كان على سنية صالح (1935- 1985) التي رحلت قبل ثلاثين عاماً بالتمام، أن تنطفئ باكراً، فكل ما كان يحيط بها بدا متصدّعاً: طفولة منكسرة، وأحلام مهشّمة، وحزن أبدي مقيم في الضلوع. كيف لفراشةٍ ضالة مثلها أن تجابه كل هذه الخسارات دفعةً واحدة؟ الطفلة التي لم تتعلّم النطق إلا متأخراً، لجأت إلى تعويض هشاشتها الداخلية بكتابة ألمها الشخصي على كرّاساتها المدرسية، قبل أن تقتحم الساحة الشعرية مثل عاصفة بقصيدتها «جسد السماء» التي فازت بجائزة «صحيفة النهار البيروتية» (1961)، القصيدة التي تفوّقت على قصيدة لمنافسها محمد الماغوط في الجائزة. هكذا وجدت نفسها فجأة في قلب حركة الحداثة الشعرية بصحبة كوكبة من الشعراء الطليعيين مثل أدونيس، وأنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا، وفؤاد رفقة، وصخب مجلة «شعر» وبياناتها في الحداثة والتجاوز والهتاف المضاد. لكن الشاعرة الشابة لم تنخرط عملياً في تطلعات هؤلاء الشعراء، إنما كانت تنصت إلى خزّانها من الألم الداخلي، والذهاب طوعاً إلى الظّل، في مكابدات حسيّة تنطوي على قلق وجودي عميق، وذات جريحة، وأحلام مشوّشة.

من هذا الباب، على وجه التحديد، يمكننا أن ننظر إلى ديوانها الأول «الزمان الضيق» (1964)، بوصفه بياناً شعرياً لعبور النار واشتعال الجسد والعقل والمخيّلة بحمّى الكشف، كما لو أنّ الشعر هو حلم وحدس ومكاشفة غامضة لردم الآلام. وهو ما تشير إليه شقيقتها خالدة سعيد إذ تقول: «هو شعر على حدة لا يشبه أحداً، وليس منضوياً في تيار. شعر لحزن متوحّش ينبجس من الجوهر الأنثوي الخالق المطعون المسحوق عبر التاريخ. بقدر ما ينشد حكاية المغدورين، يتقدّم كصيحة للجسد الذي انتهى بين المباضع وأسرّة المشافي». مغامرة سنية صالح إذاً، تأتي من يتمها الشعري، رغم إحاطتها بعائلة شعرية باذخة، حاولت احتضانها بقوة، لكن نصّها ظلّ بمنأى عن زخارف الآخرين، ورفضت الانتساب إلى أية سلالة، ذلك أن شعرها نتاج الوجع في المقام الأول، ولم تكن قضيتها تتعلّق ببنود كتابة قصيدة النثر التي شغلت جماعة مجلة «شعر»، إنما في كيفية الخلاص من حمم براكينها الذاتية، وتنظيف المدخنة من رماد العالم وكوابيسه وآثامه، وربما لهذا السبب أُعجبت الشاعرة بقصيدة سان جون بيرس «ضيّقة هي المراكب» التي ترجمها أدونيس آنذاك، دون غيرها، نظراً للنبرة المختلفة التي خاطبت مزاجها المختلف.


