سنية صالح... شاعرة «بملايين الجدران» | «يا طفولتي البكر والمريرة/ يا براري أوسع من الخيال/ طفل صغير/ تخفّى من الرعب/ أكثر مما يحتمل قلبه المرتجف،/ قولي للعالم كله وأنت تبحثين عن قبورهم في الضباب/ إن الريح وهي تجري كالطغاة/ وحدها تجعلهم يصمتون طوال الليل/ والحذر يقف على أفواههم/ كالحراس أمام الزنزانات المضغوطة/ أتذكرين من خرج في الليل ليلاقي الريح؟».


خيّم محمد الماغوط كجبل عصيّ على حياتها وشعرها. وأكثر بساطة من هذا التعبير ارتباطها وجودياً به منذ تخفّيه عن أعين السلطات تلك الأيام في الغرفة الواطئة بدمشق وهي تهرّب له الكتب والدواويين والقهوة والسجائر. من إرث مديد نقرأه لها في كتب قليلة نعرف أن تلك العاطفة العنيفة لم تكن سوى نوع من البراعة التعبيرية لقصائد بقي طعمها غريب. وصايا شخصية لامرأة ابتليت بالوحدة وانعدام الأمن في حياتها. لذلك كان الموت مصدر الطاقة الحية لنصوصها الطويلة المضطربة ولها شكل السيرة المحمومة.
بملاحظة مماثلة كان ثمة منفى تقيم فيه، نادراً ما احتفلت بالأمكنة. استندت فقط إلى كلمات آتية من صدق بدائي ورموز مؤرقة دون سعي إلى تقديم شروحات قد تغري الآخرين، بتتبعها على اعتبارها امتثلت طوال حياتها لنوع من الوصاية الشعرية المؤبدة من كونها زوجة شاعر ظلّه بقي ثقيلاً بإرثه ومخيماً حتى على الأجيال اللاحقة، وقابلية قراءته بقيت ماثلة ومغرية وأخاذة.
كل هذا السرد والرسائل المبطنة المكتوبة على حبل مشدود تشبه الجروح المفتوحة تحت شمس صحراء نائية. مع عدم ميلها إلى تبني أي وثيقة نسوية، بل ذهبت أبعد من ردود الفعل إلى اكتشاف المنزل واكتشاف علاقتها العاطفية بابنتيها وزوجها الذي كانت تحدثه عن أحلامها فيقول لها: حاولي أن تفكري في الغابات.
لسبب ما تغريني فكرة مقارنتها بسيلفيا بلاث، لا لأكتشف الكرب والزواج المضطرب، بل ذلك الجسر الشعري والحياتي بين الاثنتين والموهبة القوية إلى الأسلوب الوحشي في تحطيم الذات لا يمكن تقليده. تقول سنية صالح: «ثمة عويل يربط قلبي بحنجرة الأرض». هذا الشعر أتى من جهة معاكسة وأقصد تماماً التأثيرات الغربية على جملتها «حمامة قديمة يقال لها أمي»، «أنا المرأة ذات الأعوام المسننة أنزف كجندي بُتر رأسه»، «أسقط كما تسقط رؤوس الأزهار»، «طوال حياتي أغذّ السير وما تجاوزت حدود قبري». تفاوتت قصائدها ولم يكن ثمة أي شرح لتلك الطريقة الأجنبية في التعبير عن الأسى والألم الفردي. لغة غرفت من الوحشة تلك القطع المرمرية على شكل نداءات مضمرة ولم ينته بها المكان إلى جهة ما. ولم نتذكر قراءتها إلا بعد زمان ونيف. «الزمان الضيق»، «حبر الإعدام»، «ذكر الورد»... عناوين باهظة قد تكشف الرموز والحوادث الشخصية تجدها في الظلال التي لا يطأها أحد. شعر بسيط بساطة هائلة مشحون بمشاعر العدم والعماء والخوف. مائيات مرسومة بالكوابيس لا تنتمي إلى أدب الاعتراف، بل صيغة من التراجم الحزينة لمصير امرأة كتبت سيرتها دون أن تدري. تتحرر الصورة بالتقنيات الهشة، ويبقى الشيء العصري الوحيد الماثل في هذا الشعر هو إله الموت. بقيت سنية صالح مثل صدى في الذاكرة الشعرية العربية. لأن هذه الذاكرة لا تستطيع أن تضاهي مشهد تلك الأقدار ولا المضي في شرح الأصوات الغامضة التي تأتي من ظلمة حياة الآخر ولا هذياناته.
ظلت بعيدة في الأمكنة الأكثر ظلمة: «رامبو الألف وبودلير العشرون جميعهم يجرون في دمائنا» هذا ما قالته في واحد من كتبها، وليس من تأويل لكل هذه الحداثة المريرة في هذا الصوت المعذب. سر القصيدة أن تستحوذ على ذلك الانتباه الخاص وما رافقها في ذلك التاريخ غير المكشوف، وأظن أننا نحتاج إلى مصادفة تاريخية كي نفتح الصندوق الأسود لحياة كانت معزولة عن كتابة أصحابها، وسيرة مفتوحة غير ملفقة بالندم.

* شاعر سوري