الخوف من الحرب أكبر من الحرب نفسها. الامر لا يتعلق بحسابات فوق المنطق، بل بنتائج ما أعدّ خلال سنوات طويلة لحرب آتية حتماً. مرة جديدة، الحديث عن الحرب ليس ترفاً يخص هواة النوع. الحديث عن الحرب مثل الحديث عن الحياة اليومية. عندما تقيم بجوار عدو كإسرائيل، لا يمكنك أن تغمض عينيك، لحظة واحدة، عن وحش لا مجال لمواجهته بغير الرصاص.


أما لماذا الاستنتاج أن الحرب قادمة الآن؟ فلأن زمانها قد آن، ولأن العدو الذي لا ينظر الى المشهد من زاوية جزئية، يعرف تماماً أن الاتفاق النووي بين إيران ودول الغرب يمثل حداً فاصلاً بين مرحلتين. الجيد في الامر أننا أمام عدو غير ساذج أو كيدي كجماعة 14 آذار، بل أمام عدو يعرف قبل غيره، وأكثر من غيره، ماذا يعني هذا الاتفاق. وهو الذي لم يغادر تفكيره بعد مشروع التعرض عسكرياً لإيران نفسها، رغم كل التحذيرات الاميركية.
مشكلة إسرائيل، بعد الاتفاق النووي، لا تتمثل طبعاً في خطر تحوّل السياح عن زيارة القدس الى زيارة مشهد. مشكلة العدو، هنا، تتعلق بأن إيران التي ستكون أقوى من ذي قبل لم تتغير بعد. مشكلة العدو في كون المقاومين لها، في لبنان وفلسطين وسوريا، كانوا يستفيدون من إيران المحاصرة والمعتدى عليها والرازحة تحت ضغوط وحصار وعقوبات، وتمكّنوا من تحقيق نجاحات كبيرة. ومشكلة العدو أن هؤلاء يستعدّون لمستوى جديد من المواجهة، مستفيدين، أيضاً، من إيران أقوى وأقل عرضة للضغوط والحصار. ومشكلة العدو مع إيران أنها كانت دائماً مستعدة لأن تقدم دعماً مالياً وعسكرياً وسياسياً على حساب رفاهية شعبها وتقدمه، وكانت تصرف من أموال الشعب المحتاج الى كل قرش، لدعم المقاومة وحمايتها، فكيف ستكون الحال مع إيران الاقوى؟


مشكلة إسرائيل بعد الاتفاق النووي، أنّ
ترقّب تغييرٍ في إيران، يحتاج إلى تغيير النظام لا سلوكه، بينما تنمو المقاومة وتقوى



صحيح أن في إسرائيل تفكيراً يوازي تفكيراً غربياً وعربياً بأن الانفتاح سيجعل إيران تتغير وتتخلى عن برامج دعمها لقوى المقاومة، لكن هذا الاحتمال يحتاج الى تغيير جذري في بنية النظام لا في سلوكه. وهذا ما تعرفه إسرائيل جيداً، هي التي تدرك أن المسألة لدى إيران تنطلق من حسابات عقائدية قبل أن تنعطف عليها المصالح السياسية وغيرها.
أكثر من ذلك، في إسرائيل قلق من أن نجاح إيران في مقاومة كل أشكال الضغوط، سيدفع بدول كثيرة في العالم الى البحث عن طرق للتفلت من الهيمنة الاميركية والغربية، وأن دولاً كبرى، كروسيا والصين وغيرهما، ستستفيد من الواقع الجديد، في سياق تعزيز ثنائية القيادة في العالم. وكل شراكة لأميركا في قيادة العالم تعني حكماً خسارة لمحورٍ، إسرائيل حاضرة بقوة فيه.
ومشكلة إسرائيل بعد الاتفاق النووي أن إمكانية التواصل والتفاعل بين إيران ودول المنطقة لمعالجة ملفات ملتهبة، مثل الذي يجري في سوريا واليمن ومناطق أخرى، لن تنتهي الى خسائر لحلفاء إيران. كل تحليلات هذا أو ذاك لا تفيد إسرائيل في أن سوريا الداعمة للمقاومة لم تسقط، وأن اليمن في طريقه ليكون طرفاً فاعلاً في المحور، وأن العراق على كل ما فيه من كوارث، سيكون ساحة يستفيد منها محور المقاومة أيضاً. وفي نهاية كل هذا، تعرف إسرائيل، جيداً، أن حصّالة يحملها مقاومون في لبنان وفلسطين سيجمعون فيها المزيد من الزاد لمواجهة قاسية وحاسمة كلنا في الطريق اليها.
أمس، وفي سابقة، نشر جيش العدو وثيقة رسمية تتعلق باستراتيجيته العسكرية. وبالتجربة، يمكن القول، بداهة، إنه ليس صدفة أن النشر أتى عشية الذكرى السنوية لحرب عام 2006، وقبل 24 ساعة فقط من خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، في مهرجان اختار حزب الله وادي الحجير بكل رمزيته ساحة له. ولنقل أمراً أكثر دقة، هو أن خطاب النصر يمثل بالنسبة إلى العدو خطاب حالة الاتحاد، يقول فيه السيد نصرالله العناوين الخاصة بالمواجهة مع العدو، وهذا الخطاب له بعده الخاص، كونه يأتي بعد الاتفاق النووي الذي اعترضت عليه إسرائيل بقوة، وتسخّر كل قواها داخل الولايات المتحدة لإسقاطه، خاصة أن الاتفاق يمثل نقطة تحول في مسار من الصراع بين إسرائيل ومحور المقاومة اختتم بانتصار الاخير.
ربما أراد العدو أن يقدم وثيقة تبدو كما لو أنها ردّ على استراتيجية المقاومة التي أثبتت فعاليتها، في لبنان ثم في غزة، وباتت عاملاً أساسياً في معادلة الردع مع العدو.
لا شيء أوضح من أن العدو بات يقف قبالة الممر الإلزامي للعبور نحو المستقبل. إنه الممر الذي يدفعه، راغباً محفزاً، أو مقهوراً قلقاً، نحو مواجهة تحتاج منه إلى كل جهد، وكل طاقة، وكل قدرة أو تفكير. وهو يعرف أنه عند مفترق مقدر في هذا الطريق، ينتظره من يستعد أيضاً، بكل جهد وكل طاقة وكل قدرة أو تفكير، لمواجهته ولجعله يدخل مرحلة التراجع نحو زوال محتوم.
كل هذا يعني، ببساطة، لمن يهتم ولمن يرغب ولمن يقلق أو يكره، أننا دخلنا مرحلة الاستعدادات العملانية الاخيرة للحرب الحاسمة مع جبهة المقاومة الشمالية، وهي التي تمدّدت بفعل الازمة السورية لتشكل مسرحاً أكبر بكثير من الذي ظل لعقود محصوراً في جنوب لبنان. وهي حرب لا مناص من خوضها، ولا مجال إلا لربحها، وكل تعب أو تضحية فيها سيثمر حرية وكرامة وحياة مستحقة.