لا يمكننا أن نتجاهل السطوة اللاحقة لاسم الماغوط، وخفوت حضور اسمها للسبب نفسه

ولكن أية أقدار إغريقية، أتت بمحاربٍ شرس مثل محمد الماغوط كي يكون منقذ الشاعرة الناحلة من الغرق؟
هناك ما يشبه الخطأ التراجيدي الفادح في سيرة سنيّة صالح، فماذا لو محونا صورة محمد الماغوط من الإطار، هل ستكمل حياتها على نحوٍ آخر؟ كانت قد برّرت ارتباطها بصاحب «غرفة بملايين الجدران» بسطوة الحبّ وحده، في الدفاع عن خيارها، لكننا نظنّ بأن دمارها الشخصي كان بسبب هذه العلاقة غير المتكافئة لجهة شفافية روحها من جهةٍ، وخشونة «البدوي الأحمر» من جهةٍ ثانية. لم تكن علاقتهما الزوجية على ما يرام، رغم دفاعها المضني عن استمرار الشراكة بينهما، ومحاولتها ترويض بداوته، وعدم اكتراثه بالقراءة، خصوصاً، في الفترة التي كان مطارداً فيها، فهي من كان يجلب له الكتب والصحف والزهور خفية، برفقة صديقه زكريا تامر. الكتب التي تنتهي ممزّقة ومبعثرة فوق الأرض، ومبقّعة ببقايا القهوة، كما ساعدته في تظهير مسرحيته «العصفور الأحدب» في نسختها النهائية وذلك بتحويلها من قصيدة طويلة إلى مسرحية متعدّدة الأصوات. مآثر كثيرة صنعتها صاحبة «حبر الإعدام» (1970) في حياته، سنجد مقاطع منها في روايته اليتيمة «الأرجوحة»، فهو يعترف بأن «حياته من دونها لا تساوي أكثر من علبة ثقاب». لا نلوم مزاج الماغوط العكر، لكننا في المقابل، لا يمكننا أن نتجاهل السطوة اللاحقة لاسمه، وخفوت حضور اسمها للسبب نفسه. إذ استولى الماغوط على غنائم الشهرة كاملة، الشهرة التي يستحق بالطبع، نظراً لتفرّد نصوصه ووحشيتها البلاغية والحياتية، بالإضافة إلى خصائص حياته التي ارتبطت بالتسكع والعناد ومديح الهامش، فيما كانت سنية صالح تندحر إلى الداخل نحو متاهة الذات بشحنة ألم أكبر، ومتاهة خلاص مستحيل. هي ليست شاعرة واجهات، إنما كانت تتلمّس الضوء الداخلي لروحها المعطوبة وجحيمها الدنيوي، ومحاولة إنعاش أنوثة ذابلة قسراً. وكأن تسلّل وحش السرطان إلى عظامها المنهكة أتى ترجيعاً لخيباتها المتراكمة، هي التي «طلبتْ من الحب أن يكون ثأرها من العالم وحصانها السحري للنجاة»، لكن الحياة كانت تعمل في مكانٍ آخر، فلم يجدِ صراخها في إنقاذ حلمها الذي كان يتصدّع تحت مطارق الذكورة المنتصرة، والعنف، والإرهاب الكوني، إذ تعترف في حوارٍ معها، بقولها: «أنا أعجز أن أغيّر العالم أو أجمّله أو أهدمه أو أبنيه. أحسّ أنني كمن يتكلم في الحلم. ماذا يؤثر في العالم الكلام في الحلم؟». هذا الاستنتاج المبكر لمآل حياتها، أضفى على نصوصها حساسية مختلفة، ومعجماً فريداً وصادماً في مفرداته، ينطوي على عالم معدني، وبراكين من زرنيخ، وضمادات، وأسيد، وبوتاسيوم و«قمر طويل للنفايات». لكن قصيدتها، في مرحلةٍ ما، سوف تتأرجح في بعض مفاصلها بين المشهد العمومي ومكابدات الذات لتتعرى من البلاغة أو العمارة الشعرية، أو الابتكار، مكتفيةً بمخلّفات الحطام: «أيها الطائر المحلّق عبر الآفاق/ تذكَّر أن الرصاص في كل مكان/ تذكَّرني أنا المسافرة الأبدية/ طول حياتي أغدُّ السير/ وما تجاوزت حدود قبري»، كما ستكشف عن مطبخها الشعري بقولها: «عندما تحضر الحمّى الشعرية أخفف من حدة يقظتي، وأستسلم. ألغي مقاومتي لأعماقي إلى أقصى حد ممكن. تلي ذلك عملية تدفق داخلية، ترافقها عملية استسلام في الإرادة والحواس. ثم أدوّن ما أحصل عليه في مرحلة الهذيان هذه». لعل هذا ما يفسر عدم انشغالها الصريح بالزخرفة والمحو والإيقاع لمصلحة الهذيان وحده، في رهانٍ على قوة المعنى، وجسارة المواجهة، وعدالة الحلم، كأن تقول: «إنك من الزرنيخ يا سيّدي،/ أفتح فمي كل صباح وأبتلع جزءاً منك/ ولم تنتهِ/ قلت سيأتي يوم أتوحّش فيه/ وأفترسك/ ثم أستريح».

حيال حطام هذا الكائن الجريح، سيسعى الماغوط لاحقاً إلى إنصاف شريكته معنوياً، وذلك عن طريق مبادلة القسوة القديمة بالندم، طلباً لغفران لم يعد مجدياً على الأرجح، باعترافات من العيار الثقيل في مديح الأنثى والشاعرة بآنٍ واحد: «سنيّة هي حبي الوحيد، نقيض الإرهاب والكراهية، عاشت معي ظروفاً صعبة، لكنها ظلّت على الدوام أكبر من مدينة وأكبر من كون. كانت شاعرة كبيرة في وطن صغير، وبين نقّاد صغار». أما مرثيته «سيّاف الزهور» التي كتبها خلال احتضارها وأكملها بعد رحيلها، فكانت مثقلة بالأسى في حدّه الأقصى: «ثلاثين سنةً، وأنت تحملينني على ظهرك كالجندي الجريح، وأنا لم أستطع أن أحملك بضع خطوات إلى قبرك/ أزوره متثاقلاً، وأعود متثاقلاً، لأنني لم أكن في حياتي كلها/ وفيّاً أو مبالياً، بحب أو شرف أو بطولة». إنها امرأة من الطباشير، وفقاً لعنوان إحدى قصائدها في مجموعتها الأخيرة «ذكر الورد» (1988) التي صدرت بعد رحيلها، تكاد أن تذوب وتتفتت من الوجع وآلام الجسد الذي أنهكته الأدوية ومباضع الجرّاحين. تقول: «أهدابي يتراكم عليها صدأ العزلة، وزرنيخ المنفى. أطلق سراحنا، فتحتَ لساني مصنّف مليءٌ بالإهانات، بذلٍّ يكفي لنسيان جميع الحريات».
في بيتهما، في حي المزرعة الدمشقي، بالكاد نلمح صورة لها بالأبيض والأسود، تتكئ بخفر على أحد رفوف المكتبة، فيما تحتشد جدران صالة الاستقبال بصور الماغوط، واللوحات المرسومة له، وبورتريه معدني يجثم في ركن آخر. لعل في هذا المشهد الخاطف بالنسبة للزائر تكمن مأساة شاعرة فذّة كاد يطويها النسيان، مثلما طويت مذكراتها التي لا تزال بحوزة ابنتيها. المذكرات التي لا نشكّ بأنها ستزيح اللثام عن أسرارٍ كثيرة، وعن أسئلة غامضة تشبه عنوانها المقترح «سنيّة صالح، من أنت؟».