بين حركات المقاومة وحركات التحرر الوطني، فارق نوعي؛ فالتحرر الوطني يشتمل على مفهوم المقاومة، ولكنه يتجاوزه إلى مفاهيم الاستقلالية والتنمية الوطنية المعادية لليبرالية الكمبرادورية والديموقراطية الاجتماعية والنزعة الانسانية التقدمية المعادية للرجعية والتعصب ونبذ الآخر. وليس بالضرورة أن تشتمل حركات المقاومة على كل هذه المفاهيم، مكتفية بالقتال ضد المحتلين؛ ولدينا، في بلادنا، مثالان حديثان: المقاومة العراقية التي قارعت الاحتلال الأميركي حتى طردته عسكرياً، ولكنها لم تتبنّ الاستقلالية ولا التنمية وغرقت في الرجعية والفساد، وحتى العجز عن إعادة بناء الدولة.


المثال الآخر: حركة حماس التي قاتلت الاحتلال الإسرائيلي، ولكنها افتقرت إلى أبسط مفاهيم وسياسات التحرر الوطني.
في أميركا اللاتينية بيئة ثقافية شبيهة بالبيئة العربية، من حيث الحضور الجماهيري القوي للدين. ولطالما جرى استخدام الكنيسة، في القارة المظلومة، ضد شعوبها، حتى اجترح آباء مناضلون، ما عُرف بـ «لاهوت التحرير». وهو، بإيجاز، إعادة تفسير للمسيحية بقيم التحرر القومي ــــ الاجتماعي.
في بلادنا، لم تحدث مثل تلك التجربة؛ بالعكس، كانت الحركات الإسلامية، دائماً، رجعية؛ حركة الإخوان المسلمين ولدت في أحضان الاحتلال البريطاني لمصر، وبعطف القصر الملكي. وهي عادت السياسات التحررية والاجراءات التقدمية الناصرية. كذلك فعلت إزاء ثورة البعث الفلاحية في سوريا. ومن لدن الإخوان المسلمين، خرج الفكر التكفيري الإرهابي على أيدي سيّد قطب، الأب الروحي لكل الحركات الإرهابية اللاحقة. ولعب الإخوان المسلمون، كما هو معروف، دوراً أساسياً في إنشاء القاعدة في أفغانستان. وإلى ذلك، اتسم الاسلام السياسي العربي بثلاث ميزات، أولاهما، التطابق مع الاقتصاد اللليبرالي الكمبرادوري التابع للرأسمالية العالمية، وثانيتهما، العداء العميق للقومية، سواء العربية أو السوراقية المشرقية، وثالثتها العداء للشيوعية مما جعل الاسلام السياسي أداة للامبريالية طوال الحرب الباردة.
حزب الله حالة فريدة في الاسلام السياسي العربي؛ فقد ولد الحزب في أتون مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ومرتبطاً بثورة قومية شعبية جبارة هي الثورة الإيرانية، وبمركز التحرر العربي في سوريا. ومع ذلك، اندرج الحزب، ومن ثم تخلّص، وأظنه سيتخلص من كل خطايا الاسلام السياسي.
نشأ الحزب، في البداية، حركة مقاومة لا علاقة لها بأي بعد قومي تحرري. قارع إسرائيل، ولكنه كان معاديا للشيوعية، واصطدم مع الحزب الشيوعي اللبناني. وقد انحكمت نظرته للغرب بالنظرة الاخوانية التي ترى الغرب واحدا معاديا للإسلام، ذا طبيعة جوهرية موحدة لا قوميات ومجتمعات تتصارع عالميا. ولذلك، وقف الحزب مع الحركة الانفصالية البوسنية الرجعية المدعومة من الولايات المتحدة ضد صربيا القومية المعادية للغرب الامبريالي وصديقة العرب.
