين ــــ على الحسم ولا على اسكات الصواريخ التي تدك جبهتها الداخلية.
هكذا باتت الاستراتيجية الصاروخية التي أثبتت نجاعتها بقوة في حرب عام 2006، وخطر استهداف الجبهة الداخلية لاسرائيل، أكثر حضوراً في حسابات صانع القرار السياسي والامني لدى دراسة خياراته في شن ضربات موضعية أو واسعة ضد اهداف قريبة أو بعيدة. وتجلّت هذه الحقيقة في الحرب على قطاع غزة، إذ لم تستطع اسرائيل حسم المعركة ولا شل قدرة المقاومة على اطلاق الصواريخ برغم ما يتمتع به القطاع من ظروف جغرافية وسياسية وامنية، تصب جميعها في مصلحة العدو.
في المقابل، كانت اسرائيل أكثر حذراً وقلقاً وتردداً إزاء حزب الله، بفعل حضور قدراته الصاروخية والعسكرية، الاستراتيجية، في حسابات صانع القرار السياسي والامني في تل ابيب، بل في وعي ووجدان مجمل الرأي العام الاسرائيلي. وقبل وبعد كل ذلك ادراكها لامتلاك حزب الله الارادة على تفعيل هذه القدرات ان اقتضى الامر.
وما كان لهذا الحضور والتجذر في وعي مجمل الهرم القيادي العسكري والسياسي الاسرائيليين، لولا أنه اكتوى بمفاعيل حرب عام 2006. وكانت تحضر مع كل خيار عدواني تلوح به اسرائيل في مقابل مسار بناء وتطوير قدرات حزب الله في المرحلة التي تلت، سواء عندما كانت تهدد النظام السوري لردعه او عندما تلوح باستهداف عمليات نقل الاسلحة (الى ما قبل بدء الاحداث في سوريا التي منحت العدو هامشا معينا في هذا المجال). وكانت تحضر ايضا، مع كل خيار عدواني تلوّح به لاستهداف المنشآت النووية الايرانية، ومع كل خاطرة تلوح في ذهن جنرال عسكري أو قائد سياسي حول كيفية ردع حزب الله وسوريا عن دعم المقاومة الفلسطينية.
هكذا اسس الانتصار الذي أنجزه حزب الله في 2006 لمعادلة اقليمية غيَّرت مجرى تاريخ المنطقة من خلال تغيير معادلات الصراع مع العدو. وعلى هذه الخلفية أتى إقرار رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، في كلمة له في مركز هيروشالمي (موقع يديعوت احرونوت 06/06/2007) بالقول: "منذ الانسحاب الاحادي من لبنان (عام 2000) مرورا بالانسحاب الاحادي من قطاع غزة (2005)، وحاليا بعد حرب لبنان الثانية (2006)، انقلب الاتجاه وبات الان من الواضح ان اسرائيل ليست دولة لا يمكن التغلب عليها. وعادت علامات الاستفهام ترفرف فوق أصل وجود دولة اسرائيل، ليس فقط لدى الاعداء وانما ايضا لدى الاصدقاء".