قفز حزب الله فوق هذه المرحلة البدائية، وخصوصا بسبب تعمق علاقاته مع دمشق، في التسعينيات. ركّز على المقاومة، ولكنه دخل مع كتلة رفيق الحريري في حالة زواج مصلحة أو مساكنة، اكتفى فيها الحزب بالمقاومة وبناء مؤسساته الاجتماعية والإدارية والإعلامية، بينما ترك لبنان للنهب النيوليبرالي الكمبرادوري على أيدي الحريرية المتحالفة مع الجناح الأكثر فسادا في النظام السوري. ربما كان لهذا التساكن، الذي ألغى السياسة والثقافة في لبنان، ما يبرره من ضرورة التركيز على تحرير الأرض. وقد انتهت هذه المرحلة، موضوعيا، في العام 2000 حين اضطر العدو الإسرائيلي إلى الانسحاب من معظم جنوب لبنان.
عندها سعى الحزب إلى تسويغ وجوده وسلاحه، إيجابيا، بتقديم نفسه كقوة دفاعية تحافظ على استقلال وكرامة لبنان. ونجح في البرهنة على دوره الجديد هذا في ما حققه من نصر حاسم على العدوان الاسرائيلي على الأراضي اللبنانية في العام 2006. ونحن نحتفل اليوم بذكرى ذلك الانتصار، لكن مع وعينا الكامل، أن معناه قد انتهى بالمعنى الاستراتيجي. حزب الله حاز على اعتراف به كقوة ردع لبنانية، وانتهى الأمر.
القفزة الثالثة في حياة حزب الله، تمثلت بمشاركته في الدفاع عن الجمهورية العربية السورية في مواجهة الحرب الامبريالية الرجعية العثمانية. بالنسبة للحزب، كمقاومة وقوة دفاع، لا مناص من تلك المشاركة، لأسباب جيوسياسية أمنية؛ فهزيمة سوريا، كانت ستؤدي إلى ضرب حزب الله من الخلف. وما كان الحزب لينتظر الهجوم على معاقله من قبل الإرهابيين، بل كانت الحكمة تقتضي مواجهتهم في سوريا نفسها.
لكن اندغام حزب الله في الحرب السورية، وضعه، تاريخيا، في مرحلة جديدة؛ فهو يقاتل قوات إرهابية ذات صبغة اسلامية، ويدافع عن نظام قومي ــــ علماني. وهو يقف، في هذه الحرب، في خندق متعدد الثقافات والأديان، من إيران إلى روسيا إلى الصين. وبينما واجه حزب الله، جراء تدخله في سوريا، عداء الإسلاميين، فإنه وجد في التقدميين والعلمانيين والقوميين واليساريين، حلفاء أصلاء؛ كما وجد في المسيحيين، مثلا، قاعدة اجتماعية لا تقل ولاء عن القاعدة الشيعية.
كل ذلك من شأنه تحطيم الأصنام، ووضع الحزب على سكة المراجعة الفكرية التي طال انتظارها، وسيؤثر تجاهلها على مستقبل الحزب وتماسكه وفعاليته وتحالفاته.
غير مطلوب من حزب الله، التخلي عن المرجعية الدينية، وإنما إعادة تفسيرها وتنظيرها في سياق فقه التحرير، ووفقا لثلاثة خطوط هي: أولا، تبني الفكرة القومية، المشرقية والعربية؛ ثانيا، معاداة الرأسمالية وتبني مشروع التنمية الوطنية الشعبية والديموقراطية الاجتماعية؛ ثالثا، تبني مشروع الدولة المدنية العلمانية.
في التراث الديني للحزب، أصول لكل ذلك؛ فآل البيت هم أشرف العرب، وموئل التشيع في الهلال الخصيب، والحسين فدائي من أجل العدالة الاجتماعية أولا، وفي منطق الإمام علي، علمانية اسلامية انسانية، يحددها قوله: الناس اثنان: أخٌ لك في الدين، أونظير لك في الخلق. ويمكننا أن نضيف: نظير لك في القومية وفي الطبقة الاجتماعية.